خطاب جلالة الملك في الذكرى السابعة والعشرين لتربعه على عرش اسلافه الميامين، عكس نظرة عميقة ومقاربة أصيلة لا تقوم على مجرد استعراض ما تحقق من منجزات، رغم ان حضور الاشارة الى بعضها يشكل أساسا لفهم الحصيلة العامة التي اعتاد المغاربة انتظارها في هذه الذكرى العزيزة على قلوبهم، بل جاء أيضا ليؤكد تحولا في تقييم هذه المنجزات وحضورها في المجهود التنموي العام للبلاد، فبدل الاشارة الى المظاهر الاحصائية والعددية للتنمية الصناعية والفلاحية والسياحية، أصبح النظر يوجه الى نوعية الاستثمارات وجودتها وقوتها ووزنها وحضورها في المنظومة الاقتصادية الدولية، مع ربطها بقدرتها على التأثير على الحياة اليومية للمواطنين وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
لقد حمل الخطاب رسالة مركزية مفادها أن التنمية الحقيقية ليست تلك التي تنعكس في المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل تلك التي يلمسها المواطن في جودة الخدمات العمومية، وفرص الشغل، ومستوى العيش، والولوج المنصف إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية. لقد حافظ على التوازن بين تثمين ما حققه المغرب من مكتسبات وبين التنبيه إلى أن النمو الاقتصادي لا يكتمل إلا إذا انعكس على التشغيل وتحسين القدرة الشرائية وتعزيز الطبقة الوسطى. فالمؤشرات الاقتصادية، مهما كانت إيجابية، لا تكتسب معناها الكامل إلا عندما تتحول إلى مكاسب اجتماعية يشعر بها المواطن.
لقد أعاد الخطاب توجيه النقاش العمومي من سؤال «ماذا أنجزنا؟» إلى سؤال أكثر عمقاً: «ما الأثر الذي أحدثته هذه الإنجازات؟». لقد ورد في مقدمه خطابه البليغ، الذي يتوجب على كل قارئ ان يولي اهتماما أكبر لكلمات بليغة جاءت على لسان جلالته، حيث قال ان توليه عرش المملكة طيلة سبع وعشرين سنة لم يستهدف الحصول على مجد شخصي او اعتراف بالريادة، بل ان كل ما هم جلالته طيلة هذه المرحلة هو النهوض بخدمة الشعب المغربي وتمكين المغاربة من شروط العيش الكريم
اضافة الى العناصر المذكورة المؤسسة للخطاب الملكي، وجب التوقف الى ما قاله جلالته من ان هذه الحصيلة تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، فهي وان ظهرت الى الوجود في عهد حكومة أو ولاية برلمانية ما، فإنها حصيلة عمل ممتد وعميق في الزمن، يتجاوز عمر الولاية الحكومية والبرلمانية، انه ثمرة منهجية رسمها جلالته منذ اعتلائه عرش اسلافه، عندما انكب علماء الاجتماع على تحليل خطبه ورصد خطواته، فوصف بملك الفقراء، حيث قال جلالته ان “كل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة بل ثمرة توجه استراتيجي واضح ومذهب في الحكم يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة والنقد الذاتي البناء والتطلع الى المستقبل بكل عزم وروح ايجابية”
الخطاب كان أيضا خطاب الطمأنة واشاعة الثقة في المستقبل، فبالنسبة لجلالته فإن اعتزازه بالمكاسب المحققة والتفاؤل بالمستقبل لم يكن مجرد احساس ذاتي بالرضى عن الذات، وانما هو شعور ايجابي موضوعي بالثقة والطمأنينة، يشيع به جلالته احساس الثقة في صواب الاختيارات التي اتخذتها المملكة، وفي صحة المنهجية المتبعة، ويحفز به جميع المواطنات والمواطنين على مواصلة العمل والجهود، بكل ثقة في أن المملكة ملكا وشعبا على المسار الصحيح، وفي ذلك اعتبر ان المرحلة المقبلة ينبغي ان تسودها روح الثقة والتفاؤل في مواجهة خطابات اليأس والاحباط، خصوصا باستحضار ما تنعم به المملكة من نعم الاستقرار، خصوصا ونحن نتواجد في محيط اقليمي ودولي تندر فيه عملة الاستقرار السياسي والمؤسساتي، وكذلك ما تتميز به الدولة ومؤسساتها من قوة ونجاعة في الاشتغال، وهي عوامل تدعو الى مواجهة المستقبل بكل ثقة.
ولأن السياق انتخابي بامتياز داخل المملكة، حيث يجري اتمام الاعداد للاستحقاقات الانتخابية، فإن ذلك يسم الخطاب الملكي بخاصية الاستشراف. لذلك فإنه يحمل على الخصوص رسائل موجهة إلى الحكومة والأحزاب السياسية تؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة هامة في مسار الامة المغربية، وأن معيار النجاح لن يكون الخطاب السياسي أو كثرة الوعود، وإنما القدرة على تحقيق نتائج ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين، ويفهم منه أن ما ينتظر من هذه الانتخابات هو ان تفرز نخبة برلمانية كفؤة ونزيهة مؤهلة لمواكبة المشاريع وخوض التحديات المرتقبة.
ولإن كان خطاب العرش لسنة 2026 يمثل انتقالاً نوعيا في وضع الحصيلة، من مرحلة بناء المشاريع إلى مرحلة تقييم أثرها، ومن منطق الإنجاز إلى منطق النجاعة، ومن التركيز على الوسائل إلى التركيز على النتائج. فإن ذلك يعد رسالة تحمل في جوهرها دعوة صريحة لجميع المكونات والهيئات السياسية والحزبية إلى جعل المواطن المعيار الحقيقي لنجاح السياسات العمومية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس نموذجاً تنموياً يقوم على العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي والحكامة الجيدة.