كشفت معطيات التقرير السنوي للمركز السينمائي المغربي لسنة 2025 أن القطاع السينمائي لم يحقق فقط نموا على مستوى الإنتاج، بل عرف أيضا توسعا لافتا في شبكة المهرجانات الوطنية، مقابل استمرار الحضور القوي للفيلم المغربي في كبريات التظاهرات الدولية، بما يعكس اتساع دائرة النشاط السينمائي داخل المملكة وتعزيز إشعاعه خارج الحدود.
وأظهرت الأرقام أن المغرب احتضن خلال سنة 2025 ما مجموعه 84 مهرجانا وتظاهرة سينمائية، منها 69 مهرجانا استفادت من صندوق الدعم، إضافة إلى 15 تظاهرة نظمت خارج منظومة الدعم العمومي، وهو رقم يعكس كثافة غير مسبوقة في البرمجة السينمائية، وامتدادها إلى مدن كبرى ومتوسطة وصغيرة بمختلف جهات المملكة.
وتبرز قراءة توزيع المهرجانات أن النشاط السينمائي لم يعد حكرا على محور الرباط والدار البيضاء ومراكش، بل امتد إلى عشرات المدن، من بينها طنجة وتطوان وخريبكة وسلا ومكناس وأكادير ووجدة والداخلة وزاكورة وآسفي وتازة وكلميم والرشيدية وشفشاون وإيموزار كندر وأيت ملول وأولاد تايمة وبنجرير ووادي زم ومشرع بلقصيري وغيرها، وهو ما يعكس اتساع الخريطة الثقافية للسينما المغربية.
ورغم هذا الانتشار، حافظت المهرجانات الكبرى على هيمنتها الواضحة على ميزانية الدعم. فقد استأثر المهرجان الدولي للفيلم بمراكش وحده بـ12 مليون درهم، فيما حصل المهرجان الوطني للفيلم بطنجة على 7 ملايين و500 ألف درهم، أي أن المهرجانين استحوذا معا على 19 مليونا و500 ألف درهم، وهو فارق كبير مقارنة بباقي المهرجانات، يعكس مكانتهما باعتبارهما واجهة السينما المغربية وطنيا ودوليا.
ويظهر سلم الدعم وجود فجوة واضحة بين المهرجانات الكبرى وباقي التظاهرات، إذ لم يتجاوز دعم أكبر مهرجان بعد مراكش وطنجة مليونا و300 ألف درهم، وهو المبلغ المخصص للمهرجان الدولي لسينما البحر الأبيض المتوسط بتطوان، بينما حصل مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة على مليون و200 ألف درهم، في حين تراوحت منح أغلب المهرجانات الأخرى بين 50 ألفا و300 ألف درهم.
وتكشف المعطيات أيضا تنوعا لافتا في طبيعة المهرجانات، بعدما لم تعد تقتصر على السينما الروائية، بل أصبحت تشمل مهرجانات متخصصة في سينما المرأة، والوثائقي، والتحريك، والسينما الأمازيغية، والطفولة، والشباب، والهجرة، والبيئة، والكوميديا، وسينما الجبل، وسينما البحر، والفلسفة، والسينما المدرسية، وهو ما يعكس توجها نحو تنويع العرض الثقافي واستهداف شرائح مختلفة من الجمهور.
وفي مقابل المهرجانات المدعومة، سجل التقرير تنظيم 15 تظاهرة مستقلة دون الاستفادة من صندوق الدعم، من بينها مهرجانات في الرباط والدار البيضاء ومراكش ووزان والمحمدية وإنزكان والصويرة، بما يؤكد استمرار المبادرات المدنية والجمعوية في تنشيط الحياة السينمائية خارج منظومة التمويل العمومي.
وعلى الصعيد الدولي، تؤكد الأرقام أن الفيلم المغربي واصل توسيع حضوره في المحافل العالمية، بعدما سجل 147 مشاركة خارجية خلال سنة 2025، منها 88 مشاركة ضمن المسابقات الرسمية، وهو ما يعني أن ما يقارب ست مشاركات من كل عشر كانت في منافسات رسمية، بما يعكس الثقة المتزايدة للمهرجانات الدولية في الإنتاج المغربي.
كما توجت هذه المشاركات بحصد 37 جائزة دولية، وهو معدل يقارب جائزة واحدة مقابل كل أربع مشاركات دولية، ما يعكس ارتفاع المردودية الفنية للمشاركات المغربية، وعدم اقتصارها على الحضور الرمزي داخل التظاهرات.
وتظهر قائمة التتويجات أن المنافسة لم تعد مرتبطة بفيلم واحد، بل شملت عددا من الإنتاجات المغربية. فقد تصدر فيلم “Calle Malaga” للمخرجة مريم التوزاني المشهد بست جوائز دولية، متبوعا بفيلم “Everybody Loves Touda” للمخرج نبيل عيوش بأربع جوائز، ثم فيلم “Algues Amères” لإدريس الشويكة بأربع جوائز أيضا، إضافة إلى تتويجات مهمة لفيلم “Empreintes du vent” للمخرجة ليلى التريكي، وفيلم “La mer au loin” لسعيد حاميش بن العربي.
كما تكشف قائمة المشاركات الدولية أن الحضور المغربي لم يعد يقتصر على الفضاءين العربي والإفريقي، بل أصبح يمتد إلى مختلف القارات، عبر مهرجانات في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك والأرجنتين وأستراليا والهند وإندونيسيا وتركيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا وهولندا والسويد وبولندا واليونان، إلى جانب عدد كبير من الدول العربية والإفريقية، وهو ما يمنح الفيلم المغربي انتشارا جغرافيا واسعا داخل أهم أسواق السينما العالمية.
وتبرز قراءة الأعمال المشاركة كذلك تنوع الإنتاج الوطني، إذ حضرت الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، إلى جانب الأفلام الوثائقية، في عشرات المهرجانات الدولية، بما يعكس تطور مختلف أشكال الإنتاج السينمائي المغربي، وعدم اقتصار النجاح الخارجي على نوع سينمائي واحد.
وتشير هذه المعطيات إلى أن سنة 2025 شكلت محطة مهمة في مسار السينما المغربية، إذ جمعت بين اتساع القاعدة التنظيمية للمهرجانات داخل المملكة، واستمرار الرهان على التظاهرات الكبرى، مع تنامي الاعتراف الدولي بالأفلام المغربية، سواء من خلال عدد المشاركات أو حجم الجوائز، بما يعزز مكانة المغرب كأحد أبرز الفاعلين السينمائيين في المنطقة.