أظهرت معطيات التقرير السنوي للمركز السينمائي المغربي لسنة 2025 أن قطاع استغلال القاعات السينمائية واصل استعادة عافيته، مدفوعا بارتفاع عدد الشاشات، وتزايد الإقبال على دور العرض، وتحقيق الفيلم المغربي أفضل مستوياته التجارية خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع استمرار هيمنة شبكات العرض الحديثة على السوق وضخ استثمارات جديدة في البنية التحتية السينمائية.
وسجلت القاعات السينمائية بالمملكة خلال سنة 2025 ما مجموعه مليونين و186 ألفا و106 تذاكر، محققة 129 مليونا و784 ألف درهم من مداخيل شباك التذاكر، عبر 87 شاشة سينمائية بطاقة استيعابية بلغت 19 ألفا و149 مقعدا، وهو أعلى عدد من الشاشات المسجلة منذ أكثر من عقد، بما يعكس عودة الاستثمار في قطاع الاستغلال السينمائي بعد سنوات من التراجع.
الفيلم المغربي يرسخ مكانته التجارية
أكدت أرقام المركز السينمائي، أن الفيلم المغربي لم يعد مجرد حضور ثقافي داخل القاعات، بل أصبح فاعلا اقتصاديا رئيسيا في السوق. فقد استقطبت الإنتاجات الوطنية مليونا و34 ألفا و370 متفرجا، أي ما يقارب نصف مرتادي القاعات، وحققت 56 مليونا و347 ألف درهم من الإيرادات، لتستحوذ على 43.42 في المائة من إجمالي مداخيل السوق.
ورغم أن الأفلام الأمريكية استعادت الصدارة بفارق محدود جدا، بعدما بلغت حصتها 43.92 في المائة، فإن الفارق بين الطرفين لم يتجاوز نصف نقطة مئوية، وهو ما يعكس التحول الكبير الذي عرفه السوق المغربي خلال السنوات الأخيرة، بعدما كانت هوليوود تهيمن بفارق واسع.
وتكشف مقارنة تطور الحصص السوقية منذ سنة 2021 حجم هذا التحول، ففي ذلك العام استحوذت الأفلام الأمريكية على 58.83 في المائة من المداخيل مقابل 18.82 في المائة فقط للفيلم المغربي، قبل أن ترتفع حصة الإنتاج الوطني إلى نحو 35.7 في المائة خلال سنتي 2022 و2023، ثم يتصدر السوق لأول مرة سنة 2024 بنسبة 45.7 في المائة متقدما على الإنتاج الأمريكي، قبل أن يستقر المشهد سنة 2025 على منافسة متقاربة للغاية بين الطرفين.
البنية التحتية تتوسع
شهدت البنية التحتية السينمائية بالمغرب توسعا خلال سنة 2025، بعدما ارتفع عدد الشاشات النشيطة إلى 87 شاشة، وهو أعلى رقم يسجل منذ سنوات، مقارنة بـ71 شاشة سنة 2010، في مؤشر على عودة الاستثمار في قطاع استغلال القاعات، سواء عبر إنشاء مركبات جديدة أو تحديث القاعات القائمة.
وفي هذا الإطار، خصص صندوق دعم إنشاء وتحديث ورقمنة القاعات السينمائية 15 مليونا و900 ألف درهم، توزعت بين 9 ملايين و400 ألف درهم لإنشاء قاعات جديدة، و4 ملايين درهم لتحديث البنية التقنية، ومليونين و500 ألف درهم لرقمنة قاعات العرض.
واستفاد من دعم الإنشاء مشروع Pathé Dar Essalam بالرباط وسينما Inaya Ciné بالسعيدية، بينما استفادت قاعة IMAX التابعة لـMégarama بالرباط من دعم التحديث، وحصل مركب Cinerji بالمدينة الخضراء ببوسكورة على دعم للرقمنة.
غير أن هذا التوسع لم يواكبه انتشار جغرافي متوازن للقاعات السينمائية، إذ تكشف المعطيات استمرار تمركز العرض في عدد محدود من المدن. فمن أصل 87 شاشة، توجد 32 شاشة بالدار البيضاء، و21 شاشة بالرباط، و15 شاشة بطنجة، و10 شاشات بمراكش، ما يعني أن هذه المدن الأربع تستحوذ وحدها على 78 شاشة، أي حوالي 89.7 في المائة من إجمالي الشاشات النشيطة.
أما باقي العرض فيتوزع بين فاس بثلاث شاشات، والجديدة بثلاث شاشات، ومكناس بشاشتين، وتطوان بشاشة واحدة، بينما تظل غالبية المدن والأقاليم المغربية خارج خريطة القاعات السينمائية التجارية.
شبكات كبرى تحتكر السوق
تبرز معطيات تقرير المركز السينمائي تمركزا واضحا لسوق استغلال القاعات في يد عدد محدود من الفاعلين، إذ تستحوذ مجموعتا Mégarama وPathé وحدهما على 90.77 في المائة من إجمالي مداخيل شباك التذاكر بالمغرب.
وتواصل مجموعة Mégarama تصدرها للسوق بإيرادات بلغت 73 مليونا و808 آلاف درهم، أي ما يمثل 56.87 في المائة من إجمالي المداخيل، مستفيدة من شبكة تضم 48 شاشة وأكثر من 10 آلاف مقعد موزعة على ستة مركبات في خمس مدن.
أما مجموعة Pathé، فرغم امتلاكها 12 شاشة فقط وسعة لا تتجاوز ألفا و282 مقعدا، فقد حققت 44 مليونا وواحد ألف درهم، أي 33.90 في المائة من السوق، ما يعكس مردودية مرتفعة للقاعات الحديثة ومعدلات إشغال عالية وأسعار تذاكر أعلى مقارنة بالقاعات التقليدية.
وجاءت شبكة Cinéatlas في المرتبة الثالثة بإيرادات بلغت 4 ملايين و684 ألف درهم، بحصة 3.61 في المائة، متبوعة بسينما Le Colisée بمراكش التي حققت مليونين و15 ألف درهم، ثم Cinerji Ville Verte بـمليون و463 ألف درهم، فيما سجلت سينما Avenida بتطوان 910 آلاف درهم، وسينما Caméra بمكناس 873 ألف درهم.
أما باقي القاعات السينمائية، وعددها عشر قاعات تضم 12 شاشة، فلم تتجاوز حصتها مجتمعة 1.56 في المائة من السوق، بإيرادات بلغت حوالي مليونين و27 ألف درهم، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين المركبات السينمائية الحديثة والقاعات التقليدية.
“Pathé Californie” في الصدارة
وعلى مستوى القاعات الأكثر استقطابا للجمهور، احتلت Pathé Californie بالدار البيضاء المرتبة الأولى، بعدما حققت 43 مليونا و650 ألف درهم من المداخيل، واستقبلت أكثر من 519 ألف متفرج خلال سنة واحدة.
كما واصلت مركبات Mégarama في الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة وفاس استقطاب القسم الأكبر من الجمهور، وهو ما يؤكد استمرار تمركز النشاط السينمائي داخل المدن الكبرى، مقابل حضور محدود لباقي الجهات.
سوق التوزيع.. ثلاث شركات تتحكم في ثلثي الأفلام
كشفت بيانات التقرير أن السوق عرف توزيع 249 فيلما عبر 44 شركة توزيع، غير أن ثلاث شركات فقط استحوذت على حوالي ثلثي الأفلام المعروضة.
وتصدرت Mégarama Maroc القائمة بتوزيع 72 فيلما، أي 28.91 في المائة من إجمالي الأفلام، تلتها Film Event Consulting بـ57 فيلما، ثم Marrakech Spectacles بـ37 فيلما.
في المقابل، يظل النسيج المهني للتوزيع مشتتا، إذ إن أكثر من 35 شركة لم توزع سوى فيلم واحد أو ثلاثة أفلام فقط خلال السنة، في مؤشر على اعتماد عدد كبير من المنتجين على التوزيع الذاتي بدل اللجوء إلى شركات متخصصة.
المغرب يتصدر تأشيرات الاستغلال التجاري
وعلى مستوى تراخيص عرض الأفلام، منح المركز السينمائي المغربي خلال سنة 2025 ما مجموعه 249 تأشيرة استغلال تجاري، تصدرتها الأفلام المغربية بـ79 تأشيرة، متقدمة على الأفلام الأمريكية التي حصلت على 76 تأشيرة، تليها الفرنسية بـ22 تأشيرة، ثم المصرية بـ15 تأشيرة.
وفي المقابل، سجلت تأشيرات العروض الثقافية رقما غير مسبوق بلغ ألفين و689 تأشيرة، بعدما كانت لا تتجاوز ألفا و226 تأشيرة سنة 2021، وهو ما يعكس تنامي نشاط المهرجانات والجمعيات الثقافية والمراكز السينمائية عبر مختلف مناطق المملكة.
وفي ما يتعلق بالعقود المسجلة الخاصة بالأفلام، بلغ مجموعها 192 عقدا خلال سنة 2025، تصدرتها الولايات المتحدة بـ75 عقدا، تلتها المغرب بـ27 عقدا، ثم فرنسا بـ20 عقدا.