المشهد الذي تابعه المغاربة لمئات، بل لآلاف الشباب وهم يتدفقون نحو مدينة سبتة المحتلة، لا ينبغي أن يمر باعتباره مجرد حادث عابر أو أزمة هجرة جديدة، بل هو حدث استثنائي يفرض أسئلة استثنائية، فما الذي يدفع هذا العدد الكبير من الشباب إلى المخاطرة بحياته؟ وهل يكفي تفسير ما جرى بالفقر والبطالة وحدهما، أم أن وراء المشهد ما يستحق قراءة أعمق؟
إن هؤلاء الشباب، في معظمهم، ليسوا هواة مغامرة ولا عشاقًا للموت في البحر، وإنما هم أبناء هذا الوطن، خرجوا بحثًا عما فقدوه من أمل. ولو وجدوا في وطنهم الحد الأدنى من الكرامة وفرص العيش الكريم، لما خاطروا بأرواحهم في طرق مجهولة العواقب.
غير أن ما يثير الانتباه ليس الحدث وحده، بل توقيته أيضًا، فكيف تحركت هذه الأعداد الكبيرة في زمن متقارب؟ وهل كان الأمر مجرد تفاعل عفوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أم أن هناك عوامل أخرى أسهمت في توجيه هذا التدفق؟ لا أزعم امتلاك الإجابة، لكن من حق الرأي العام أن يطرح هذه الأسئلة، وأن يطالب بتفسير واضح يبدد الشكوك.
كيف لدولة تستطيع ضبط آلاف من البشر تسهوا في لحظة وتترك آلاف القاصرين يقتحمون مدينة بحجم سبتة من بواباتها الرئيسية؟!.
ويزداد التساؤل مشروعية عندما نلاحظ تزامن هذه الأحداث مع الإعلان عن زيادة جديدة في أسعار المحروقات، وهي زيادة لا تقف آثارها عند مضخات الوقود، بل تمتد إلى أسعار النقل والمواد الغذائية ومختلف الخدمات، وقد يرى بعض المراقبين في هذا التزامن مجرد مصادفة، بينما قد يتساءل آخرون: هل ساهم انشغال الرأي العام بهذه المشاهد في تحويل الأنظار عن تداعيات القرارات الاقتصادية؟ إنه سؤال مشروع، لا أكثر ولا أقل.
كما أن الحدث تزامن مع الخطاب الملكي الذي يحظى عادة باهتمام وطني واسع، فإذا بالصور القادمة من محيط سبتة تستحوذ على جزء كبير من النقاش العمومي والإعلامي، فهل كان ذلك مجرد تزامن فرضته الظروف، أم أن هناك من وجد في هذه الأحداث فرصة لتغيير أولويات النقاش؟ لا يمكن الجزم، لكن من حق الباحث والمتابع أن يطرح السؤال.
الأخطر من ذلك كله أن تتحول هذه المشاهد إلى مادة تستغلها بعض الجهات لتقديم صورة مشوهة عن المغرب، وكأن فقراءه مجرد غوغاء أو “أوباش” لا يعرفون إلا الفوضى، بينما الحقيقة أن وراء كل شاب قصة معاناة، وحلمًا مكسورًا، ومستقبلًا غامضًا، فاختزال هؤلاء في صور الفوضى ظلم لهم، وإساءة لصورة الوطن قبل أن تكون إساءة إليهم.
ولو افترضنا، على سبيل المقارنة الفكرية، أن هذه الحشود نفسها تحركت بدافع وطني لاسترجاع مدينة سبتة المحتلة، تحت راية الانتماء للمغرب، لكان المشهد مختلفًا تمامًا، حينها كان العالم سيرى شبابًا يتمسكون بأرضهم وسيادتهم، لا شبابًا يفرون منها يائسين.
إن أخطر ما يهدد الأوطان ليس فقر الموارد، بل انهيار الإيمان بالعدالة، فلا يمكن مطالبة شاب يحلم ببيت وسيارة وحياة كريمة أن يهتف بحب الوطن، بينما يرى المناصب تُوزَّع بالمحسوبية، والثروات تتضخم بلا تفسير مقنع، وأبواب الترقي تُفتح لأصحاب القرابة والانتماءات الضيقة أكثر مما تُفتح لأصحاب الكفاءة.
تزداد خطورة المشهد إذا كانت الجهات نفسها التي ساهمت، بقصد أو بغير قصد، في صناعة هذا الاحتقان الاجتماعي، هي التي تتحمل اليوم مسؤولية احتواء نتائجه، فكيف يُطلب من شاب في مقتبل العمر أن يؤمن بأن الانتماء إلى الوطن شرف، وأن التضحية من أجله واجب، وهو يرى بأم عينه تضارب المصالح، واستغلال النفوذ، وتكافؤ الفرص يغيب أمام منطق القرابة والولاءات؟
كيف يُقنع بحلم الوطن وهو يشاهد مسؤولًا تتضاعف ثروته في سنوات معدودة، وشابًا قليل الخبرة يتصدر المشهد لمجرد انتمائه الحزبي، وآخر يتدرج في المناصب لأن قريبًا له يشغل حقيبة وزارية أو منصبًا نافذًا؟ إن مثل هذه الصور، سواء كانت حقيقية أو راسخة في الوعي العام، تزرع الإحباط في النفوس، وتُضعف الثقة في مؤسسات الدولة، وتجعل بعض الشباب يشعر بأن الطريق إلى النجاح لا يمر عبر الكفاءة والاجتهاد، بل عبر النفوذ والعلاقات.
حينها يصبح الوطن في نظره شعارًا يُرفع، لا عدلًا يُمارس، ويغدو الانتماء قيمةً أخلاقية تصطدم كل يوم بواقع يبعث على الإحباط.
لقد اختُزل المغرب في عدسات بعض وسائل الإعلام في صور المطاردات والأسلاك الشائكة والأمواج، بينما كان الأجدر أن يُعرف بشباب يثقون في مستقبلهم، ويؤمنون أن وطنهم قادر على احتضانهم.
إن حب الوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، وإنما ببناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوفير فرص العمل، وصيانة الكرامة الإنسانية. فالشاب الذي يشعر بأن وطنه يحميه سيكون أول من يدافع عنه، أما إذا فقد الأمل، فإنه سيبحث عن أفق آخر، ولو كان خلف الأسلاك أو فوق أمواج البحر.
ومن المؤسف أن بعض الخطابات الرسمية ترسم صورة وردية توحي بأن المغرب يعيش رخاءً شاملاً، بينما يعيش كثير من المواطنين واقعًا مختلفًا، يثقل كاهله الغلاء والبطالة واتساع الفوارق الاجتماعية. وهذه المفارقة هي التي تغذي الشعور بالإحباط أكثر من أي شيء آخر.
إن معالجة هذه الظواهر لا تكون بالاكتفاء بالمقاربة الأمنية، ولا بالاكتفاء بالخطاب الإعلامي، وإنما بمعالجة جذورها الاقتصادية والاجتماعية، وفتح أبواب الأمل أمام الشباب، حتى يشعروا أن مستقبلهم يُصنع هنا، لا خلف الحدود.
ويبقى السؤال الأكبر الذي ينبغي أن يشغل الجميع: من المستفيد من أن يظهر المغرب أمام العالم بهذه الصورة؟ وهل نحن أمام أزمة اجتماعية انفجرت بعفويتها، أم أمام أطراف وجدت في الأزمة فرصة لتحقيق أهداف لا تزال خفية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال مسؤولية المؤسسات المختصة، أما مسؤولية الرأي العام فهي ألا يتوقف عن طرح الأسئلة المشروعة، لأن الأوطان لا تُحمى بالصمت، وإنما بالوعي والحقيقة.