وجهة نظر

معاشات التقاعد بلا تعقيدات.. منشور حكومي يُسقط كومة من الوثائق

عرفت الإدارة المغربية، على امتداد العقود الماضية، تطورا متدرجا في أساليب تدبير المرفق العمومي، انتقلت معه من مساطر إدارية تقليدية كانت في كثير من الأحيان تتسم بالتعقيد وكثرة الوثائق وتعدد المتدخلين، إلى مقاربة جديدة تقوم على التبسيط والفعالية وتقريب الإدارة من المواطن. فقد كان المرتفق، في عدد من المساطر، مطالبا بجمع وثائق متعددة والتنقل بين الإدارات والمؤسسات من أجل استكمال ملفه، وهو ما كان يسبب أحيانا طول الانتظار وكثرة الإجراءات وثقل العبء الإداري. ومع تطور مفهوم المرفق العمومي، أصبحت الإدارة مطالبة بتأهيل خدماتها ومراجعة مساطرها، بما يجعلها أكثر سرعة ومرونة واستجابة لحاجيات المواطنين والموظفين.

وقد شهدت المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الإصلاحات الرامية إلى تبسيط الإجراءات الإدارية والحد من البيروقراطية، من خلال تقليص الوثائق المطلوبة، واعتماد الرقمنة، وتشجيع تبادل المعطيات بين الإدارات، حتى لا يظل المواطن أو الموظف مطالبا بتقديم معلومات ووثائق توجد أصلاً لدى الإدارة. وفي هذا المسار جاء منشور رئيس الحكومة رقم 7/2019 المتعلق باعتماد التدبير الإلكتروني لملفات معاشات التقاعد، ليؤسس لمرحلة جديدة في معالجة هذه الملفات. واليوم يأتي منشور رئيس الحكومة عدد 8/2026 المتعلق بتبسيط مسطرة تدبير ملفات معاشات التقاعد المخولة من طرف الصندوق المغربي للتقاعد الصادر بتاريخ 09 يوليوز 2026، ليشكل خطوة إضافية في اتجاه إدارة أكثر بساطة وفعالية، وأقل اعتماداً على الوثائق الورقية.

ويرتكز المنشور الجديد على فلسفة واضحة تتمثل في اعتماد التبادل الإلكتروني للمعطيات مع الشركاء المؤسساتيين، والاستغناء عن عدد من الوثائق الإدارية، ودمج المعطيات الأساسية في وثائق موحدة، بما يسمح بتقليص آجال معالجة الملفات وتحسين جودة الخدمات. والمقصود هنا ليس فقط حذف بعض الأوراق، وإنما تغيير طريقة تدبير الملف برمتها، بحيث تتحمل المؤسسات مسؤولية تبادل المعلومات التي تتوفر عليها، ويصبح الموظف أو المرتفق أقل حاجة إلى التنقل والبحث عن وثائق سبق أن قدمها للإدارة خلال مساره المهني.

وبالنسبة إلى المنخرطين في نظام المعاشات المدنية، تم الاستغناء، في الحالات التي حددها المنشور، عن قرارات التوظيف والترسيم بالنسبة لموظفي الإدارات العمومية الذين تم توظيفهم ابتداء من فاتح ماي 1980، وكذلك بالنسبة لموظفي الجماعات الترابية الذين تم توظيفهم ابتداء من قيام الخزينة العامة للمملكة بأداء أجورهم. وفي المقابل، تلتزم الهيئة المشغلة بتضمين قرار الحذف من الأسلاك المعلومات المتعلقة بتاريخ التوظيف، والصفة التي وظف بها المعني بالأمر، وتاريخ الترسيم، حتى يتوفر الصندوق المغربي للتقاعد على المعطيات الأساسية دون الحاجة إلى مطالبة الموظف بإعادة تقديم هذه الوثائق. أما مستخدمو المؤسسات العمومية، فيستمر بشأنهم العمل بالوثائق المحددة في منشور سنة 2019.

كما تم تبسيط عدد من الوثائق الشخصية والإدارية التي كانت مطلوبة في ملفات التقاعد. فمن بين المستجدات الاستغناء عن شهادة التعريف البنكي أو الشيك الملغى، عندما تكون أرقام الحسابات البنكية التي تصرف فيها الأجور متوفرة لدى الخزينة العامة للمملكة، حيث يمكن للصندوق اعتماد هذه المعطيات. كما تم الاستغناء عن نسخة البطاقة الوطنية للتعريف، على أساس حصول الصندوق على المعلومات ذات الصلة من الجهة المختصة. وتم أيضا دمج معطيات بطاقة المعلومات والقائمة المفصلة للخدمات في وثيقة واحدة تتولى الهيئة المشغلة إعدادها، وهو ما يخفف عدد الوثائق ويحد من احتمال وجود نقص أو اختلاف في المعلومات المقدمة.

ويشمل التبسيط كذلك المنخرطين في نظام المعاشات العسكرية، مع مراعاة خصوصية كل فئة. فقد تم الاستغناء، في الحالات المحددة، عن قرارات التوظيف والترسيم بالنسبة لموظفي القوات المساعدة الذين تم توظيفهم ابتداء من فاتح يناير 1980، كما تم الاستغناء عن قرار التسريح بالنسبة لأفراد القوات المسلحة الملكية، وعن قرار المدد الاعتبارية بالنسبة للخدمات الجوية والبحرية، على أن تتضمن الهيئة المشغلة قائمة الخدمات والمعلومات المتعلقة بالمدد الاعتبارية المضافة إلى المعاش. كما تلتزم الهيئة المشغلة بتضمين قرار الحذف من الأسلاك المعلومات الأساسية حول تاريخ التوظيف والصفة وتاريخ الترسيم. أما بالنسبة للجنود الذين يتقاضون أجرة تصاعدية، فيستمر العمل بالوثائق الواردة في منشور 7/2019، مع التأكيد على أهمية التنسيق المستمر مع إدارة الدفاع الوطني.

أما بالنسبة إلى معاشات ذوي الحقوق، فقد حملت الإجراءات الجديدة مجموعة من التسهيلات التي تهم الأسر المستفيدة من المعاش. ففي حالة تحويل المعاش، يتم اعتماد نفس الوثائق المطلوبة في حالة الحذف من الأسلاك، مع الاستغناء عن بعض الوثائق المتعلقة بذوي الحقوق، ومن بينها عقد الزواج في حالة وجود أولاد من الزواج نفسه، وكذلك عقود ازدياد الأيتام في الحالات التي يتم فيها الإدلاء بنسخ من بطائق التعريف الوطنية. والغاية من هذه الإجراءات هي الحد من الوثائق التي لا تضيف قيمة فعلية إلى الملف عندما تكون المعلومات الأساسية متوفرة لدى الإدارة أو يمكن التحقق منها إلكترونياً.

وفي حالة وفاة الموظف أو العون أثناء مزاولة العمل، أصبح للإدارة دور أساسي في إعداد الملف وتوجيهه عبر المسار الإلكتروني المعتمد. فالإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية تتولى إعداد ملفات معاشات موظفيها وأعوانها المتوفين في طور العمل وإدراجها ضمن المنصة الإلكترونية المعتمدة، بينما يتولى ذوو الحقوق الاتصال بالصندوق المغربي للتقاعد لاستكمال الإجراءات وتقديم الوثائق التي تبقى ضرورية حسب الحالة. أما بالنسبة إلى المنخرطين في نظام المعاشات العسكرية، فيستمر العمل بالمسطرة المحددة في منشور رئيس الحكومة رقم 7/2019.

ومن الإجراءات التي تستحق التوضيح أيضا ما يتعلق بالأيتام المتمدرسين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و21 سنة. فالتوجه المعتمد يقوم على الاستغناء عن الشهادة المدرسية، على أساس أن يتوصل الصندوق المغربي للتقاعد بالمعطيات المتعلقة بالتمدرس مباشرة من القطاعات المعنية، كالتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي. غير أن هذه الإمكانية، حسب الوثيقة التوضيحية، لم يتم تفعيلها حالياً بسبب عدم إبرام الاتفاقيات اللازمة مع القطاعات المعنية، ولذلك يستمر في الوقت الراهن إلزام الأيتام المتمدرسين بالإدلاء بالشهادة المدرسية سنوياً إلى الصندوق، إلى حين تفعيل الربط المعلوماتي.

كما يتجه المنشور إلى تبسيط ورقمنة مسطرة استرجاع الاقتطاعات المتعلقة بالتقاعد، وفق تنزيل تدريجي مرتبط بجاهزية المنصات والأنظمة المعلوماتية. وتتمثل الوثائق المشار إليها في هذه المرحلة في طلب خطي يوجه مباشرة إلى الصندوق المغربي للتقاعد، وشهادة التعريف البنكي أو شيك ملغى. وسيتم تنزيل هذا الإجراء بشكل تدريجي، بالتوازي مع تعزيز التنسيق والاجتماعات مع مختلف المتدخلين، وخاصة إدارة الدفاع الوطني، بما يضمن انتقالاً منظماً من المساطر التقليدية إلى المعالجة الرقمية.

ومن أبرز المستجدات التي يعكسها المنشور اعتماد مبدأ «توقيع واحد يكفي»، حيث يتم الاكتفاء بالتوقيع الإلكتروني على قرار الحذف من الأسلاك باعتباره الوثيقة المركزية في ملف التقاعد، دون الحاجة إلى توقيع باقي الوثائق، وفق المقتضيات القانونية المتعلقة بالتبادل الإلكتروني للمعطيات. وبذلك ينتقل ملف التقاعد من تعدد التوقيعات والوثائق والمراحل الورقية إلى مسار أكثر بساطة وتنظيماً، بما يساعد على تسريع آجال المعالجة وتخفيف الإجراءات وتعزيز ثقة المرتفقين في الإدارة الرقمية.

إن منشور رئيس الحكومة عدد 8/2026 يمثل، في جوهره، مرحلة جديدة في مسار إصلاح الإدارة المغربية وتأهيل المرفق العمومي، لأنه لا يكتفي بتقليص عدد الوثائق، بل يكرس ثقافة إدارية جديدة تقوم على أن المعلومة التي تتوفر عليها الإدارة لا ينبغي أن يطلب من المواطن أو الموظف تقديمها من جديد. ونجاح هذه المسطرة لن يتوقف فقط على النصوص، وإنما على حسن تنزيلها من طرف الإدارات والمؤسسات، ودقة المعطيات التي تقدمها، وتحيينها، واحترام النماذج الموحدة، وتعزيز التنسيق والتبادل الإلكتروني مع الصندوق المغربي للتقاعد. والغاية في النهاية هي أن يحصل الموظف والموظفة والمتقاعد وذوو الحقوق على حقوقهم في ظروف أفضل، وبإجراءات أقل، وفي آجال أقصر، بما يجعل الإدارة المغربية أكثر قرباً من المرتفق وأكثر قدرة على مواكبة التحول الرقمي وتطلعات المجتمع.

تعليقات الزوار