منتدى العمق

حين تهتز الثقة في مباراة الطب لا تكفي البلاغات لاستعادتها

ليست الأزمة التي تفجرت عقب مباراة ولوج كليات الطب والصيدلة مجرد جدل عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست أيضا مجرد تسجيل سمعي بصري فتح بشأنه تحقيق قضائي. إنها أزمة تمس أحد أهم المبادئ التي يقوم عليها التعليم العمومي، وهو مبدأ تكافؤ الفرص. فعندما تتسلل الشكوك إلى مباراة تحدد مستقبل آلاف التلاميذ، يصبح الرهان أكبر من إعلان النتائج، ويتحول إلى سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة المؤسسات على حماية الثقة العامة.

لقد سارعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار إلى الإعلان أن إعادة المباراة غير مطروحة، معتبرة أن التحقيق القضائي كفيل بتحديد المسؤوليات وأن المعطيات التي تتوفر عليها لا تبرر إعادة تنظيم الامتحان. ومن الناحية القانونية، من حق الوزارة أن تستند إلى قرينة سلامة الإجراءات إلى أن يثبت العكس. غير أن إدارة الأزمات لا تقوم فقط على احترام المساطر القانونية، وإنما أيضا على القدرة على إقناع الرأي العام بأن كل خطوة اتخذت كانت شفافة وقابلة للتحقق.

في مثل هذه القضايا، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها تثق في نتائج المباراة، بل ينبغي أن تمكن المجتمع من الأسباب التي دفعتها إلى هذا الموقف. فالشفافية ليست امتيازا تمنحه الإدارة متى شاءت، وإنما أصبحت جزءا من الحكامة الجيدة ومن حق المواطنين في الوصول إلى المعلومة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمباراة وطنية تحدد مستقبل أطباء الغد.

ما يثير الانتباه أن النقاش هذه المرة لم يأت من فراغ. فانتشار التسجيلات، وتفاعل آلاف الأسر، ودخول النيابة العامة على الخط، وتحول الملف إلى موضوع نقاش إعلامي وبرلماني، كلها مؤشرات على أن القضية تجاوزت مجرد إشاعة عابرة. وحتى إذا انتهى التحقيق إلى حصر المسؤولية في حالات فردية، فإن حجم الجدل الذي رافق المباراة يكشف وجود أزمة ثقة ينبغي التعامل معها بجدية، لأن الثقة إذا اهتزت يصبح ترميمها أصعب بكثير من حماية وجودها منذ البداية.

وفي المغرب، لا يمكن تجاهل أن ظاهرة الغش في الامتحانات أصبحت تحديا حقيقيا. فوزارة التربية الوطنية تعلن سنويا عن آلاف الحالات المضبوطة، وتلجأ إلى وسائل تقنية متطورة لرصد وسائل الاتصال الإلكترونية، وهو ما يعكس تطور أساليب الغش والحاجة إلى تطوير وسائل مكافحته. وهذا الواقع لا يعني التشكيك في نزاهة كل امتحان، لكنه يؤكد أن محاربة الغش لم تعد مسألة هامشية، بل أصبحت جزءا من حماية الحق الدستوري في تكافؤ الفرص.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت المباراة ستعاد أم لا، وإنما بما إذا كانت الوزارة قدمت للرأي العام ما يكفي من المعطيات لتبرير قرارها. فإذا كانت تؤكد أن نتائج المباراة منسجمة مع معدلات البكالوريا، فمن الطبيعي أن يطالب الباحثون والإعلام والرأي العام بنشر المنهجية الإحصائية التي اعتمدت، مع بيان توزيع الناجحين حسب شرائح المعدلات، وعدد حالات الغش المضبوطة، والإجراءات المتخذة في كل مركز. فالمعلومة الدقيقة أقوى من أي بلاغ.

كما أن اختزال النقاش في سؤال إعادة المباراة أو عدم إعادتها يحجب القضية الأساسية، وهي كيفية منع تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلا. فالمطلوب ليس فقط محاسبة كل من يثبت تورطه إذا انتهى التحقيق إلى ذلك، بل أيضا مراجعة منظومة تنظيم مباريات الولوج، وتعزيز وسائل المراقبة، وتوحيد الإجراءات بين مختلف المراكز، واعتماد تقييم دوري مستقل لنزاهة المباريات الوطنية.

إن كليات الطب لا تخرج موظفين عاديين، وإنما تخرج أطباء ستوكل إليهم مستقبلا مسؤولية حماية حياة المواطنين. ولذلك فإن المجتمع ينتظر أن تكون الطريق إلى هذه الكليات محاطة بأعلى درجات النزاهة والشفافية، حتى لا يبقى أي مجال للشك أو الإحساس بالظلم.

ولعل أكبر درس يمكن استخلاصه من هذه القضية هو أن الثقة لا تستعاد بالبلاغات وحدها. الثقة تبنى عندما يشعر المواطن أن المؤسسة لا تخفي شيئا، وأنها مستعدة لنشر معطياتها، وقبول النقد، ومراجعة إجراءاتها إذا اقتضى الأمر. فالمؤسسات القوية لا تقاس بغياب الأزمات، وإنما بطريقة إدارتها للأزمات.

إن انتظار نتائج التحقيق القضائي واجب، واحترام قرينة البراءة واجب أيضا. لكن من الواجب كذلك أن تواكب هذه المرحلة سياسة تواصلية أكثر انفتاحا، وأن يلتزم المسؤولون بنشر نتائج التحقيق كاملة، وترتيب الآثار القانونية المترتبة عليها، واتخاذ ما يلزم من إصلاحات حتى لا تتكرر مثل هذه الأزمة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن ناجح أو راسب، ولا بالانتصار لطرف ضد آخر، وإنما بالدفاع عن قيمة الاستحقاق التي تشكل أساس المدرسة والجامعة والدولة. فحين يطمئن كل مترشح إلى أن العلم وحده هو طريق النجاح، تكون المؤسسة قد نجحت في أهم اختبار لها، وهو اختبار الثقة.