القرار 277/26 للمحكمة الدستورية حول قانون المحاماة: تدبير مسطري أم مخرج لترحيل الأزمة؟
وجهة نظر

القرار 277/26 للمحكمة الدستورية حول قانون المحاماة: تدبير مسطري أم مخرج لترحيل الأزمة؟

-شكل القرار الأخير للمحكمة الدستورية، رقم 277 /26، والقاضي بـ«تعذر البت في الإحالة على حالها» بشأن مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، محطة جديدة ولافتة في مسار أحد أكثر النصوص التشريعية إثارة للجدل، وأكثرها أيضا استقطابا للمواقف والاحتجاجات داخل أوساط المهنة.

-ففي الوقت الذي يمكن فيه قراءة القرار باعتباره تطبيقا صارما للشروط والإجراءات التي تحكم ممارسة المحكمة الدستورية لاختصاصاتها، تطرح حيثياته قراءة أخرى تتجاوز البعد المسطري البحت، وتفتح النقاش حول ما إذا كان القرار قد أفضى، عن قصد أو بحكم الواقع، إلى توفير مخرج لتأجيل الحسم في أزمة أصبحت أكبر من مجرد خلاف حول مقتضيات تشريعية.

– من المؤكد أن العلة الأساسية التي استند إليها القرار تتمحور حول عدم إرفاق الجهة المحيلة بالنسخة النهائية والمطابقة لأصل النص الذي صادق عليه مجلس المستشارين، واكتفائها بإرفاق تقرير الأعمال التحضيرية للجنة البرلمانية. إذ اعتبرت المحكمة أن هذا النقص يحول دون بسط رقابتها الدستورية على النص المحال إليها، استنادا إلى مقتضيات الفصل 132 من الدستور والمادة 23 من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية.

-غير أن هذه الحيثية الشكلية تفتح، في المقابل، بابا واسعا للنقاش القانوني والمؤسساتي: -هل كان هذا النقص في الوثائق كافيا، في حد ذاته، لتعذر البت في الإحالة؟ أم كان من الممكن، في إطار من المرونة والتعاون المؤسساتي، استكمال الوثائق المطلوبة دون أن ينتهي الأمر إلى قرار بعدم إمكانية البت في الملف بصيغته المحالة؟

-ففي الممارسة المؤسساتية، لاتعتبر العلاقات بين مختلف المؤسسات الدستورية محكومة دائما بالجمود الشكلي، بل تتيح طبيعتها إمكانات للتنسيق واستكمال المعطيات والوثائق الضرورية.

-وهنا تحديدا يبرز السؤال: هل كان النقص في الوثيقة المطلوبة عائقا حقيقيا أمام ممارسة المحكمة لاختصاصها، أم أن التشدد في استيفاء الشكل الإجرائي كان هو الخيار الأكثر أمانا للمؤسسة الدستورية؟

-من المؤكد أن المحكمة الدستورية ليست مؤسسة سياسية، وأن قراراتها ينبغي أن تقرأ أولا في ضوء اختصاصاتها والقواعد الدستورية والقانونية المؤطرة لعملها.

-لكن ذلك لا يمنع من التساؤل عن الأثر العملي للقرار؟
فالدخول في الجوهر الدستوري لمشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة كان سيضع المحكمة، موضوعيا، أمام نص شديد الحساسية، في ظل سياق مهني متوتر، ومواقف رافضة لعدد من مقتضياته، وخلاف واسع بين الحكومة والهيئات المهنية حول الطريقة والمضمون والضمانات المرتبطة بإصلاح المهنة.

-ومن هذه الزاوية، يمكن فهم القرار باعتباره، على الأقل من حيث النتائج، قد جنب القضاء الدستوري الانخراط المباشر في صلب هذا النزاع، وأبقى الباب مفتوحا أمام الفاعل السياسي والمؤسساتي لإيجاد مخرج للأزمة.

– على مستوى آخر يطرح التساؤل التالي : هل خيار التجميد… مخرج من الأزمة أم تأجيل لها؟

– في هذا الإطار يمكن القول بأن صياغة الفصل 132 من الدستور، تسمح في ما يتعلق بالقوانين العادية، بإحالة النصوص إلى المحكمة الدستورية، من خلال استعمال عبارة «يمكن»، بما يجعل الإحالة إجراء اختياريا، بخلاف الحالات التي تكون فيها الرقابة الدستورية وجوبية.
وبالتالي، فإن قرار المحكمة لا يعني، في حد ذاته، انتهاء المسار التشريعي للنص، كما أنه لا يفرض بالضرورة إعادة إحالته إليها.

-وهنا يظهر سيناريو آخر أكثر واقعية ربما ،أي التجميد العملي للنص، وذلك في حالة عدم استكمال الإجراءات اللازمة لإعادة الإحالة، وبقاء النص في وضعية معلقة دون استكمال مسطرة الإصدار والنشر، ففي هذه الحالة ستكون الحكومة أمام إمكانية تجنب اتخاذ قرار سياسي صريح بشأن مشروع أثار الكثير من الجدل، سواء تعلق الأمر بالسحب أو بإعادة فتح النقاش حول مضامينه.
وبذلك يتحول القرار، من حيث الأثر العملي، إلى مساحة تسمح بتأجيل الحسم، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الأزمة قد انتهت.

-أمام هذا الوضع، يبدو أن الكرة باتت في ملعب الحكومة والهيئات المهنية على حد سواء.
فالهيئات الممثلة للمحامين قد لا ترى في مجرد تجميد النص ضمانة كافية، لأن بقاء المشروع دون سحب رسمي يترك إمكانية إحيائه قائمة في أي وقت، وهو ما قد يدفعها إلى المطالبة بحسم سياسي واضح، عنوانه السحب الرسمي للمشروع وإعادة فتح ورش إصلاح المهنة على أساس التشاور والتوافق.
ومن ثم، فإن السيناريو الأكثر ترجيحا قد يتمثل في ترحيل ورش إصلاح مهنة المحاماة إلى مرحلة سياسية وتشريعية جديدة، بما يسمح بإعادة بناء التوافق حوله، وإعادة النظر في عدد من مقتضياته، وربما صياغة مشروع جديد يستفيد من دروس هذه التجربة.

-في الختام، قد يكون السؤال الحقيقي الذي يطرحه القرار 277/26 ليس فقط: هل كان قرار المحكمة مسطريا؟ وإنما أيضا: ماذا سيفعل الفاعل السياسي والمؤسساتي بعد هذا القرار؟

-فإذا انتهى الأمر إلى سحب المشروع وإعادة فتح الحوار مع الهيئات المهنية، فإن هذا القرار قد يشكل فرصة لإعادة بناء الثقة وإطلاق إصلاح هادئ ومتوافق عليه لمهنة المحاماة.

-أما إذا تم الاكتفاء بالتجميد، فإن الأزمة ستنتقل فقط من ساحة المواجهة إلى غرفة الانتظار.
وفي كل الأحوال، فإن إصلاح مهنة المحاماة لا يمكن أن يختزل في معركة حول نص تشريعي، ولا أن يحسم بمنطق الغالب والمغلوب.
إنه ورش مؤسساتي ومهني حساس، يتقاطع فيه الحق في الولوج إلى العدالة، واستقلال المهنة، ونجاعة القضاء، وحقوق المتقاضين، ومسؤولية الدولة في تنظيم مرفق العدالة.