منتدى العمق

حين يصبح البحر مرآة للسياسة.. أزمة الهجرة نحو سبتة بين تقصير الحكومة وتهور الشباب

لم تكن المشاهد القادمة من شواطئ الفنيدق ومعبر سبتة خلال الأيام الأخيرة مجرد فصل جديد من فصول الهجرة غير النظامية، ولا حدثا عابرا يمكن إغلاقه بتعزيز الحواجز وإبعاد الشبان عن الساحل ثم انتظار عودة الهدوء. بل كانت إنذارا اجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا قاسيا.. آلاف الأشخاص، أغلبهم شباب، يندفعون نحو حدود مجهولة المصير.. بعضهم يسبح مسافات طويلة في بحر لا يرحم، وبعضهم يتسلق أو يعبر في لحظة فوضى، فيما تنتظرهم احتمالات الغرق أو الإصابة أو الاعتقال أو الإرجاع أو سنوات من الهشاشة في الضفة الأخرى.

وتحدثت تقارير متقاطعة عن وصول أعداد كبيرة، وسقوط ضحايا، واختناق مرافق الاستقبال، مع اختلاف واضح في تقديرات أعداد العابرين والوفيات بسبب سرعة الأحداث. وفي المقابل، أقرت السلطات الإسبانية بأن قوات الأمن المغربية منعت آلاف محاولات العبور خلال الأيام نفسها. وهذه الوقائع، مهما اختلفت الأرقام الأولية، تكفي لطرح السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه.. كيف وصلنا إلى هنا؟

أسهل رد فعل هو توزيع الاتهامات بطريقة مريحة.. الحكومة تلقي المسؤولية على شبكات التهريب والإشاعات الرقمية، وبعض الأصوات تلقيها كلها على الشباب، بينما يختزل آخرون المشهد في مؤامرة خارجية. لكن أزمة بهذا الحجم لا يصنعها سبب واحد. شبكات التهريب تستغل الثغرات، والإشاعة تشعل الاندفاع، والحكم القضائي أو الخبر القادم من إسبانيا قد يخلق وهما بوجود فرصة سانحة، غير أن كل ذلك لا يتحول إلى موجة بشرية إلا عندما يجد أرضا خصبة من اليأس وفقدان الثقة.

ومن واجب الرأي العام أن يرفض التفسير الكسول الذي يبرئ الجميع أو يدين الجميع.. فهناك مسؤولية سياسية واضحة على الحكومة، كما توجد مسؤولية فردية وأخلاقية على من يختار أن يرمي بنفسه في البحر أو يشارك في اقتحام جماعي للحدود.

مسؤولية الحكومة تبدأ من الأرقام التي تصدرها مؤسسات الدولة نفسها. فبحسب المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة بالمفهوم الضيق لدى الشباب بين 15 و24 سنة 29.2 في المائة خلال الفصل الأول من 2026، وبلغ المعدل المركب للاستخدام غير الكامل للقوى العاملة لدى الفئة نفسها 45.3 في المائة. ليست هذه نسبا هامشية يمكن دفنها في تقرير تقني.. بل هي وصف لجيل واسع يشعر أن سنوات الدراسة لا تقوده بالضرورة إلى عمل، وأن العمل المتاح قد لا يضمن دخلا كريما، وأن الفوارق بين الجهات والطبقات تقف أحيانا أقوى من الكفاءة والطموح. حين يرى شاب أن أفقه مسدود، تصبح صورة الوصول إلى الضفة الأخرى، ولو كانت مضللة، أكثر إغراء من خطاب رسمي يكرر الوعود ذاتها.

لا يعني ذلك أن الحكومة هي التي دفعت كل شاب بيدها إلى الماء، ولا أن كل من حاول العبور فقير أو عاطل أو مضطر بالمعنى المباشر. دوافع الهجرة معقدة، قد يدخل فيها التقليد، والرغبة في الاستهلاك السريع، وضغط الأقران، والصور المنتقاة التي ينشرها بعض المهاجرين على منصات التواصل. لكن الحكومة مسؤولة عن البيئة العامة التي يتكون فيها القرار.. جودة المدرسة، وفعالية التكوين، وعدالة فرص الشغل، ومصداقية المؤسسات، وتنمية المناطق الحدودية، ومحاربة الوساطة والريع والفساد الصغير الذي يلتقي به المواطن في حياته اليومية. الأمن يستطيع إبعاد الحشود ساعات أو أياما، لكنه لا يستطيع زرع الأمل مكان السياسات العمومية.

وقد أثبتت التجارب السابقة أن التعامل الموسمي لا يحل المشكلة. ففي شتنبر 2024 أعلنت الحكومة أن قرابة ثلاثة آلاف شخص حاولوا الهجرة من الفنيدق بعد دعوات انتشرت على شبكات التواصل، وأن السلطات أحبطت تلك المحاولات وقدمت عددا من المحرضين إلى العدالة. ثم عادت الحياة يومها إلى طبيعتها، لكن جذور الظاهرة بقيت. وما نراه اليوم يؤكد أن إنزالا أمنيا مؤقتا، مهما كان ضروريا لحماية الأرواح وضبط الحدود، لا يعوض سياسة استباقية تراقب مؤشرات الإحباط، وتواجه الأخبار الزائفة بسرعة، وتفتح قنوات حقيقية يسمع فيها الشباب صوتهم ويرون أثرا لمطالبهم.

على الحكومة أن تخرج من لغة البلاغات الباردة. ففي لحظة تتحرك فيها الشائعة بسرعة مقطع قصير، لا يكفي أن يصل التوضيح الرسمي متأخرا أو غامضا. والأحرى اعتماد سياسة التواصل الفوري من الميدان لشرح حقيقة الوضع القانوني في سبتة، وتفنيد أوهام التسوية السريعة، وتبيان مخاطر البحر ومصير من يعبرون، مع إشراك أسر الشبان والمدارس والجمعيات والإعلام المحلي. التواصل هنا ليس تجميلا لصورة الحكومة، بل أداة لإنقاذ الحياة. وحين تترك الدولة فراغا في المعلومة، تملؤه حسابات مجهولة وسماسرة ومقاطع مبتورة تحول المغامرة القاتلة إلى بطولة رقمية.

غير أن محاسبة الحكومة لا يجوز أن تتحول إلى إعفاء الشباب من كل مسؤولية. التعاطف مع الإحباط لا يعني تمجيد التهور، وفهم الدوافع لا يعني تبرير الوسيلة. من يختار السباحة كيلومترات في ظروف خطرة، أو يندفع وسط حشود نحو سياج ومعبر، لا يهدد حياته وحدها.. بل يضع رجال الإنقاذ والأمن أمام مخاطر إضافية، ويصيب أسرته بالرعب، وقد يترك وراءه أما تنتظر خبرا أو جثة مجهولة الهوية. الحياة ليست ورقة احتجاج تلقى في الماء، والوطن لا يصلح بتحويل اليأس إلى مشهد جماعي قد ينتهي بمأتم.

هناك فرق جوهري بين الاحتجاج على السياسات وبين الإضرار بالنفس والقانون والصالح العام. للشباب كامل الحق في الغضب من البطالة والمحسوبية ورداءة بعض الخدمات، ومن حقهم تنظيم أنفسهم سلميا، والكتابة والتظاهر القانوني والمساءلة والتصويت والانخراط في الجمعيات والنقابات والأحزاب أو تأسيس مبادرات اقتصادية ومدنية. قد تبدو هذه المسارات بطيئة وغير جذابة أمام إغراء «العبور الآن»، لكنها وحدها القادرة على تحويل الغضب إلى قوة تغيير تراكمية. أما الهجرة عبر البحر أو اقتحام الحدود فليسا مشروعا سياسيا ولا فعلا وطنيا.. إنهما مقامرة يستفيد منها المهربون، ويؤدي ثمنها الشباب وأسرهم وبلدهم.

وتزداد خطورة هذه المقامرة لأن المغرب لا يتحرك في فراغ. هناك بالفعل من يتربص بأخطائه، ليس باعتبار ذلك وهما نلوذ به للتهرب من النقد، بل حقيقة تثبتها سرعة استثمار اليمين المتطرف في إسبانيا وأوروبا لكل مشهد فوضى على الحدود. وقد سارعت أصوات سياسية بالفعل إلى استعمال أوصاف من قبيل «الغزو»، وإلى تحويل مأساة إنسانية إلى مادة للتحريض والخوف والمزايدة الانتخابية. وكل صورة لشبان يقتحمون الحدود، وكل هتاف مستفز، وكل لقطة توحي بانهيار السيطرة، تمنح هؤلاء مادة جاهزة للطعن في المغرب، وفي جدية تعاونه، وفي صورة مواطنيه، وربما للضغط على مصالحه الدبلوماسية والاقتصادية.

من هذه الزاوية، لا يصح الاستهانة بالإساءة التي تلحق بصورة البلاد. فالمغربي حين يظهر في الإعلام الدولي لا يمثل الدولة رسميا، لكنه يقرأ غالبا بوصفه ابن مجتمع وبلد. ومن الظلم أن تختزل ملايين المغاربة الذين يعملون ويدرسون ويهاجرون بطرق قانونية ويساهمون في بلدان الإقامة في صور حشود عابرة للحدود. إلا أن مسؤولية منع هذا الاختزال لا تقع على الإعلام الأجنبي وحده.. تقع أيضا على كل من يشارك في صناعة المشهد من دون تقدير لعواقبه. حب الوطن ليس شعارا يرفع عند الانتصارات الرياضية فقط، بل وعي بأن السلوك الفردي في لحظات حساسة قد يتحول إلى حجة في يد خصوم البلد.

لكن الدفاع عن صورة المغرب لا يكون بسب الشباب، أو التشكيك في وطنيتهم، أو تصويرهم كعبء. هؤلاء أبناؤنا، وفشلهم يؤلمنا قبل أن يسيء إلينا، وموتهم خسارة لا مناسبة للشماتة. الوطنية الناضجة لا تخفي الجرح حتى لا يراه المتربصون.. تنظفه وتعالجه كي لا يتعفن. لذلك سيكون خطأ فادحا أن تستخدم الحكومة خطاب «سمعة البلاد» لإسكات النقاش حول البطالة والعدالة الاجتماعية. صورة المغرب تحمى أولا حين يشعر الشاب أن كرامته مصانة في بلده، وأن القانون يطبق بعدل، وأن باب الفرصة لا يفتح فقط لصاحب المال أو العلاقة.

كما ينبغي الإنصاف في تقييم أداء الدولة الأمني. فبيان وزارة الداخلية الإسبانية الصادر في 30 يوليوز أشاد بتعاون السلطات المغربية، وقال إن قواتها منعت آلاف محاولات الهجرة غير النظامية، وأعلن تعزيز التنسيق بين البلدين. وهذا مهم لأنه يفند الرواية الجاهزة التي تزعم أن المغرب تخلى ببساطة عن حدوده. فضلا على أن حصيلة سنة 2025 أظهرت تراجعا كبيرا في إجمالي الوصول غير النظامي إلى إسبانيا، ونسبت تصريحات إسبانية جزءا من ذلك إلى التعاون مع الرباط. غير أن النجاح الأمني السابق لا يلغي السؤال السياسي الحالي، بل يجعله أشد إلحاحا.. إذا كانت الدولة قادرة على ضبط الحدود، فهل تبذل الجهد نفسه لمعالجة أسباب اليأس التي تدفع الناس إليها.

الحل المطلوب إذن متعدد المستويات. أوله إعلان خطة عاجلة ومعلنة للمناطق الشمالية، وخاصة الفنيدق والمضيق وتطوان، لا تقوم على مشاريع ظرفية، بل على فرص عمل قابلة للقياس، ودعم المقاولات الصغيرة بشروط شفافة، وتكوين مرتبط بحاجات سوق حقيقية. وثانيه مراجعة برامج تشغيل الشباب وفق النتائج لا وفق أرقام المستفيدين الواردة في البلاغات.. فما يهم هو عدد الوظائف المستدامة وجودتها. وثالثه بناء خلية دائمة لمواجهة التحريض الرقمي وشائعات الهجرة، تجمع الأمن والتواصل العمومي والمجتمع المدني، من دون أن تتحول إلى ذريعة للتضييق على التعبير المشروع.

أما المستوى الرابع فهو توسيع مسالك الهجرة القانونية والمنظمة بالتفاوض مع إسبانيا وشركاء أوروبيين، لأن إغلاق كل الأبواب أمام حركة الشباب لا يلغي الرغبة في الرحيل، بل يدفعها إلى السرية. ويمكن لبرامج العمل الموسمي والتكوين المشترك والتنقل الدائري والمنح والتبادل المهني أن تحول الهجرة من نزيف ومخاطرة إلى خبرة تعود بالنفع على الفرد والبلد.

والمستوى الخامس تربوي وثقافي.. يجب على المراهق أن يعرف، قبل أن تصله دعوة مجهولة على هاتفه، أن أوروبا ليست صورة منتقاة، وأن العبور لا يعني إقامة فورية ولا عملا مضمونا، وأن البحر لا يعترف بالحماس ولا بعدد المتابعين.

وفي المقابل، على الشباب أن يراجعوا معنى الشجاعة. الشجاعة ليست أن تلقي بنفسك في موج عال لأن مئات فعلوا ذلك، بل أن تقاوم ضغط الجماعة، وأن تبني مهارة، وأن تطالب بحقك بصوت واضح، وأن ترفض أن تكون رقما في فيديو يستثمره مهرب أو متطرف. من حق الشاب أن يحلم بأوروبا أو غيرها، ومن حقه أن يهاجر متى وجد طريقا قانونيا، لكن ليس من حق أحد أن يقدم الانتحار البطيء بوصفه بطولة، أو أن يجعل خرق الحدود وسيلة عادية لتحقيق الحلم.

أزمة سبتة مرآة لا يحب أحد النظر فيها. ترى الحكومة فيها قصور سياسات التشغيل والتواصل والإنصاف المجالي، ويرى الشباب فيها نتائج الاستسلام للإشاعة والاندفاع، ويرى المجتمع نتائج سنوات من تمجيد النجاح السريع والهجرة بأي ثمن، بينما يرى المتربصون فرصة لتشويه المغرب وتحويل مأساة أبنائه إلى سلاح سياسي. كسر المرآة لن يغير الصورة. المطلوب أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها بشجاعة، وأن يتحمل الشباب مسؤولية قراراتهم بوعي، وأن يتوقف الجميع عن تبادل البراءة الزائفة.

لن تحمى حدود المغرب بالحواجز وحدها، ولن تحمى صورته بالشعارات، ولن ينقذ شبابه بتوبيخهم بعد وقوع المأساة. الحدود الأقوى هي ثقة المواطن في بلده، والصورة الأصدق هي دولة تعترف بالمشكلة وتصلحها، والشباب الأكثر وفاء للوطن هم الذين يرفضون أن يحولوا غضبهم إلى موت مجاني أو إلى مادة في يد خصومه. وما جرى ينبغي أن يكون آخر إنذار قبل أن يصبح البحر، مرة أخرى، المقبرة التي نكتشف عندها متأخرين أن الأمن بلا أمل لا يكفي، وأن الأمل بلا مسؤولية قد يتحول إلى كارثة.