منذ أن قدم المغرب سنة 2007 مبادرة الحكم الذاتي إلى الأمم المتحدة باعتبارها إطاراً لتسوية نهائية للنزاع حول الصحراء، دخل الملف مرحلة سياسية جديدة عنوانها البحث عن حل سياسي واقعي ودائم. وفي المقابل، تمسكت جبهة البوليساريو، بدعم من الجزائر، برفض المبادرة والدفاع عن خيار الاستفتاء باعتباره الحل الذي تتبناه، وهو الموقف الذي ظل يمثل خطابها الرسمي طوال ما يقارب عقدين، رغم التحولات المتسارعة التي شهدها الملف على المستويين الإقليمي والدولي.
ومع مرور السنوات، أخذت موازين القوى الدبلوماسية تميل بصورة متزايدة نحو دعم مقاربة الحل السياسي الواقعي، وهو ما عكسته قرارات مجلس الأمن المتعاقبة، ومن بينها القرار 2797، التي شددت على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق. كما عززت مواقف عدد من الدول المؤثرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، هذا التوجه، في ظل رغبة متنامية في الدفع نحو إنهاء نزاع طال أمده وأصبح يؤثر في الاستقرار الإقليمي.
وفي المقابل، واصلت الجزائر الدفاع عن أطروحة البوليساريو ورفض أي مسار يمنح مبادرة الحكم الذاتي زخما سياسيا أكبر، وهو ما جعلها طرفا أساسيا في معادلة هذا النزاع. غير أن تسارع المتغيرات الدولية، وتزايد الضغوط الدبلوماسية، أفرزا نقاشات داخلية متنامية حول كيفية التعاطي مع المرحلة الجديدة، وحدود التمسك بالمواقف التقليدية في مواجهة واقع دولي يشهد تغيرات متلاحقة.
وفي خضم هذه المستجدات، برزت مواقف وتصريحات صادرة عن عدد من قيادات البوليساريو، أعادت إلى الواجهة النقاش بشأن طبيعة المسار التفاوضي وحدود الانفتاح على المقترحات المطروحة. فقد نُسب إلى ما يسمى “وزير الخارجية” محمد يسلم بيسط حديث عن إمكانية مناقشة مقترح الحكم الذاتي في إطار المفاوضات، مع التأكيد على أن مجرد مناقشته لا يعني اعتماده حلا نهائيا، وهو ما اعتبره متابعون مؤشرا على محاولة التكيف مع التحولات التي يشهدها الملف.
وفي السياق نفسه، أثار المقال الذي نشره ما يصف نفسه بوزير الخارجية السابق “ومستشار الرئاسة للشؤون الدبلوماسية” محمد سالم ولد السالك نقاشا واسعا، بعدما تناول تأثير الموقف الأمريكي والضغوط الدولية على مسار النزاع، وما رافق ذلك من قراءة للمتغيرات الدولية التي فرضت نفسها على مختلف الأطراف. ورأى عدد من المحللين أن مضمون المقال يعكس إدراكا لحجم التحولات التي يشهدها الملف، ويعبر عن محاولة لقراءة المرحلة في ضوء التوازنات الدولية الجديدة.
في المقابل، خرج البشير مصطفى السيد، عضو ما يسمى “بالأمانة الوطنية” ورئيس ما يسمى “المجلس الوطني الصحراوي” ، بموقف انتقد فيه ما اعتبره خلطا بين مناقشة المقترحات المطروحة على طاولة التفاوض وبين قبولها كحل نهائي. وأكد أن الاستعداد لمناقشة أي فكرة في إطار العملية السياسية لا يعني بالضرورة تبنيها، مشددا على أن أي تسوية نهائية، من وجهة نظره، لا يمكن أن تُقدم باعتبارها تعبيرا عن موقف ما سماه “الشعب الصحراوي” دون الرجوع إلى الآليات التي يعتبرها ممثلة له.
ويعكس هذا السجال، في نظر العديد من المتابعين، تباينا في قراءة المرحلة داخل قيادة البوليساريو. فبينما يدعو فريق إلى التعامل مع المتغيرات الدولية بقدر أكبر من الواقعية السياسية، يحرص فريق آخر على التشبث بالخطاب السياسي التقليدي، مع التأكيد على عدم الخروج عن الثوابت المعلنة لجبهة البوليساريو. وقد فتح هذا النقاش الباب أمام تساؤلات متزايدة حول مستقبل المسار التفاوضي، وكيفية إدارة الضغوط الدولية المتصاعدة.
وفي ضوء هذه التطورات، لم يعد النقاش يقتصر على مستقبل العملية السياسية فحسب، بل امتد ليشمل مستقبل تماسك جبهة البوليساريو نفسها في ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة. فكلما اشتدت الضغوط الخارجية، واتسعت دائرة النقاش الداخلي، ازدادت التساؤلات حول قدرة القيادة على الحفاظ على وحدة موقفها، أو ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستفرز اصطفافات جديدة قد تعيد رسم المشهد السياسي داخل الجبهة بعد سنوات طويلة من وحدة صورية كاذبة للخطاب السياسي الظاهر.