أشعلت نتائج دعم إنتاج الأعمال السينمائية برسم سنة 2026 نقاشا وسط عدد من المخرجين والمهنيين في القطاع السينمائي بالمغرب، بعدما أعاد الإعلان عن لائحة المشاريع المستفيدة طرح أسئلة حول معايير تقييم الأعمال وطبيعة التعليلات التي تستند إليها لجنة الدعم في قراراتها.
وفي واحد من أبرز المواقف التي أعقبت إعلان النتائج، وجه المخرج والسيناريست المغربي إدريس شويكة “رسالة مفتوحة” إلى أعضاء لجنة دعم الأعمال السينمائية، عقب رفض مشروع فيلمه الروائي الطويل “سراب رمال”، خصصها للرد على التعليل المرافق للقرار، قبل أن تمتد ملاحظاته إلى منهجية التقييم وتركيبة اللجنة.
وكانت لجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية قد درست المشروع خلال اجتماعها المنعقد من 4 إلى 12 يوليوز 2026، قبل أن تقرر رفض طلب الدعم، معللة قرارها بأن “البناء الدرامي غير قوي بما يكفي والأحداث تحتاج إلى مصداقية أكثر دراميا”.
وشدد شويكة على أن اعتراضه لا يتعلق بحق اللجنة في رفض المشروع، وإنما بطريقة تعليل القرار، واصفا ما توصل إليه بأنه “المستوى المهني الواهي لهذا التعليل الذي يخلو من أي قيمة تحليلية أو علمية أو موضوعية”، معتبرا أن العبارات الواردة في التقرير “ليست سوى جمل فضفاضة تفتقر إلى أدنى معايير الدقة والموضوعية والعقلانية”.
وانطلق شويكة في رسالته من العبارة المتعلقة بالبناء الدرامي، معتبرا أن وصفه بأنه “غير قوي” لا يقدم، في حد ذاته، عناصر كافية لتحديد مكامن الضعف في المشروع.
وكتب أن حكم “البناء الدرامي غير قوي بما يكفي” هو “حكم انطباعي لا منهجي”، موضحا أن تقييم البناء الدرامي يستند -بحسب تصوره- إلى مؤشرات محددة، من بينها تكامل الحبكة الرئيسية، ووضوح الصراع الأساسي، ووجود العقدة والذروة والحل، إلى جانب تحديد الأدوار الوظيفية للشخصيات ومدى تحقيق التسلسل الزمني للأحداث لمنطق السببية.
وانتقد عدم إشارة التقرير -بحسب قوله- إلى أي من هذه العناصر، معتبرا أن عبارة “غير قوي” لا تحدد موضع الضعف داخل المشروع، ومتسائلا عما إذا كان الخلل يتعلق بـالفعل الأول (البداية)، أم الفعل الثاني (التفصيل)، أم الفعل الثالث (التعقيد) أم الفعل الرابع (الحل)؟
ويرى شويكة أن هذا الغموض لا يتيح لأصحاب المشروع معرفة العناصر التي تحتاج إلى مراجعة، مشيرا إلى أن وصف البناء بأنه “غير قوي” يظل “حكما قيميا مجردا” ما لم يقترن بتحديد واضح لموضع الخلل وأسبابه.
وتوقف شويكة أيضا عند الجزء الثاني من تعليل اللجنة، والمتعلق بحاجة الأحداث إلى “مصداقية أكثر دراميا”، معتبرا أن هذا الوصف يحتاج بدوره إلى تحديد العناصر أو الأحداث التي استند إليها التقييم.
وأوضح أن “الدراما في جوهرها لا تعني المحاكاة الحرفية للواقع”، بل تعني “المنطق الداخلي” للعالم الذي يبنيه الكاتب ويعالجه المخرج فنيا وجماليا وتقنيا.
وبحسب المخرج، فإن المصداقية الدرامية تتحقق عندما تكون دوافع الشخصيات منسجمة مع أفعالها، وتكون النتائج مترتبة على المقدمات داخل عالم الحكاية ومحيطها الموضوعاتي والإنساني.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن التقرير لم يحدد -وفق قوله- “ولو مشهدا واحدا أو حدثا بعينه” اعتبرته اللجنة غير منطقي، كما لم يقدم مقترحا يوضح كيفية جعل ذلك الحدث أكثر “مصداقية”.
واعتبر شويكة أن هذا النوع من التعليل لا يوفر -من وجهة نظره- أساسا عمليا لتطوير المشروع، واصفا العبارة بأنها “مجرد حشو إنشائي يدل على عجز المحلل عن تفكيك النص إلى وحداته البنائية الأساسية”.
وفي جزء آخر من رسالته، وسّع شويكة ملاحظاته لتشمل طبيعة القراءة التي خضع لها المشروع، لافتا إلى أن التقييم السينمائي يفترض -في نظره- تفكيك عناصر العمل ومناقشتها بصورة أكثر تفصيلا.
وأشار إلى أن النقد السينمائي التحليلي يعتمد على مراجع وأدوات قابلة للتوثيق والنقاش، مستشهدا بتحليل البنية الثلاثية، ومسار الشخصيات الرئيسية، ونظريات الصراع المادي والنفسي.
وانتقد في المقابل غياب مثل هذه المقاربة في التعليل الذي توصل إليه، معتبرا أن التقرير لم يتضمن -بحسب قوله- ما يكفي من التحليل المتعلق بالحوار وتطور الشخصيات والإيقاع السردي والنسق البصري المقترح.
وقال شويكة في رسالته المفتوحة إن هذا التعليل “يشبه تلك الانطباعات التي يطلقها مشاهد عابر بعد مشاهدة فيلم، وليس خبيرا مطالبا بدراسة جدوى مشروع فني عالي المستوى”.
وامتدت ملاحظات شويكة كذلك إلى تركيبة لجنة الدعم، إذ اعتبر أن جل أعضائها يفتقرون -بحسب تقديره- إلى الخبرة والتجربة والحنكة الكافية لدراسة جدوى مشروع عمل سينمائي.
وفي هذا الإطار، وجه المخرج المغربي انتقادا مباشرا إلى رئيس اللجنة، قائلا إنه “لم يشارك خلال مساره الفني كله، بأي صفة من الصفات، في إنتاج ولو دقيقة سينمائية واحدة”، كما تحدث عن وجود أعضاء إداريين قال إنهم لا يتوفرون على “دراية فنية وجمالية وموضوعاتية وتقنية تسمح لهم بدراسة مشروع عمل سينمائي”، مضيفا أن باقي الأعضاء لهم “تجربة جد محدودة في المجال”.
وربط المخرج بين وظيفة لجنة الدعم وبين ما يفترض أن توفره ملاحظاتها من إمكانية لتطوير المشاريع، معتبرا أن التعليل الذي تلقاه لا يتيح له تحديد التعديلات المطلوبة.
وتابع :”لا يمكننا (كاتب السيناريو والمخرج) أن نعزز قوة البناء الدرامي في أفق تطويره، لأننا لا ندري ما هو القوي في قاموسكم، ولا يمكننا رفع المصداقية انطلاقا من تعبير مبني على كلام فارغ، لأنه لا علم لنا بأي الأحداث التي اعتبرتموها تفتقر إلى المصداقية”.
وأضاف أن التعليل- في تقديره- “ليس تحليلا ولا نقدا، بل هو هروب وهمي من عجز بين عن تحمل مسؤولية تقديم أي تحليل ولا نقد للمشروع السينمائي موضوع الدراسة”.
وأكد شويكة، الذي يقول إن تجربته في المجال السينمائي تمتد لأكثر من خمسين سنة، أنه “يرفض هذه التبريرات جملة وتفصيلا”، مضيفا أنه لا يطالب اللجنة بإعادة النظر في قرارها أو تقديم تقرير مفصل، لأنه يشكك أساسا في قدرتها على تقديم مثل هذا التقييم، وفق تعبيره.