وجهة نظر

العابرون إلى جحيم الوعد الكاذب -تأملات في مشهد النزوح الجماحي إلى سبتة المحتلة-

ما إن بدأت صور مشهد النزوح الجماعي، مساء الخميس وصباح السبت، 30 و31 يوليوز 2026، نحو مدينة سبتة المحتلة، تغزو الفضاءات الرقمية وتتصدر النشرات الإخبارية، حتى ارتفعت أصوات من هنا وهناك، تطالب المثقف، فيمن تطالب بالتدخل والكلام فورا، والتحدث في الحين والآن، معبرة عن جهلها الفادح بماهية المثقف وحقيقة وظيفته المجتمعية؛ وكأن المثقف وزير داخلية أو رئيس حكومة، أو زعيم تنظيم جمعوي أو سياسي، مهمته التعبير عن المواقف، أو صحفيا مهنيا مهمته نقل الأخبار والوقائع.. الخ.

ويؤسفني أن بعض الصناع المحترمين للمحتوى الرقمي قد انساق مع هذه الموجة التافهة، التي تتكرر مع كل حدث طارئ، لتصب جام غضب جهلها على  ما تعتبره صمت المثقف، ناسية أو متناسية أن صمت المثقف فضيلة وليس رذيلة كما تعتقد، فهو يفكر في كل ما يمكنه قوله، ولا يقول كل ما قد يفكر فيه، لإنه لا يبحث عن البوز والدعاية، أو إلى السبق في تصدر المشهد، أو إلى المزايدة على هذه الجهة أو تلك، مادامت استقلاليته عن كل سلطة، سواء كانت سلطة ما يريده الجمهور أو ما ينتظره صناع القرار تفرض عليه واجب التريث حتى يتمكن من الحد الأدنى من الفهم للقضية المثارة. ولأنه مثقف مستقل هو الوحيد الذي يملك سلطة القرار متى يتحدث ومتى يلزم الصمت، فقوله شهادة على الحدث وعلى العصر، وكل شهادة لا تنطلق من معرفة وروية بموضوعها، تعتبر شهادة زيف وزور.

وفي موضوع كهذا الذي يتعلق بموجة النزوح الجماعي إلى مدينة سبتة المحتلة كثرت كل ضروب الرجم والتنجيم، والمزايدة والبحث عن السبق والبوز والظهور، وتنسالت التخمينات والتفسيرات لأسباب هذه الواقعة المحزنة والأليمة، بحيث ذهب الخيال ببعض الذين تعودنا منهم القفز في حفر الخيالات المظلمة، إلى ربط الحدث ب”مؤامرة صهيونية ما سونية” على الدولة الإسبانية،  بسبب مواقفها الإعلامية من القضية الفلسطينية الأخيرة، من دون أن تكلف نفسها الانتباه إلى مسألتين اثنتين يعرفهما أبسط إنسان متتبع للعلاقات الدولية الحالية: أولهما، متانة العلاقات الصهيونية الإسبانية، سياسيا واقتصاديا وثقافيا. وثانيتهما، طبيعة العلاقة المركبة التي تجمعنا نحن المغاربة بجيراننا الإسبان، فهي خليط من الأضداد، صداقة وعداوة، تعاون ومنافسة، وإسبانيا هي شريكنا الاقتصادي البارز لكنها في الوقت ذاته عدونا الاستعماري السابق، الذي قصف ريفنا بالأسلحة الكيماوية واحتل شمال بلدنا وجنوبه الصحراوي، ولا يزال يغتصب مدينتين من وطننا، والجزر المحيطة بهما، وفي مقدمتها جزيرة باديس عنوان التآلف العميق بين إرثنا الأمازيغي الأصيل وتراثنا العربي الإسلامي الفريد.

من أجل ذلك كله، يعتبر الصمت المؤقت فضيلة، صمت يتيح فرصة لاتخاذ مسافة من الحدث، تسمح بالتأمل فيه بعمق ومن غير تسرع، وتمكن من المراجعة النقدية لما راج في سوق الكلام من تبريرات وتفسيرات لأسبابه وعوامله.

وعليه فمن خلال تأملنا في هذا الحدث، نسجل ملاحظتين اثنين:

أولهما تجزم بمأساوية الحصيلة المأساوية للحدث، والتي تبعث على الحزن والأسى، وتجعنا نخجل من أنفسنا وواقعنا التراجيدي هذا.

وثانيتهما، نسبية كل التفسيرات لمسببات الحدث، ومن الخفة رد واقعة النزوح المأساوية إلى هذا السبب الوحيد أو ذاك.

فهذا المشهد، بضخامته وتراجيديته، يستحق قراءة تتجاوز حصره بوصفه حدثا طارئا، نحو مساءلته كعرَض لاختلالات أعمق تتقاطع فيها عوامل استعمارية واقتصادية واجتماعية وقانونية وسياسية، ينبغي تفكيكها بدل الاكتفاء بالسرديات الجاهزة التي روّج لها هذا الطرف أو ذاك، بما يتناسب مع أهوائه ويتلاءم مع أجنداته.

أولا: عوامل متعددة

نعتقد أنه من الإنصاف الموضوعي رفض تفسير ما جرى بعامل واحد حاسم؛ فالمعطيات المتوفرة ترجح تضافر عدة عوامل متزامنة لا عاملا منفردا:

العامل الاقتصادي والاجتماعي البنيوي. أعلنت عدة مؤسسات رسمية مغربية أن معدل البطالة بلغ نحو 13 بالمئة خلال سنة 2025، وهي نسبة تتركز آثارها بشكل أكبر لدى فئة الشباب. هذا الواقع ليس جديدا، لكنه يمثل الوقود المستمر الذي يجعل فكرة «العبور» حاضرة باستمرار في وعي شريحة واسعة من الشباب المغربي، بصرف النظر عن أي حدث ظرفي بعينه.

العامل القضائي. في يوليوز 2026 حسمت المحكمة العليا الإسبانية نزاعا قانونيا قديما، إذ قضت بأن آلية «الإعادة الفورية» (أو ما يُعرف بـ«الترحيل الساخن») لا تنطبق على المهاجرين الذين يُعترَضون في عرض البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية، خلافا لمن يُضبطون أثناء تسلق الأسيجة الحدودية البرية. القضية تعود إلى نونبر 2024 حين طعن مهاجر جزائري في إعادته الفورية دون مسطرة قانونية.

وقد رجّحت تقارير إعلامية ورسمية ،إسبانية ومغربية عديدة، أن تفسيرات مغرضة لهذا الحكم انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي وسط الشباب المغربي، والمغاربي، والأفريقي، بوصفه بمثابة «ضوء أخضر» للعبور سباحة دون خطر الإعادة الفورية، وهو تأويل رفضه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز صراحة واعتبره تحريفا لمضمون الحكم الذي يُلزم فقط بإخضاع الحالات للمسطرة القانونية العادية لا بمنح حق الإقامة.

عوامل ظرفية ولوجستية. أشارت تقارير إلى ضباب كثيف خيّم على المنطقة خلال الأيام السابقة للموجة، ما أضعف قدرة الأجهزة الأمنية على المراقبة الساحلية، إضافة إلى انتشار مقاطع فيديو تشرح مسارات العبور وتحفّز عليه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بما يوحي بوجود تعبئة رقمية منظمة إلى حد ما، لا مجرد تدافع عفوي.

فرضية البعد السياسي. طرح عدد من المحللين والسياسيين الإسبان، خصوصا من صفوف اليمين، قراءة أكثر حساسية مفادها أن تدفقات العبور الجماعي ليست بريئة تماما من توظيف سياسي في لحظات التوتر بين الرباط ومدريد، مستحضرين سابقة مايو 2021 حين تراخت الرقابة المغربية على الحدود عقب استضافة إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو للعلاج الطبي، فوصفها رئيس الوزراء الإسباني وقتها بأنها «أزمة خطيرة». غير أن هذه القراءة تبقى فرضية تفسيرية يتبناها جزء من الطيف السياسي والإعلامي الإسباني، وفي مقدمته اليمين العنصري المتطرف، ولم تُثبَّت رسميا كسياسة متعمدة في موجة 2026، ولم تصدر عن الرباط أي إشارة تؤكدها؛ بل على العكس، أصدرت السلطات المغربية بيانا رسميا في 2 يوليوز 2026 أكدت فيه أنها فعّلت «مقاربة استباقية وشمولية» ورفعت درجات اليقظة الأمنية منذ المراحل الأولى للأحداث. وعليه فإن الموضوعية العلمية تقتضي التعامل مع هذه الفرضية السياسية  بحذر شديد، باعتبارها واحدة من التأويلات المتداولة والرائجة مع صعوبة الجزم بكونها حقيقة مؤكدة.

ثانيا: حصيلة إنسانية تفضح محدودية المقاربة الأمنية

المفارقة الصادمة أن جل الأطراف المعنية، خاصة الأوروبية والإسبانية، تتحدث لغة الأمن والسيادة والضبط الحدودي، بينما الثمن الفعلي لهذه الأزمة دُفع بأرواح بشرية.

هذا البعد الإنساني الحقوقي غالبا ما يغيب عن التغطيات والمواقف الرسمية الغربية التي تختزل الحدث في لغة «الهجوم» و«انتهاك السيادة» من جهة، أو في لغة «التهديد الأمني» و«شبكات التهريب» من جهة أخرى؛ في حين أن غالبية العابرين، بحسب الشهادات المتاحة، هم شباب وقاصرون وأسر بأكملها، لا عناصر تهريب منظمة بالمعنى الجنائي الدقيق، وإن كانت شبكات التهريب قد استثمرت فعلا في الحدث وروّجت له.

ثالثا: تفاعلات دبلوماسية ومزايدات سياسية

لم تلبث الأزمة أن تجاوزت بعدها الإنساني المباشر لتتحول إلى ملف دبلوماسي وسياسي متشعب:

  • فقد وصف رئيس الحكومة الإسبانية السيد بيدرو سانشيز، في مؤتمر صحفي عقده في سبتة المحتلة، ما جرى بأنه «هجوم» و«انتهاك لسلامة الأراضي الإسبانية»، بينما طالب حاكم سبتة وأحزاب محلية من مختلف الاتجاهات، بما فيها الحزب الاشتراكي الحاكم والحزب الشعبي المعارض، بإعلان حالة الطوارئ ونشر الجيش وتشديد إغلاق الحدود.
  • توسّعت تداعيات الأزمة لتطال العلاقات الأوروبية الداخلية، إذ أعلنت إيطاليا تعليق العمل ببعض ترتيبات اتفاقية شنغن مع إسبانيا، في مؤشر على أن ملف الهجرة عبر الحدود الجنوبية لإسبانيا بات يُقرأ في بروكسل وروما كملف أوروبي جماعي لا إسبانيا-مغربيا محضا.
  • والمفارقة الأخرى والعجيبة أن الجزائر التي تملك ثروات نفطية هائلة، تدر عليها أموالا طائلة، والتي صدر القرار القضائي بسبب إلى ركوب أحد مواطنها أمواج مهاجرا إلى أوروبا، بحثا عن عيش كريم، استثمرت في الحدث إعلاميا ووصفت منابر ها ما جرى بأنه «هروب جماعي للمغاربة»، في خطاب سياسي يوظّف مأساة إنسانية لأغراض الصراع الدبلوماسي بين البلدين الجارين، وهو توظيف مستهجن يستحق النقد بقدر ما تستحقه المقاربات الأمنية الأخرى.

رابعا: الخلفية العميقة للحدث تتجاوز ظرفيته الحالية

لا يمكن فهم تكرار هذا النمط من الأزمات (2021، ثم «ليلة الهروب الكبير» في سبتمبر 2024، ثم موجة يوليوز 2026) بمعزل عن عاملين بنيويين عميقين:

أولهما، هو الاستعمار الإسباني لمدينتي سبتة ومليلية؛ فالمغرب، كل المغرب، لا يعترف بالسيادة الإسبانية عليهما ويعتبرهما ثغرين محتلين ينبغي استرجاعها ضمن مسار تصفية الاستعمار. وهذا الوضع الاستعماري، وإن لم يكن السبب المباشر لأي موجة عبور بعينها، يظل خلفية سياسية تجعل الحدود في هاتين النقطتين مشحونة رمزيا وسياسيا بشكل يفوق أي حدود أخرى بين المغرب وأوروبا.

وثانيهما، هو اتساع الفجوة بين تطلعات جيل كامل من الشباب المغربي ومحدودية الفرص المتاحة له محليا، وهو ما عبّرت عنه جمعيات حقوقية مغربية بانسداد الأفق الاجتماعي، محذرة من أن النزوح والرغبة في الهجرة أصبحا لغة تعبير عن غضب شعبي لدى شريحة من الشباب، لا مجرد اختيار فردي عابر. من هذا المنظور، فإن أي معالجة تقتصر على تعزيز الرقابة الأمنية للحدود، دون معالجة جذور اليأس الاجتماعي والاقتصادي، لن تفعل أكثر من تأجيل الموجة القادمة إلى أجل غير مسمى. وهذه المعالجة لا يمكن أن تتحمل تكلفتها السلطات المغربية بمفردها، بل يتعين على الشركاء الأوربيين مجتمعين، أداء مستحقاتها، لا على مستوى دعم مالي محدودو لتعزيز الأمن الحدودي، ولكن على مستوى المساهمة الجدية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في شمال المغرب ووسطه وجنوبه، والذي استنزف المستعمر الأوروبي ثرواته وخيراته المادية والبشرية، ولا يزال. هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لابد  من فتح قنوات التنقل القانوني والحر، وفقا لما تنص عليه المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وإعطاء مغاربة الشمال المغربي، بشكل خاص، وضعا متقدما ومتميزا في هذا المجال.

خامسا: في نقد التفسيرات المتقابلة

يكشف تحليل الخطابات الصادرة عن الجهات الرسمية والإعلامية والحزبية وتلك التي يتسابق على بثها صناع المحتويات الرقمية المواكبة للأزمة عن قصور مشترك لدى مختلف الأطراف:

  • الخطاب الإسباني الرسمي، بتركيزه على مفردات «الهجوم» و«انتهاك السيادة»، يميل إلى تجريم الظاهرة وتأطيرها أمنيا بالكامل، متجاوزا مساءلة سياسته الاستعمارية لأراض وجزر مغربية أولا، من دون التفكير في حل سياسي يقوم بتصفية الوضع الاستعماري، من خلال حلول ولو مؤقتة، شبيهة بالحل السياسي الذي توصل إليه الإسبان أنفسهم مع الأنجليز بخصوص وضعية صخرة جبل طارق. كما أن الخطاب الأوربي عامة يقفز على عدم مراجعة السياسات الأوروبية للهجرة ثانيا، والتي لا تزال تعتمد بشكل شبه حصري على منطق «الحصن» الحدودي دون قنوات هجرة نظامية كافية تستوعب جزءا من هذا الضغط الديموغرافي.
  • الصمت الرسمي المغربي النسبي حيال الحصيلة البشرية للأزمة، ماعدا تقريرا صادرا عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، هذا الصمت الذي انتقدته جمعيات حقوقية وطنية بشدة، يطرح سؤالا مشروعا حول التزامات الدولة المغربية تجاه أسر الضحايا والمفقودين، حتى وإن كانت السلطات قد شددت على التزامها بالقانون في تدبير الحدث أمنيا.
  • التوظيف السياسي الإقليمي للمأساة، من طرف أصوات جزائرية مزايدة كما من طرف تيارات إسبانية تسعى لتحميل المغرب مسؤولية سياسية كاملة، يُظهر كيف تتحول محنة إنسانية بشرية إلى مادة للتراشق الدبلوماسي والسياسي والإعلامي، بما يُبعد النقاش عن جوهره الإنساني والحقوقي.

خاتمة: أي أفق بعد حدث العبور إلى الجحيم؟

تكشف أزمة سبتة 2026، بحجمها غير المسبوق، هشاشة المقاربة الأمنية للهجرة القائمة بين ضفتي المتوسط: مقاربة تكتفي غالبا بتبادل الاتهامات وتشديد الإجراءات الأمنية عند كل موجة، دون معالجة جذرية للأسباب الاقتصادية والاجتماعية الدافعة، ودون آلية إقليمية-أوروبية-إفريقية مشتركة لتدبير الهجرة بمقاربة تجمع بين الأمن والتنمية واحترام حقوق الإنسان. وما دامت هذه المعادلة على حالها، فإن التاريخ الحديث لسبتة ومليلية يوحي بأن موجة 2026 لن تكون الأخيرة، وأن الثمن البشري لهذا الإخفاق الجماعي في التدبير سيستمر في التصاعد ما لم تتحول القراءة النقدية لهذه الأحداث إلى سياسات فعلية بدل أن تبقى حبيسة التقارير والبيانات.