وجهة نظر

كابوس الخروج، وحلم العودة

استيقظت مذعورا، فنهضت فجأة من مكاني، شفتاي متيبّستان، عيناي غارقتان في محجريهما، ويداي ترتجفان. كانت زوجي إلى جانبي قد تنبّهت للجلبة التي أحدثتها، وهي التي اعتادت أن تراني أنام كطفل لا يتحرك. فأسرعت في رمشة عين لإحضار قنينة ماء، ومدّت إلي كوبا دون أن تنبس ببنت شفة. أمسكته بكلتا يديّ وكأنني أحمل مهرازا نحاسيا، وبدأت أشرب، والماء يسيل على ذقني، يبلّل قميص النوم، ويتقاطر على أرضية الغرفة. كان مثل هذا المنظر يزعجها في الأيام العادية، وقد يتحول إلى صدام تلفق لي فيه تهمة الإهمال. لكن لا أدري ما الذي جعلها في هذا اليوم بالذات على قدر كبير من الحكمة وكظم الغيظ والصبر. أخذت مني الكوب، وضعته جانبا، وباغتتني بسؤال مباشر: ما الذي حدث؟ هل بك حُمى؟ لمست جبهتي بيدها الناعمة، وقالت: حرارتك عادية. عندها استجمعت أنفاسي، وجمعت الكلمات المبعثرة في فمي، ونطقت بصوت شجي: لقد رأيت فيما يرى النائم كابوسا، حلما مزعجا. علقت قت قائلة: ربما هذا الكابوس من أثر قراءتك للأدب الأبوكاليبسي (هو أدب يتخيل ماذا سيحدث للإنسان والمجتمع إذا تعرض العالم لكارثة شاملة تهدد وجوده)، لطالما حذّرتك من هذا الأمر، لكنك لا تكترث بما أقول، وتفعل ما يمليه عليك رأسك القاسح. بدأت تلومني، ولم تتوقف إلا حين شرعت في رواية ما حدث. عندها اتسعت عيناها، ورفعت نظرها إلى أعلى، وانفرج فمها قليلا وقد ارتسمت الدهشة بوضوح على ملامحها الطفولية.

تخيلي حشود من الناس، وخاصة من الشباب، يغادرون في أقل من أربعة وعشرين ساعة مدنهم وقراهم القريبة والبعيدة، فيما يشبه النزوح الكبير، نحو سبتة المحتلة. قاطعتني معلّقة، وفي نظرتها شيء من الاستهزاء: وما الجديد في ذلك؟ منذ أن فتحنا أعيننا على الحياة، ونحن نسمع حكايات قوارب الموت، ونتابع أخبار أولئك الذين يترصّدون، في ليالي الصيف القائظ، فرصة للإبحار نحو الضفة الأخرى، أو لتسلق السياج الشائك. فالمعبر مغلق، والجنود من الجهتين يقفون سدا منيعا في وجه الهاربين. أجبتها بأن المعبر كان مفتوحا. لم تُصدقني في أول الأمر، لكنها ما لبثت أن قالت بنبرة تشبه الاستسلام: هذا أمر لا يُعقل. تخيلي أن آلاف الناس يستقلّون أي وسيلة نقل تقرّبهم من المعبر أو من البحر، تاركين وراءهم كل شيء. ومع ذلك، لا يبدو على وجوههم أثر واضح للبؤس، فالفتيات في كامل زينتهن، والفتيان يرتدون ملابس صيفية ويحملون على أكتافهم سترات النجاة، وكأنهم تلقوا دعوة من جهة ما لحضور حفل، يعقبه استقبال رسمي ومنح فوري لأوراق الإقامة. تخيّلي، لقد رأيت بأم عيني رجلا مفتول العضلات يحمل أمه العجوز على ظهره، ويشقّ بها عباب الأمواج المتلاطمة بحماسة الأبطال. ورأيت أسرا تضم الأب والأم والأبناء، وكأنهم ذاهبون في رحلة استجمام. وازددت دهشة وأنا أراقب بعضهم يرفع شارة النصر، وكأنهم تخلصوا من عبء وطن جوّعهم، وحرمهم من حرية التعبير، وضيق عليهم سبل العيش. كانوا يسارعون الخطى، من غير أن يعترض أحد طريقهم. لكن أكثر ما أثار استغرابي هو كيف تسمح أم لفلذة كبدها، ذكرا كان أو أنثى، بأن يغادر المنزل ويخوض مغامرة لا يستطيع أحد التنبؤ بنهايتها. أي قلب هذا الذي لا يرتعد خوفا من أن يكون ابنه في عداد جحافل الغرقى، أو أن يُدفن، كدابة نافقة، في أرض غريبة وتحت اسم مجهول؟ كنت أقلّب هذه الاحتمالات في ذهني، محاولا أن أجد تفسيرًا لما حدث. فهل كانت هذه الجموع التي أقدمت على تلك الخطوة أكثر حكمةً من ملايين المغاربة الذين اختاروا البقاء؟ وهل نحن في بلد ينخره الجوع وسوء التدبير، ويقف أبناؤه ساعات طويلة في طوابير من أجل قنينة زيت أو علبة حليب؟ هل نحن في بلد تفتك به الحروب الأهلية والصراعات الدموية؟ أم في وطن تُكمم فيه الأفواه وتُصادر فيه حرية التعبير؟ لا شك أن وطننا ليس واحة للديمقراطية، غير أننا نتمتع بهامش من الحرية يغبطنا عليه كثيرون. ولعل هذا الجيل لا يعرف سوى القليل عن مسار انتزاع الحقوق خلال سنوات الرصاص، وما أعقبها، في أواخر عهد المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، من انفراج حقوقي وسياسي مهّد لتحولات مهمة. وربما كان من أسباب عدم انزلاق المغرب إلى المصير نفسه الذي عرفته بعض بلدان الربيع العربي أن جانبا من المطالب التي رفعتها شعوب تلك البلدان كان قد تحقق عندنا في وقت سابق. ومن الجحود الادعاء بأن المغرب لم ينجز شيئا منذ استقلاله إلى اليوم. صحيح أن ما تحقق قد يكون أقل مما كنا نطمح إليه، غير أننا مولعون بمقارنة أنفسنا بالدول الأوروبية التي لا يفصلنا عنها سوى بضع كيلومترات. وهذا القرب الجغرافي يجعل تطلعاتنا، في كثير من الأحيان، أكبر من إمكاناتنا. كانت الجموع الغفيرة تسارع الخطى، وكأنها تلقّت إشعارا من جهة مجهولة بأن باب جنّة الله في الأرض سيُغلق في موعد محدد، وأن من يفوته بلوغه قبل ذلك الموعد سيتحمّل وحده تبعات تأخره، ويظل أسيرا لحياة لم يعد يطيقها. كانت دقات قلبي تتسارع، فيما راحت الدهشة تتسع في عيني زوجي، واختلط في ذهنها ما قرأته من الأدب الأبوكاليبسي، وما كنت قد أطلعتها عليه من نصوصه في بعض سهراتنا الليلية على شرفة البيت، بما رويته لها من مشاهد رأيتها في منامي. وضعت يدها على جبينها، كأنها تحاول ترتيب أفكارها المبعثرة، واختبار صدق ما دار في ذهنها. لا أخفي عليكم بأني أثق في تحليلاتها، وألمس فيها قدرة هائلة على استشفاف النيات، حتى وإن توارت خلف ألف قناع. كنت في حاجة إلى تفسير، أي تفسير يخرجني من هذه الحيرة التي تملكتني. استقمت في جلستي، وبدأت أنصت إليها: إن هذه الجموع، التي توافقت على موعد للنزوح الجماعي، لا بد أن تكون قد استجابت لنداء صدر عن جهة ما، زيّنت لها، بأساليب مدروسة ومحترفة، أن الطريق آمن وأن كل شيء سيكون على ما يرام. إن الخطأ الذي نقترفه هو أننا نترك أبناءنا موصولين بعوالم افتراضية لا نعرف عنها إلا القليل، في حين يتفنّن خصومنا، وهم كثر، في ابتكار الوسائل الكفيلة بإيذائنا والتأثير في وعي شبابنا. وقد بلغوا في ذلك حد امتلاك أدوات التواصل الاجتماعي وتوجيهها، حتى إني لا أستبعد وجود جحافل من المؤثرين المأجورين، وأصحاب الصفحات على «فيسبوك» وغيره من المنصات، ممن لا هم لهم سوى تشويه صورة المغرب، وتضخيم إخفاقاته، وزرع اليأس في نفوس أبنائه.

ويُضاف إليهم الآلاف من أبناء جلدتنا ممن يأكل الغلة ويسب الملة، ومن العدميين الذين لا يعجبهم العجب العجاب، ومن الخونة الذين يقتاتون على مآسي الآخرين، والذين يستمرؤون العيش في مستنقع الفتنة. إن هؤلاء الذين استجابوا للنداء هم أنفسهم من كانوا يلتحفون براية المغرب، ويذودون عنه بحماسة في المحافل الرياضية، سواء خلال مونديال قطر، أو كأس إفريقيا، أو مونديال 2026. وهم أنفسهم الذين شمّروا عن سواعدهم لمؤازرة إخوانهم في الحوز، وأبانوا، في غيرها من المواقف، عن «تمغرابيت» في أسمى تجلياتها. استرسلتُ في الحديث عنهم، قبل أن تنتبه إلى أن عناصر الحكاية لم تكتمل بعد. فسألتني، وقد بدا عليها نفاد الصبر: وماذا وقع بعد ذلك؟ هل فُتحت المدينة، وتم استقبالهم استقبال الأبطال ترددت لحظة، ثم قلت: ما حدث بعد الدخول أمر يشيب من هوله الولدان، لقد عادوا أدراجهم مذعورين، يتعثّرون في جثث الذين لفظهم البحر، أو قضت عليهم الصخور المتساقطة، أو سحقتهم أقدام الجموع الهاربة. حملقت فيَّ مستغربة، وقد ارتسم على وجهها سؤال كبير، ثم قالت: إذن، كان النداء مصيدة!
وقعت الجموع الغفيرة في الفخ. ومن يتحمّل مسؤولية هذا النزوح الجماعي؟ ثم أضافت، كأنها تحاول تفكيك ما حدث: قد تتحمّل الدولة جزءًا من المسؤولية بسبب تقصيرها في الإنصات إلى الشباب. فلا شك في وجود أعطاب حقيقية، نجد صداها في الاحتجاجات السلمية والبيانات النقابية والحزبية، كما لا يمكن إنكار ما نعانيه من تعثّرات، ولا سيما في تربية الناشئة وإصلاح منظومة التعليم. ومع ذلك، فقد تجاوزنا مرحلة السكتة القلبية، ولسنا في أزمة خانقة تدفع كل هذه الجموع إلى الهرب والنجاة بجلودها. شعرتُ، في لحظة ما، بأن الخوف قد استبدّ بها، فسألتني بصوت مضطرب: وهل سمع العالم بما حدث؟ وهل انهارت الصورة الجميلة التي رُسمت لهذا البلد؟ أومأتُ برأسي في صمت، إقرارا بما قالت.

عدت إلى الفراش، وقد أنهكتني رواية ذلك الحلم المزعج. فربّتت على ظهري برفق، ونصحتني بألّا أقرأ الأدب الأبوكاليبسي ليلا. حمدتُ الله على أن ما عشته تلك الليلة لم يكن سوى كابوس، ثم استسلمت لنوم عميق، لم يوقظني منه إلا النداء المبحوح لبائع النعناع، وصوت بائع السردين يتردّد في أزقة الحي.

* د سعيد كفايتي، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس

تعليقات الزوار