مأساة 30 يوليوز وأخطاء إسبانيا الخمسة
وجهة نظر

مأساة 30 يوليوز وأخطاء إسبانيا الخمسة

ما وقع يوم 30 يوليوز وأحداث سبتة الأليمة هو مأساة بكل المقاييس.

فجأة، غيّر الشباب والقاصرون والقاصرات وجهتهم عبر تدفقات بشرية نحو سبتة، من أجل معانقة الحلم الأوروبي، بفعل إشاعة قوية التأثير جعلت من الوهم حلمًا سهل التحقق.

رسائل نصية وصوتية عبر شبكات التواصل، تفيد أن أبواب سبتة قد فُتحت، وأن إسبانيا في حاجة إلى يد عاملة، وأن قرارًا قضائيًا صدر بالمحكمة العليا يمنع ترحيل كل من دخل مياه سبتة، والنتيجة تدفقات بشرية لم يسلم منها حتى الرضع والأمهات والدراجات الهوائية.

خطورة ما وقع ليست في نتائجه وتداعياته، أو في حجم الحزن الناتج عن المحنة، وإنما تكمن في أن المأساة قابلة للتكرار إذا لم تتم قراءة الحدث في كافة أبعاده، واستخلاص العبر وتصحيح الاختلالات.

ما وقع ليس حدثًا عاديًا، بقدر ما هو مأساة صادمة، جعلت من شباب وأطفال أبناء هذا الوطن حقل تجارب لقرارات قضائية منغلقة، ونتيجة فراغ تواصلي فسح المجال لكي تنتعش الإشاعات وتجعل الأوهام أحلامًا، والنتيجة استدراج شبابنا وأطفالنا إلى الموت بسبب سياسات سوء التعامل مع قرار قضائي، وغياب رؤية تواصلية تراعي الواقع الجديد ومستجداته، بما يتيح مراقبة حدودية فعالة تتجاوز الإطار التقليدي.

مناقشة الموضوع لا يعني البحث عن خصومة مع إسبانيا، وإنما قصد الوعي بخطورة ما وقع، وإيمانًا بقيمة الشراكة الاستراتيجية لحماية الحدود ومواجهة أخطار الهجرة غير الآمنة، بما يضمن حماية الأرواح، وتسهيل سبل الهجرة الآمنة. غير أن الشراكة الفعالة لا تعني الصمت، وإنما توجيه أصابع الاتهام لمن يريد أن يسيء إلى وطننا، عبر تفخيخ البحر وتحويله إلى مقبرة عائمة.

الشراكة الاستراتيجية لا تعني الصمت أو خفض الصوت، وإنما كشف الحقيقة كاملة في وجه من كان السبب في هذه المأساة.

كل تبرير لما وقع هو خيانة لدم الشباب المغربي المغدور، فمجاملة من كان سببًا في المأساة هي جريمة ضد الوطن وضد أبناء الوطن.

ما وقع يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، أحد أركانها التساهل في منع حصول المأساة.

كان يمكن تفادي ذلك وتجنب الكارثة بالقليل من الحيطة والحذر وتوقع ما كان محتمل الوقوع.

ما وقع يستلزم رفع الصوت وبقوة، فالدم المغربي ليس رخيصًا، لأن الخطر ما زال قائمًا والمخاطر متعددة، بوجود أسباب كامنة تغذي الرغبة في تحقيق حلم الهجرة، لا سيما تلك المتعلقة بتحريض خارجي يستغل المنصات الرقمية المضللة.

خمس أسباب رئيسية، بمثابة أخطاء، حوّلت ضغطًا هجراتيًا إلى كارثة إنسانية:

الخطأ الأول: عدم تقدير تداعيات القرار القضائي الصادر بتاريخ 8 يوليوز.

مواجهة المشكلة والرغبة في عدم تكرارها تستدعي تحديد المسؤوليات، ومعرفة الأسباب المباشرة والكامنة وراء هذه المحنة القاسية.

إن المسؤول الحقيقي عن المأساة التي شهدتها سبتة يوم 30 يوليوز، والتي أودت بحياة عدد من الأشخاص، هي إسبانيا.

فما وقع ليس حدثًا معزولًا ولا فجائيًا لم ينشأ في ليلة واحدة، وإنما كان نتيجة سلسلة من القرارات والأخطاء والإشارات التي كان من الممكن قراءتها واستباق تداعياتها قبل الوصول إلى المأساة.

التصريح بأن إسبانيا هي المسؤولة عما وقع ليس مجرد افتراض، وإنما استنتاج مدعوم بمؤشرات تكشف غياب الرؤية وعدم استباق تداعيات القرار القضائي الصادر في 8 يوليوز، الذي غيّر الشروط والإجراءات المتعلقة بإعادة الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة عبر البحر.

الخطورة ليست في القرار، لكن في سرعة انتشاره وتوظيفه من جهات تشتغل في الظلام، عبر حملة رقمية مضللة، وعبر كافة الوسائط والشبكات الرقمية، بتوظيف لغة بسيطة وصلت للجميع. اعتماد البساطة كان سلاحًا قويًا لحشد أكبر عدد من الضحايا واصطيادهم في ليلة الوهم الكبير، من خلال العبارة ذات التداول الكثيف:

«إذا وصلت إلى سبتة عبر البحر، فلن تتم إعادتك فورًا.»

خطورة القرار القضائي لا تكمن في مدى شرعيته الداخلية ومدى انسجامه مع الدستور الإسباني، ولكن في تداعياته. حتى وإن كان قرارًا داخل الحدود، فتداعياته كانت خارج الحدود: مأساة 30 يوليوز والأزمة داخل منظمة شنغن.

كان ينبغي على السلطات الإسبانية أن تدرك أن الأمر لم يعد مجرد مسألة قانونية داخلية، لأن أي تغيير في قواعد التعامل مع الهجرة على حدود شديدة الحساسية تكون له تداعيات تتجاوز الحدود الإسبانية.

فالمأساة كشفت أن إسبانيا تريد تدبير خطر الهجرة غير الآمنة دون أن تدرك طبيعة المخاطر المتغيرة والمرتبطة بقوة الوسائل الرقمية وسرعة التجييش.
الخطأ الثاني: التساهل في تحويل قرار قضائي إلى إشاعة هجراتية خطيرة.

الأزمة كشفت سوء فهم الجانب الإسباني لطبيعة التحولات المتسارعة نتيجة العولمة وميلاد عوالم جديدة.

إسبانيا ربما لم تدرك أن العالم تغيّر وسيتغير، وأن العالم القديم في طور الانهيار، وأن هناك حدودًا جديدة تُصنع، وعوالم جديدة تُصنع فيها هويات جديدة للمواطن الافتراضي، والذي يحمل معه هويته خارج الحدود التقليدية والجغرافية، أو بناء هوية بحدود جديدة تحددها شبكات التواصل: فيسبوك وتويتر وإنستغرام وتيك توك وواتساب وغيرها.

في زمن شبكات التواصل الاجتماعي تغيّرت الحدود، مما كان ينبغي للإدارة الإسبانية أن تدركه، وأن تعرف أن المراقبة التقليدية للحدود أصبحت قاصرة، وأن سد البوابات والحرس المدني وكاميرات المراقبة ستصبح بلا فعالية، لأنها لا تستطيع إيقاف الحشود التي عبّأتها الإشاعة، والتي حولت الوهم إلى حلم سهل التحقيق.

إن ما وقع دليل على قصور الإدارة الإسبانية. العالم رأى فرار حراس، وكيف فُتحت البوابة، وكيف ارتكبت إسبانيا جريمة تجويع شباب مغرر بهم، وجعلت من الجوع والعطش سلاحًا للتعذيب.

الجوع بأرض الحلم كان قاسيًا، وأن العشب الأوروبي لم يعد أكثر اخضرارًا لمن قرروا العودة، لكنهم بعد درس قاسٍ، لكنه حقيقي، أدركوا أن الوطن نعمة.
ما وقع يكشف أن جهات تستثمر في الأزمات، وأن تجار الأزمات حوّلوا قرارًا معقدًا إلى إشاعة شديدة التأثير وقوية التخدير، بتوظيف منصات رقمية لاصطياد الشباب والقاصرين.

الأزمة كشفت أن الإشاعة أصبحت سلاحًا استراتيجيًا لمن يتاجر بالأزمات، في غياب رؤية واقعية وفعالة لمواجهة الإشاعة بخطاب إعلامي يقظ وفعال من طرف الإدارة الإسبانية، وهو ما كان غائبًا في تدبير أزمة سبتة.

الإشاعة كما تم نشرها تقول ببساطة: الحدود مفتوحة وإسبانيا محتاجة لليد العاملة.

للأسف، الصمت الإسباني ونشر صور وفيديوهات الذين دخلوا ساهم في إطالة زمن الوهم، وبالتالي الرفع من منسوب التدفقات البشرية.

الأمر لم يكن يقتضي هروب الحراس وفتح البوابة وتجويع الشباب المغرر بهم، وإنما كان من الواجب توضيح الحقيقة قبل وأثناء وقوع الأزمة، عبر خطاب إعلامي فضّل الصمت لأسباب مشبوهة. وكان واجب السلطات الإسبانية أن تتدخل فورًا لتوضيح الحقيقة.

كان عليها أن تقول بوضوح، وباللغات التي يفهمها الشباب المعنيون، إن الدخول غير النظامي إلى سبتة لا يعني الحصول على حق الإقامة، ولا يعني الاستفادة من التسوية القانونية، ولا يعني الانتقال التلقائي إلى إسبانيا القارية.

لكن الفراغ التواصلي ترك المجال مفتوحًا أمام الإشاعة والوهم، والنتيجة مأساة ضحيتها شباب وقاصرون، وضعوا ضحية وهم صنعته إسبانيا، بقصد أو بدون قصد.

تتمة الأخطاء الخمسة في المقال الموالي