وجهة نظر

درعة تافيلالت.. حين يظلم الهامش نفسه قبل أن يلوم المركز

الحديث عن جهة درعة تافيلالت حديث ذو شجون، فالجهة ليست هامشا عاديا في الخريطة المغربية فحسب، بل هي مفارقة تاريخية تمشي على قدمين. الجهة تمثل مجالا كان في أزمنة سابقة بوابة للتجارة العابرة للصحراء، ومعبرا للقوافل والأفكار والبشر، ثم انتهى في الدولة الحديثة إلى موقع ينتظر الطريق والمستشفى والجامعة وفرصة الشغل.

سجلماسة، في تافيلالت، قامت حولها مدينة ودولة تجارية، وظلت مرتبطة بالتجارة العابرة للصحراء قرونا طويلة. كما يمثل قصر آيت بن حدو، المصنف تراثا عالميا، نموذجا استثنائيا للعمارة الطينية وللمجال ما قبل الصحراوي. أي أن الجهة لم تولد هامشا، بل جرى دفعها تدريجيا إلى الهامش بعدما تغيرت طرق الثروة ومراكز القرار.

تغطي درعة تافيلالت نحو 12.5 في المائة من التراب الوطني، لكنها ظلت قليلة السكان وضعيفة التمدن مقارنة بالمعدل الوطني. وتكشف معطيات الإحصاء العام لسنة 2014 أن نسبة التمدن فيها لم تتجاوز 34.1 في المائة مقابل 60.4 في المائة وطنيا، بينما بلغ معدل الأمية 34.5 في المائة، وارتفع إلى 46 في المائة لدى النساء. وفي القطاع الصحي، أظهرت بعض المعطيات اختلالا حادا داخل الجهة نفسها. 510 أسرة استشفائية في إقليم الرشيدية مقابل 58 فقط في زاكورة، مع تفاوت مماثل في توزيع الأطباء. الأرقام المذكورة قديمة نسبيا، لكنها تكشف عمق نقطة الانطلاق التي ما زالت آثارها قائمة.

وسجلت الجهة نموا اقتصاديا بلغ 6.2 في المائة سنة 2024، مدفوعا أساسا بأنشطة البناء، غير أن نصيب الفرد من الناتج الداخلي الجهوي لم يتجاوز 29,115 درهما، مقابل معدل وطني قدره 43,891 درهما. والمفارقة هنا واضحة، فقد ترتفع وتيرة الأشغال من دون أن يتحول المجال إلى اقتصاد منتج قادر على الاحتفاظ بشبابه. والنمو الذي تقوده الأوراش وحدها لا يكفي، فالرافعات الحقيقية هي الصناعة المرتبطة بالموارد المحلية، والسياحة ذات القيمة المضافة، والخدمات، والبحث العلمي، وسلاسل إنتاج التمور والتفاح والورد والزعفران والمعادن والصناعة السينمائية.

وإذا كانت الهجرة هي الاستفتاء الأكثر صدقا على جاذبية أي مجال، فوفق نتائج إحصاء 2024، لم تستطع درعة تافيلالت الاحتفاظ إلا بنحو 71.7 في المائة من أبنائها، وسجلت 606,060 مغادرا مقابل 96,411 وافدا، بصافي هجرة سلبي يقارب 510 آلاف شخص وفق مقاربة «هجرة مدى الحياة». وتذهب نسبة مهمة من المغادرين إلى الدار البيضاء–سطات وفاس–مكناس والرباط–سلا–القنيطرة. وحين يغادر الطبيب والمهندس والأستاذ والتاجر والطالب، لا تخسر الجهة فردا فقط، بل تخسر شبكة علاقات وخبرة ورأسمالا اجتماعيا كان يمكن أن يبني مؤسسة أو مقاولة أو مبادرة محلية.

ومع ذلك، سيكون من السهل والمريح أن نضع كل المسؤولية في حساب «المركز». نعم، عانت الجهة من منطق وطني ركز الثروة والاستثمار والبنيات الكبرى في أقطاب محددة، وظلت الفوارق الجهوية قائمة في التنمية والرأسمال البشري وكثافة التجهيزات. كما أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي نفسه أقر بأن تداخل الاختصاصات وضعف القدرات التشغيلية للجماعات يعرقلان التنمية الترابية. لكن هذه الحقيقة، على قوتها، لا تعفي أبناء الجهة، وخصوصا نخبها المنتخبة والإدارية والاقتصادية والثقافية، من مسؤولية لا تقل خطورة بتحويل التهميش من وضع مفروض إلى عادة مقبولة.

وأقسى ما يمكن قوله عن درعة تافيلالت هو أن بعض أبنائها ظلموها قبل غيرهم. لا أقصد الفلاح الذي يقاوم الجفاف، ولا المرأة التي تقطع المسافات طلبا للعلاج، ولا الشاب الذي اضطر إلى الهجرة. بل أقصد أساسا من امتلكوا سلطة القرار أو المال أو المعرفة، ثم تعاملوا مع الجهة بوصفها خزانا انتخابيا، أو عنوانا للحنين، أو منصة للترقي الشخصي، لا مشروعا جماعيا طويل النفس.

الدليل الأكثر إيلاما تقدمه مؤسسات الرقابة نفسها. فقد سجل المجلس الأعلى للحسابات أن برنامج التنمية الجهوية الخاص بالفترة 2015-2021 لم يصادق عليه مجلس جهة درعة تافيلالت إلا في مارس 2022. أي بعد انتهاء المدة التي كان يفترض أن يؤطرها. كما أشار إلى أن النسخة النهائية من التصميم الجهوي لإعداد التراب لم تكن قد حصلت على التأشير حتى نهاية 2022. يمكن مناقشة مسؤولية الدولة في التأخر القانوني والتأشير ونقل الاختصاصات، لكن لا يمكن تبرير أن تصل جهة شاسعة وفقيرة إلى نهاية الولاية وهي لم تحسم بعد بوصلتها التنموية.

الجهة ظلمها أبناؤها حين جعلوا حدود الأقاليم أقوى من وحدة الجهة. فالراشيدية تنافس ورزازات، وتنغير تشعر بأنها مؤجلة، وزاكورة ترى نفسها في آخر الصف، وميدلت تنظر شمالا بقدر ما تنظر جنوبا. وبدل بناء كتلة ترابية تترافع عن الماء والصحة والجامعة والطرق والاستثمار، تحولت الجهة أحيانا إلى خمس لوائح مطالب متجاورة. النتيجة أن كل إقليم يطلب مشروعه الصغير، بينما تضيع المشاريع العابرة للأقاليم التي وحدها تصنع سوقا جهوية وتخلق وزنا تفاوضيا أمام الحكومة.

كما ظلمها بعض منتخبيها حين اختزلوا السياسة في الوساطة، وظيفة هنا، ورخصة هناك، وطريق إلى دوار قبيل الانتخابات، أو جمعية تستدعى عند الحاجة. واختزلوها في صناديق الاقتراع حتى صارت كل المشاريع مؤجلة حتى يقترب زمن السباق الانتخابي. التنمية ليست مجموع خدمات فردية، بل قدرة على ترتيب الأولويات، وصناعة التوافق، وربط الميزانية بنتائج قابلة للقياس. والمنتخب الذي يكتفي بإلقاء اللوم على الوزارات من دون أن ينشر للناس ما أنجزه وما تعثر ولماذا، يشارك في صناعة الهامش حتى لو رفع أعلى الشعارات دفاعا عنه.

وظلمها أبناؤها المهاجرون، أو بالأحرى جزء من نخبهم الناجحة، حين بقيت علاقتهم بالبلد الأصلي عاطفية واستهلاكية بدل جعلها مؤسساتية. لا عيب في بناء بيت أو إعالة أسرة أو تمويل مناسبة اجتماعية، لكن الجهة تحتاج أيضا إلى صناديق استثمار محلية، وحاضنات مقاولات، ومنح للطلبة، وشراكات بحثية، وتسويق جماعي للمنتجات. ويبقى تحويل التحويلات المالية والخبرة المتراكمة في المدن والمهجر إلى رأسمال منتج هو الحلقة المفقودة. وهذه ليست إدانة للمهاجر، بل دعوة إلى تجاوز صدقة الموسم نحو مؤسسة تدوم.

كما ظلمها مثقفوها حين أكثروا من مديح الصحراء والصبر والكرم، وقللوا من نقد البنيات التي تنتج الفقر واللامساواة. بل وجرى أحيانا تجميل الحرمان حتى بدا وكأنه جزء من الهوية. المرأة القوية التي تحتمل، والطفل الذي يمشي كيلومترات إلى المدرسة، والمريض الذي يسافر ليلا إلى مدينة بعيدة، والفلاح الذي ينتظر السماء. الصمود فضيلة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء المسؤولين. فأخطر خطاب هو الذي يحول المأساة إلى فلكلور.

وظلمتها جمعياتها حين انقسم بعضها بين منطق «المشروع» القصير ومنطق القرب السياسي، بدل بناء جبهة مدنية مستقلة تنتج المعرفة وتراقب الميزانيات وتقترح البدائل. فالجهة لا تحتاج إلى بيانات الغضب بعد كل فيضان أو عطش أو وفاة على الطريق فقط. بل تحتاج إلى مرصد دائم للماء، وخريطة سنوية للخدمات الصحية، وتتبع علني للمشاريع، ومقارنة بين التزامات المنتخبين والنتائج. والمجتمع المدني الذي لا يراكم المعلومات يبقى صوته عاليا وتأثيره ضعيفا.

وظلمتها بعض البنى الاجتماعية حين تعاملت مع تعليم الفتاة، ومشاركة النساء، وحرية الشباب في المبادرة باعتبارها ملفات ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الطريق والماء. والحقيقة أن الطريق التي لا تعبرها المرأة نحو سوق الشغل، والمدرسة التي لا تمنح الطفل قدرة على السؤال، والمجلس الذي يظل حكرا على الوجوه نفسها، ليست علامات تنمية مكتملة. ولا يجوز استعمال «الخصوصية المحلية» لحماية سلطة الأعيان أو لإسكات النساء والشباب. فالمجال الذي يقصي نصف طاقته البشرية يفرض على نفسه تهميشا إضافيا لا تستطيع أي ميزانية مركزية أن تعالجه وحدها.

كما ظلمها خطاب الاستثناء الدائم. فمن كثرة وصف الجهة بأنها بعيدة وقاسية وفقيرة، صار بعض المترافعين يقدمونها كحالة تستحق الشفقة لا كاقتصاد يملك فرصا تنافسية. الفرق كبير بين طلب الإحسان والمطالبة بالاستثمار المنتج. الأول ينتهي بقافلة طبية أو إعانة موسمية، والثاني يفرض مستشفى مجهزا، وتكوينا للأطباء، ونظام نقل صحي، ومحاسبة على النتائج. والأول يحتفل بتوزيع شتلات أو معدات، والثاني يسأل عن الإنتاجية والتسويق والماء ودخل الفلاح بعد خمس سنوات. والنخب المحلية التي تتقن لغة المطالب، ولا تتقن بالقدر نفسه لغة الدراسات الجاهزة والتمويل المركب والعقود والآجال والمؤشرات لا يمكن أن تنتج إلا فرصا تضيع بين المطالب المشروعة والملفات الضعيفة.

لكن تحميل الأبناء المسؤولية يجب ألا يتحول إلى حيلة لتبرئة الدولة. فالمغرب نفسه يقر باستمرار التفاوتات الترابية، والجهة تواجه كلفة جغرافية ومناخية مرتفعة، واتساعا مجاليا كبيرا، وهشاشة واحية متفاقمة بفعل الإجهاد المائي. وقد تراجع الفقر متعدد الأبعاد في درعة تافيلالت بنحو 6.7 نقاط بين 2014 و2024، وهو تقدم مهم، لكن معدل الهشاشة إزاء السقوط في الفقر ظل من الأعلى وطنيا وبلغ 11.8 في المائة. أي أن التدخل العمومي أحدث فرقا، لكنه لم يبن بعد مناعة اقتصادية واجتماعية كافية.

والمطلوب اليوم ليس محكمة لتوزيع الذنب، بل عقد مسؤولية جديد. فعلى الدولة أن تعامل درعة تافيلالت كأولوية للعدالة المجالية، لا كفضاء لتعويضات متفرقة. وعلى مجلس الجهة أن ينتقل من جمع المشاريع إلى قيادة رؤية موحدة. يجب أن تختصر الأولويات في ملفات قليلة وحاسمة، أمن مائي يحمي الواحات والسكان، وشبكة صحية جهوية تقلص السفر القاتل من الأطراف، وتعليم عال وبحث تطبيقي مرتبط بالماء والفلاحة الصحراوية والمعادن والتراث، وربط طرقي ورقمي يعالج العزلة، وسلاسل إنتاج محلية تمنع بيع المواد الخام وشراء القيمة المضافة من الخارج.

والأهم أن يتوقف أبناء الجهة عن انتظار «المنقذ». لا وزير واحد سيغير مصيرها، ولا رئيس مجلس، ولا مهرجان، ولا مشروع سياحي منفرد. ما سيغيرها هو تراكم مؤسسات صغيرة وجادة، تعاونية شفافة، ومقاولة تصنع وتصدر، وجمعية تراقب، وجامعة تبحث، وصحافة محلية تحقق، ومنتخب ينشر حسابه، ومهاجر يستثمر في البشر قبل الحجر. عندها فقط يصبح الترافع مع المركز قويا، لأن من يطالب بحقه وهو منظم ومتوحد ومطلع على أرقامه يختلف عمن يكتفي بتكرار مظلوميته.

درعة تافيلالت مظلومة.. نعم، ظلمتها خرائط الاستثمار، وبعد المسافة، وقسوة المناخ، وبطء الإدارة. لكن جزءا من ظلمها صنع أيضا في مجالسها، وفي تنافس نخبها، وفي صمت كفاءاتها، وفي قبول سكانها أحيانا بمن يطلب أصواتهم ولا يقدم لهم حسابا. الاعتراف بهذه الحقيقة ليس جلدا للذات، بل بداية التحرر منها. فالجهة التي أنجبت سجلماسة، وحمت الواحات، وصاغت عمارة تقاوم القرون، ليست عاجزة عن صناعة المستقبل. غير أن أول شروط الإنصاف أن يكف أبناؤها عن معاملتها كذكرى جميلة أو سلم شخصي، وأن يبدؤوا في معاملتها كوطن يستحق أن يبنى. ومن دون هذه المصالحة الصريحة مع الذات، سيظل كل مشروع جديد مجرد جزيرة معزولة في بحر قديم من الأعذار. أما حين تتحول الغيرة المحلية إلى تنظيم ومعلومة واستثمار ومساءلة، فلن يعود ممكنا لأي مركز أن يتجاهل جهة تعرف بدقة ماذا تريد وكيف تنجزه.

تعليقات الزوار