أحلام مبللة..
منتدى العمق

أحلام مبللة..

انتشرت على مواقع “السوشل ميديا” صورة لشابة ترتدي بزة سباحة، وجدت نفسها تراوغ الأمواج وحواجز الفرق الأمنية سابحة نحو أحلام رسمتها في مخيلتها، بعد أن راوغت بالهواية ضمن فرق كرة القدم وكرة الطاولة داخل جمعيات رياضية يديرها أناس من صنف الرخويات يمارسون رياضة الأصابع ورياضات أخرى تحت الطاولة، فطاحلة في تصريف فعل أكل يأكل. من الصورة كانت تفوح رائحة الفرح من رياضية تدعى فرح، ليصح معها القول المأثور”إسم على مسمى”. تبين بعد ذلك أنها التقطت لشابة من أصول شمالية وصلت سبتة سباحة. بعدها تعالت الصور والفيديوهات والسطوريات لأمواج بشرية امتزجت برمال الشاطئ متحدية أمواج البحر الأبيض المتوسخ في محاولات لممارسة رياضة “السباحة على القهر” نحو الضفة السليبة.

قبل سنوات، كانت قد طفت على الصفحة الرسمية “أنستغرام” لفريق كرة اليد ينتمي لعصبة الشمال، صورة للاعبه عدنان، بعد وصوله سبتة سباحة من الفنيدق. انهالت أسفل الصورة جملة تعاليق من لاعبي الفريق ومسؤوليه. عزا أحد مسؤولي الفريق، رحلة هذا الشاب لحالة عائلته المزرية، متمنيا له الاحتراف هناك والعودة لتمثيل منتخب بلاده في يوم ما. بينما ربط مدرب الفريق نجاح عدنان في السباحة على القهر، بالتداريب الشاقة التي تلاقاها بحضرته في تقوية عضلات ساعديه، على الأقل وإن لم تنجح في رمي كرات محشوة بالهواء نحو مرمى الخصوم، فإنها نجحت في ترويض الأمواج. ترددت الحكايات وتطاير شظايا ال”إيموجات” والاعجابات والقلوب تعليقا على مشجب الواقعة، انضم رئيس الفريق للمغردين، وعلق بلازمة “فبلادي ظلموني”، بعد أن أزال ربطة العنق، لأنها وهذه الأغنية لا يستقيمان. وقيل في رواية أخرى أن عدنان لا يزال يرابط على جنبات ملاعب سبتة، أملا في اقتناص فرصة سانحة لاحتراف يختصر عليه الركض وراء قطعة رغيف.

قبل عدنان، كان علي حبابا عميد فريق أمل أولمبيك اسفي لكرة القدم، انتقل على سبيل “الحريك”، أملا في انتقال حر، وما أن داب القارب بين عنان الأمواج بمعية زملائه حتى رمى بشارة العمادة، في بطن البحر. ولأن عقيدة الرياضة لا تصح إلا بتبني القدوة والمثال الحسن، فإن مريم بوعيد لاعبة منتخب النساء للكرة، اختارت لاعبين “حراكة” قدوة لها وسراجا منيرا. ورياضيون آخرون، على غرارها، ألقوا بميدالياتهم في غياهب البحر، وهم على مرمى رمية تماس من دخول الجزيرة الخضراء فاتحين.

على جداره الفيسبوكي نشر أستاذ اجتماعيات معتزل صورة مرفوقة بتغريدة زاجلة، كان في زمنه يعد من الراسخين في علم التاريخ والجغرافيا، حل ببلاد البرتقيز سائحا، فتحرشت به نوستالجيا المجد الأموي، وتراقصت بين تلافيف ذاكرته لازمة “البحر وراءكم والعدو أمامكم”، نشر صورة لخريطة الموحدين في أحد “السطوريات” مرفوقة بمقطع “مهمومة هذ الدنيا مهمومة”، رَمَّد تأشيرة السياحة وطال مقامه، ولسان حاله يردد أغنية الشاب خالد “سي لا بي”. تخلى عن قواميس مدارس الريادة وطرق الحريد وتبنى من معاجم “الحراكة” لازمة “عطيني الفيزا والباسبور”.

شاهد عيان من جيل الجالية، من الذين آمنوا بضرورة تغيير المنكر باللسان، أدلى بدلوه فور عودته من وراء البحر، حين جالس نفرا من أبناء دربه، ممن “يعصرون” عادة على قهوة “نص نص”، في أحد المقاهي الشعبية. تركزت نحوه الأنظار، وهو يقسم بأغلظ اليمين أنه شاهد بكلتا مقلتيه نادلا تركه هناك يمرر فناجين القهوة للزبناء في إحدى مقاهي مدريد، ويسدد ابتسامات مجاملة لآخرين، بعد أن كان بالأمس لاعبا قيدوما ضمن أحد فرق تطوان يسدد القذائف نحو مرمى الخصم، ويمرر لمهاجمين يفتقدون لذخيرة حية.

قناة إعلامية من الصنف الذي يلهث خلف “البوز” ضمن صحافة شاهد قبل الحذف، سلطت فلاشاتها على أحدهم ويدعى “سيمو”. بعد أن وصلت أحد مقاطعه لنصاب “الطوندونس”، في “لايف” فيسبوكي تحدث عن هجرته سباحة، يقول أنه يتوفر على دبلوم تدريب من الاتحاد الافريقي. “سيمو” يطرد الملل بتدريب المهاجرين، وتلقينهم مبادئ التوغل في معترك عمليات الأنصار، لتفادي الوقوع في مصيدة التسلل وترحيل العودة.

اللجان الأولمبية والجهات و”الزوايا” المسؤولة عن تكوين الرياضيين الأولمبيين، عادة ما تصرف ميزانيات محشوة بكثرة الأصفار بعد الرقم تسعة. ثم تجتمع تلك الأصفار كحصيلة عند عد الميداليات، حين تتهدم خيام الأولمبياد، وتختتم المسابقات. أما المسؤول عن “التنقيب”، فيعد مصابا بعوز النظر، حين يصرف أنظاره عن “حراكة”، يجيدون السباحة، والقفز بالزنى، وركوب الأمواج، والنط على الجدران، وتخطي الأسلاك الشائكة، قد تلازمهم صفة “رياضي”، لكن مع وقف التنفيذ، حيثما غاب وكيل أعمال، أو منقب معتمد يزيل عنهم نقاب البؤس والقهر. عكس ما فعله القشتاليون مع “حراك” تسلل لتخومهم قبل سنوات ثم منحهم لاعبا قاد بلادهم لمنصة مونديال ترامب.

لا نحتاج لمنقبين ووكلاء يبحثون عن رائحة “اللحم في الشاقور” في سجلات الحالة المدنية وتواريخ الرياضيين لتمثيل المغرب، لكن نحتاج لمسؤولين يستوعبون مغزى “هب فتاك لب نداك”. لا نحتاج لمعطر جو نرشه عندما تزكمنا روائح الفضائح، وإنما نحتاج لتعقيم أكبر، وتصريف الأفعال المعتلة والناقصة والممنوعة من الصرف للوصول إلى عش الدبابير.