كشفت أحدث المعطيات الرسمية حول أنظمة التقاعد في المغرب أن قيمة المعاشات والتعويضات المؤداة خلال سنة 2025 تجاوزت مجموع الاشتراكات المحصلة بنحو 2.3 مليار درهم، في وقت حذرت فيه السلطات المالية من أن التحسن المسجل في بعض المؤشرات يظل ظرفيا ولا يعالج الاختلالات الهيكلية التي تهدد استدامة عدد من الأنظمة.
وأفاد تقرير الاستقرار المالي برسم سنة 2025، الصادر، حديثا، بشكل مشترك عن بنك المغرب وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي والهيئة المغربية لسوق الرساميل، بأن الأنظمة الأربعة الرئيسية للتقاعد جمعت اشتراكات بقيمة 73 مليار درهم، مقابل أداء معاشات وتعويضات بقيمة 75.3 مليار درهم.
وتغطي هذه الأنظمة نحو 5.1 ملايين منخرط نشط و1.5 مليون مستفيد من المعاشات، ما يمثل معدل 3.4 منخرطين مقابل كل متقاعد.
ورغم ارتفاع الاشتراكات بنسبة 9.3 في المائة خلال سنة 2025، وهو معدل يفوق متوسط السنوات العشر الماضية البالغ 7.6 في المائة، فإن التقرير أكد أن هذا التحسن جاء أساسا نتيجة الزيادات العامة في الأجور المنبثقة عن اتفاق الحوار الاجتماعي الموقع في 29 أبريل 2024.
وفي المقابل، ارتفعت المعاشات والتعويضات المؤداة بنسبة 5.8 في المائة، مقابل متوسط سنوي ناهز 6.9 في المائة خلال العقد الأخير.
وساهمت الزيادات في الأجور في رفع المبالغ المقتطعة لفائدة أنظمة التقاعد، خصوصا في القطاع العام، لكنها لم تغير بصورة جوهرية المسار المالي طويل الأمد للأنظمة التي تعاني عجزا بين الاشتراكات المحصلة والحقوق الممنوحة.
عجز مستمر في صندوق التقاعد المغربي
وأظهر التقرير أن نظام المعاشات المدنية التابع للصندوق المغربي للتقاعد ما يزال من أكثر الأنظمة تعرضا للاختلالات المالية، رغم تقلص عجزه خلال سنة 2025، حيث بلغت اشتراكات النظام 35.6 مليار درهم، مسجلة ارتفاعا بنسبة 11.7 في المائة، مقابل أداء معاشات بقيمة 41.1 مليار درهم، بزيادة قدرها 4.7 في المائة.
وأدى ذلك إلى تسجيل عجز تقني بنحو 5.4 مليارات درهم، بعدما كان في حدود 7.3 مليارات درهم خلال السنة السابقة. ومكنت العائدات المالية لاستثمارات الصندوق، التي حققت رصيدا إيجابيا بقيمة 3.6 مليارات درهم، من تقليص العجز الإجمالي للنظام إلى ملياري درهم، مقابل 4.1 مليارات درهم سنة 2024.
غير أن التقرير حذر من أن الموارد الإضافية الناتجة عن الزيادات في الأجور لم تسمح بتمديد أفق استدامة النظام إلا بصورة محدودة، إذ يظل أفق نفاد احتياطاته مقدرا بما بين خمس وست سنوات في حال عدم تنفيذ إصلاح جديد.
وتراجع معدل الاشتراك اللازم لتحقيق التوازن من 35 إلى 32 في المائة، لكنه يظل أعلى بأربع نقاط من معدل الاشتراك المطبق حاليا، ما يعني استمرار الفجوة بين المساهمات والحقوق المستقبلية.
وسجل النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد بدوره فارقا كبيرا بين الاشتراكات والمعاشات، إذ لم تتجاوز موارده من الاشتراكات 3.8 مليارات درهم، مقابل أداء تعويضات بقيمة 8.4 مليارات درهم.
وبقي العجز التقني للنظام في حدود 4.5 مليارات درهم، غير أن تحقيق عائدات مالية بقيمة 4.9 مليارات درهم مكنه من تسجيل فائض إجمالي بنحو 221 مليون درهم.
ويمتلك النظام الجماعي أفق استدامة يقدر بنحو 29 سنة، لكن التقرير نبه إلى أن الزيادات في الأجور، رغم رفعها للاشتراكات، تؤدي كذلك إلى زيادة الحقوق المستقبلية للمستفيدين.
واعتبر أن استمرار تسعير الحقوق بمستويات لا تغطي كلفتها الفعلية قد يضعف مؤشرات التوازن على المدى الطويل، خصوصا إذا تأخر إصلاح أنظمة القطاع العام.
فائض الضمان الاجتماعي يتراجع
أما فرع التقاعد طويل الأمد التابع للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقد حافظ على فائضه خلال سنة 2025، لكنه سجل تراجعا مقارنة بالسنة السابقة.
وبلغت الاشتراكات المحصلة 20.3 مليار درهم، بزيادة 5.2 في المائة، بينما ارتفعت المعاشات بنسبة أسرع بلغت 8.8 في المائة، لتصل إلى 18.3 مليار درهم. ونتيجة لذلك، تراجع الفائض التقني إلى ملياري درهم، فيما انخفض الفائض الإجمالي من أربعة مليارات درهم سنة 2024 إلى 2.4 مليار درهم خلال 2025.
وحذر التقرير من أن الفائض الحالي لفرع التقاعد في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يعتمد إلى حد كبير على بنيته الديمغرافية، أي استمرار عدد المساهمين في تجاوز عدد المتقاعدين، دون أن يعني ذلك معالجة الاختلالات المرتبطة بطريقة احتساب الاشتراكات والحقوق.
في المقابل، واصل الصندوق المهني المغربي للتقاعد تسجيل مؤشرات مالية إيجابية، بعدما بلغت اشتراكاته 13.2 مليار درهم، بارتفاع 9.9 في المائة، مقابل أداء معاشات بقيمة 7.5 مليارات درهم.
وارتفع الفائض التقني للصندوق إلى 5.7 مليارات درهم، مقابل 4.9 مليارات درهم خلال السنة السابقة. ومع إضافة عائدات مالية بقيمة 4.1 مليارات درهم، بلغ الفائض الإجمالي للصندوق نحو 8.9 مليارات درهم، بزيادة 8 في المائة.
وتشير التقييمات الاكتوارية إلى قدرة الصندوق المهني على الحفاظ على استدامته طوال أفق التوقعات الممتد إلى سنة 2083، ما يجعله في وضعية مختلفة عن أنظمة التقاعد الأساسية التابعة للقطاعين العام والخاص.
وبلغت الاحتياطات المجمعة لأنظمة التقاعد نحو 340.8 مليار درهم في نهاية سنة 2025، مسجلة ارتفاعا بنسبة 4.3 في المائة خلال عام واحد. لكن معدل نمو هذه الاحتياطات لم يتجاوز 1.5 في المائة سنويا في المتوسط خلال السنوات الخمس الماضية، وهو ما يعكس تأثير العجز التقني المتراكم لبعض الأنظمة على وتيرة تكوين المدخرات.
وباستثناء 69 مليار درهم مودعة لدى صندوق الإيداع والتدبير لفائدة فرع التقاعد في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تتوزع استثمارات احتياطات التقاعد بنسبة 54.3 في المائة في سندات ومنتجات أسعار الفائدة، و33.9 في المائة في الأسهم والحصص الاجتماعية، و10.7 في المائة في الأصول العقارية.
دعوة إلى إصلاح بنظام القطبين
وخلص التقرير إلى أن التحسن الذي أحدثته الزيادات في الأجور يظل مؤقتا، لأن رفع الأجور يزيد الاشتراكات الحالية، لكنه يرفع في الوقت نفسه قيمة الحقوق والمعاشات المستقبلية.
وأكد أن إصلاح التقاعد القائم على إحداث قطبين، أحدهما للقطاع العام والثاني للقطاع الخاص، أصبح ضروريا لتوحيد الأنظمة ووضع تسعير متوازن للاشتراكات والحقوق وتقليص الالتزامات غير المغطاة.
ويظهر تفاوت أوضاع الصناديق أن جمع أرقامها في حصيلة واحدة يخفي مسارات مختلفة، إذ تعاني أنظمة من عجز تقني وتعتمد على عائدات احتياطاتها لتغطية الفارق، بينما تحقق أنظمة أخرى فوائض بفضل بنيتها الديمغرافية أو قواعد اشتغالها.
غير أن الخلاصة المشتركة التي يسجلها التقرير تتمثل في أن تأخير الإصلاح قد يقلص هامش تدخل الحكومة ويرفع الكلفة المالية والاجتماعية للإجراءات التي سيكون من الضروري اتخاذها مستقبلا.