وجهة نظر

آدم ليفي في العيون… لقاء أمريكي يعزز حضور حركة صحراويون من أجل السلام

يُعد ملف الصحراء من أقدم النزاعات الإقليمية في القارة الإفريقية، إذ تعود جذوره إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي، وظل لعقود رهين التجاذبات الإقليمية والدولية، مما حال دون الوصول إلى تسوية سياسية نهائية. وخلال هذه المسيرة الطويلة، لم تتمكن قيادة جبهة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، من تحقيق اختراق سياسي أو دبلوماسي ينهي هذا النزاع، بل كرست حالة الجمود وأطالت أمد معاناة آلاف الصحراويين، خاصة في مخيمات تندوف، في وقت شهد فيه العالم تحولات عميقة فرضت مقاربات جديدة تقوم على الواقعية والحوار والتوافق بدل منطق المواجهة والاستنزاف.

وفي خضم هذه التحولات، برزت حركة صحراويون من أجل السلام كفاعل سياسي صحراوي جديد، يحمل رؤية مختلفة تقوم على نبذ الصراع المسلح، واعتماد الحوار والتفاوض والوسطية سبيلا لمعالجة هذا الملف. وقد جاءت الحركة لتجسد تطلع شرائح واسعة من الصحراويين إلى تجاوز حالة الانسداد السياسي، والدفاع عن حل سلمي يضمن الكرامة والأمن والاستقرار، ويضع حدا لمعاناة اللاجئات استمرت لما يزيد على خمسة عقود.

ومنذ تأسيسها، عملت الحركة على تثبيت خطها السياسي القائم على قناعة راسخة مفادها أن السلام، مهما كان ناقصا، يظل أفضل من حرب عادلة لا نهاية لها. وبهذا الاختيار، تجاوزت الحركة النهج الذي ساد داخل قيادة البوليساريو طوال نحو خمسين سنة دون تحقيق أي نتيجة حاسمة، في وقت بقي فيه آلاف الأطفال والشيوخ والنساء يعيشون أوضاعا إنسانية صعبة داخل مخيمات تندوف منذ سنة 1975، دون أفق واضح لتسوية النزاع أو تحسين ظروفهم.

ولم تكتف حركة صحراويون من أجل السلام بصياغة خطاب سياسي جديد، بل نجحت في بناء دبلوماسية نشطة ومؤثرة، مكنتها من فرض حضورها على الساحة الدولية. فقد حصلت على عضوية الاشتراكية الأممية، وعقدت لقاءات مع مسؤولين ودبلوماسيين رفيعي المستوى، من بينهم السفير الدائم للولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وهو ما يعكس تنامي الاهتمام الدولي بالحركة باعتبارها صوتا صحراويا خالصا يدعو إلى الحل السياسي السلمي.

وفي هذا السياق، يندرج الاجتماع الذي احتضنته مدينة العيون بين قيادات حركة صحراويون من أجل السلام والمستشار السياسي للسفارة الأمريكية بالمغرب، السيد آدم ليفي، بطلب من السفارة الأمريكية، باعتباره محطة دبلوماسية جديدة تؤكد استمرار اهتمام الولايات المتحدة بالاستماع إلى مختلف الأصوات الصحراوية المنخرطة في البحث عن تسوية سياسية للنزاع. كما يعكس هذا اللقاء المكانة التي أصبحت الحركة تحتلها في النقاشات الدولية المرتبطة بمستقبل قضية الصحراء، خاصة بعد سلسلة اللقاءات التي أجرتها مع مسؤولين دوليين وقبيل انعقاد جلسة مجلس الأمن الخاصة بمتابعة تنفيذ القرار 2797.

ويُحسب لزعيم الحركة، السيد الحاج أحمد باركلى، أنه نجح في قيادة هذا المشروع السياسي برؤية واقعية ومنهج معتدل، واضعا الحوار فوق لغة التصعيد، ومصلحة الإنسان الصحراوي فوق الحسابات الإيديولوجية. فقد استطاع، إلى جانب قيادة الحركة، أن يؤسس لمسار سياسي يحظى باهتمام متزايد لدى عدد من الفاعلين الدوليين، وأن يقدم نموذجا يقوم على الانفتاح والتواصل والدبلوماسية الهادئة، بعيدا عن منطق الاحتكار الذي طبع تمثيل هذا الملف لعقود.

واليوم، تؤكد حركة صحراويون من أجل السلام، من خلال حضورها السياسي والدبلوماسي المتنامي، أن احتكار تمثيل الصحراويين لم يعد منسجما مع متطلبات العصر ولا مع قيم الديمقراطية والتعددية السياسية. فأسطورة “الممثل الوحيد” لم تعد قادرة على الاستجابة لتطلعات مختلف مكونات المجتمع الصحراوي، بعد عقود من الجمود السياسي وغياب أي تسوية للنزاع. وفي هذا السياق، تبرز حركة صحراويون من أجل السلام باعتبارها إطارا سياسيا صحراويا خالصا يسعى إلى الإسهام في إيجاد حلول واقعية وسلمية لهذا الملف، مستندة إلى الحوار والانفتاح والدبلوماسية، ومستفيدة من خبرة قيادتها المحلية والدولية، بما يعزز فرص الدفع نحو تسوية سياسية تحقق الأمن والاستقرار، وتضع مصلحة الإنسان الصحراوي في صلب أي حل مستقبلي.