تحولات النظام الدولي وتآكل الهيمنة الغربية الأحاديّة
يشهد البناء الجيوسياسي العالمي مرحلة انتقال هيكلية حادة تتجاوز مفهوم التعديل التكتيكي للروابط بين الدول، لتطال جوهر النسق الاجتماعي والسياسي الدولي. وقد انطلقت المؤشرات الأولى لهذه المرحلة الانتقالية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك معسكره الشرقي بالتزامن مع سقوط جدار برلين عام 1991. وعلى الرغم من أن تلك اللحظة التاريخية أُطرت غربياً بوصفها نصرا نهائياً للنموذج الليبرالي، إلا أن التطورات اللاحقة أثبتت أن انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالهيمنة الأحاديّة أفقد الغرب ميزته التنافسية وتفوقه الاستراتيجي طويل المدى، وأدخله في مسار انحداري تمثّل في انكماش المنظومة الأخلاقية والحضارية التي شكلت غطاءً لنفوذه الدولي.
وقد انعكس هذا الانحدار الداخلي على تمسك التكتل الترانساتلانتيكي، حيث برزت تمزقات عميقة في العلاقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، بالتوازي مع انفجار صراعات إثنية وطائفية، وتصاعد موجات اليمين المتطرف واليسار الجديد داخل المجتمعات الغربية نفسها. إن هذه الديناميات التفكيكية تهدد بانهيار الاتحاد الأوروبي وإعادة أقاليمه إلى نزاعات بدائية تحاكي الحروب الدينية والأهلية التي سبقت معاهدة ويستفاليا عام 1648، وهي المعاهدة التاريخية التي صاغت مفهوم الدولة القومية وأرست الرابطة القانونية والسياسية بين الفرد والسلطة المركزية.
وعلى الرغم من أن الثورة الفرنسية طوّرت لاحقاً مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان، إلا أن هذه المبادئ جرى تدويلها وتوظيفها أيديولوجياً خلال حقبة التنظيمات الدولية عبر عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة. ولم تكن هذه المنظومات المعيارية سوى أدوات ناعمة لإحكام السيطرة على دول الجنوب العالمي والعالم الثالث، للانتظام في أطر التبعية؛ حيث تم الانتقال الشكلي من مبررات “التفوق العنصري الأبيض” التي سادت الإمبريالية التقليدية، إلى مقولات “الديمقراطية المعيارية والعددية” وحقوق الإنسان المشروطة.
الصراعات الإقليمية وإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
شكل العالم العربي والإسلامي النطاق الأكثر تأثراً بالاستراتيجيات الغربية الاستعمارية، سواء عبر أدوات الانتداب البريطاني والحماية الفرنسية على المشرق والمغرب العربيين ومناطق واسعة من الجزيرة العربية، أو من خلال استغلال القوى الإقليمية لإسقاط الخلافة العثمانية عام 1924. وفي هذا السياق، جاء زرع المشروع الإحلالي في فلسطين والشام كقاعدة إنذار مبكر ووظيفة جيواستراتيجية دائمة، تُراقب تحركات الإقليم في العراق ومصر واليمن والجزيرة العربية، وتتدخل لمنع بزوغ إرهاصات أي مشروع فكري أو سياسي أو ديني يهدف إلى تحرير المنطقة من أسياد التبعية والتخلف.
ومع حلول الألفية الثالثة، تسارعت المتغيرات عبر سلسلة من الصدمات الهيكلية المتتالية التي تمثلت في أحداث سبتمبر 2001، وموجة الربيع العربي عام 2011، والحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، وطوفان الأقصى عام 2023، والحرب الأهلية في السودان عام 2023، وصولاً إلى الانهيار الجذري للنظام السوري عام 2024، وسيناريوهات التصعيد العسكري الشامل ضد إيران والغزو الخارجي لفنزويلا عام 2026.
إن هذه الصدمات المتتابعة ألقت بظلالها على أمن دول الخليج العربي، وأطلقت موجات جديدة من الاحتجاجات الشعبية في دول مثل تونس ومصر ولبنان والأردن، مع امتداد أثرها المباشر إلى الفضاء المغاربي.
في ظل هذه الفوضى، تشهد القارة الأوروبية صراعاً باطنياً حول قيادة مرحلة ما بعد تفكك الاتحاد، حيث تتصادم مصالح فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، بينما تكتفي روسيا والصين بمراقبة هذا التآكل الاستراتيجي. وفي المقابل، تعمل الولايات المتحدة على تغذية هذا الانقسام الأوروبي، بالتوازي مع دعم فاعلين إقليميين صاعدين قادرين على شغل الفراغ الجيوسياسي، وفي مقدمتهم المغرب في المنطقة الأورومتوسطية والمغاربية وساحل جنوب الصحراء. وفي الوقت ذاته، يتبلور في المشرق العربي محور آخر تحت المراقبة الأمريكية يتجسد في “اتفاقية مكة” بين تركيا والسعودية وباكستان، ليشكل مع المحور المغاربي الأطلسي جناحين للأمة العربية والإسلامية بثرواتها ومواقعها الجغرافية وقوتها العسكرية والاقتصادية.
الهندسة الجيو-اقتصادية للمغرب: المبادرة الأطلسية والسيادة الممتدة
تمثل “المبادرة الملكية الأطلسية”، التي أُطلقت في نوفمبر 2023، تحولاً مفهومياً في الاستراتيجية الخارجية المغربية، حيث انتقلت بلادنا من منطق رد الفعل الإقليمي إلى موقع المبادرة بالهندسة الجيواستراتيجية. وتستهدف المبادرة معالجة معضلة العزلة الجغرافية لدول الساحل الإفريقي الحبيسة (مالي، النيجر، بوركينا فاسو، وتشاد)، والتي تؤدي فيها التكاليف اللوجستية المرتفعة (التي تتراوح بين 30% و40% من قيمة الواردات) إلى خنق فرص التنمية وتغذية عدم الاستقرار.
وتعتمد المبادرة الأطلسية على فتح البنية التحتية المغربية من موانئ وطرق وسكك حديدية أمام اقتصاديات دول الساحل، مما يحول الفضاء الأطلسي الإفريقي إلى ممر المدمج للتجارة والطاقة بين القارة والأسواق العالمية. وتتشابك هذه الاستراتيجية مع مشاريع كبرى ذات أبعاد ترانساتلانتيكية وقارية:
- ميناء الداخلة الأطلسي: مركز لوجستي عميق المياه يشكل الشريان البحري الرئيس للربط بين إفريقيا والأمريكيتين وأوروبا.
- الطريق السريع تزنيت-الداخلة (طريق ترامب): البنية التحتية البرية التكتيكية التي تؤمن الانسيابية التجارية نحو الحدود الإفريقية.
- أنبوب الغاز بين نيجيريا والمغرب: مشروع استراتيجي بقيمة تتجاوز 25 مليار دولار يمر عبر 13 دولة في غرب أفريقيا وصولاً إلى أوروبا، مما يؤمن إمدادات الطاقة لأكثر من 400 مليون نسمة ويدمج سلاسل الإنتاج القارية.
وتتكامل هذه المشاريع البنيوية لتعيد تعريف الجغرافيا السياسية للحوض الغربي للمتوسط والأطلسي الجنوبي، حيث تحول المغرب من دولة شاطئية إلى شريان رئيسي يربط العمق الإفريقي بالمجال الأورومتوسطي والأمريكي.
توطين الصناعات الدفاعية والسيادة الأمنية: الإطار التشريعي والردع الاستراتيجي
توازياً مع التمدد الجيو-اقتصادي، نهج المغرب خياراً استراتيجياً يتجسد في توطين الصناعة العسكرية والأمنية لبناء قدرات ردع ذاتية وتقليل التبعية للخارج في التزود بالتجهيزات الحساسة. وقد أُسست هذه الاستراتيجية عبر إطار تشريعي صارم دشّنه القانون رقم 10.20 المتعلق بعتاد وتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخيرة الصادر عام 2020، والمتبوع بالمرسوم التطبيقي رقم 2.21.405 عام 2021.
واستكمالاً لهذا المسار التنظيمي، صادق المجلس الوزاري برئاسة الملك محمد السادس في يونيو 2024 على المرسوم رقم 2.23.925 لإحداث منطقتين للتسريع الصناعي للدفاع، تُقامان على عقارات تابعة لوكالة المساكن والتجهيزات العسكرية. وتهدف هذه المناطق إلى توفير البيئة التحتية والإجرائية لاحتضان شركات الصناعة العسكرية الوطنية والدولية، مثل الشراكة المبرمة مع مجموعة “تاتا أدفانس سيستمز” الهندية لإقامة مصنع بالدار البيضاء لتصنيع المدرعات القتالية (Tata WHaP 8×8)، إضافة إلى الشراكات الموجهة لتصنيع الطائرات المسيرة (مثل طائرة “أطلس” المحلية) ومعدات الحرب الإلكترونية.
وارتباطاً بهذه الرؤية، سجلت الميزانية المخصصة للدفاع الوطني في موازنة عام 2025 ارتفاعاً لتبلغ نحو 133.45 مليار درهم مغربي (حوالي 13 مليار دولار أمريكي)، بزيادة قدرها 6.9% مقارنة بالعام السابق، وذلك لتغطية نفقات الشراء الصيانة ودعم الاستثمار المباشر في التصنيع العسكري المحلي. ويحدد القانون رقم 10.20 النظام القانوني لصناعة واستيراد وتصدير ونقل المعدات العسكرية والأمنية عبر ثلاث فئات تخضع لترخيص ومراقبة “اللجنة الوطنية لعتاد وتجهيزات الدفاع والأمن والأسلحة والذخيرة”.
إن التحول نحو توطين الصناعة الدفاعية لا يضمن الاستقلالية الاستراتيجية لبلادنا فحسب، بل يكرس موقعها كقوة إقليمية صاعدة قادرة على تأمين حدودها ومجالها الأطلسي-المغاربي، وتغذية نسيجها الاقتصادي بشركات تكنولوجية عالية القيمة.
السيادة التنموية الشاملة: الهيدروجين الأخضر والدولة الاجتماعية
تكتمل أركان الاستراتيجية المغربية بإرساء دعائم السيادة التنموية عبر الاستثمار في قطاعات المستقبل، وتحديداً الطاقات النظيفة والبرامج الاجتماعية الهيكلية. وفي هذا الإطار، أطلقت الحكومة مبادرة “عرض المغرب للهيدروجين الأخضر” في مارس 2024، مع تخصيص مساحة إجمالية تناهز مليون هكتار من العقارات العمومية، وفرت منها 300 ألف هكتار في المرحلة الأولى لفائدة المستثمرين الوطنيين والدوليين.
ويشمل “عرض المغرب” سلسلة القيمة المدمجة للهيدروجين الأخضر، بدءاً من توليد الكهرباء من المصادر الشمسية والريحية، والتحليل الكهربائي، وصولاً إلى التحويل نحو الأمونيا والميثانول والوقود الاصطناعي. وتستند هذه المبادرة إلى قاعدة طاقية متينة توفر حالياً نحو 40% من إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، مع استهداف الوصول إلى 52% بحلول عام 2030.
وفي المقابل، تحرص الدولة على تنزيل مفهوم “الدولة الاجتماعية” كشرط أساسي لضمان التماسك الداخلي وتحصين الجبهة الوطنية. ويشمل هذا الورش إصلاح المنظومة الصحية، وتعميم الحماية الاجتماعية والتأمين الإجباري عن المرض، وتجويد التعليم العمومي، وتوفير السكن اللائق، ودعم القدرة الشرائية للمواطنين.
إن هذه المبادرات الهيكلية، إلى جانب صناعة السيارات والبطاريات الكهربائية، والأسمدة، والتعدين النفيس، وتطوير الأمن المائي عبر تحلية المياه، والأمن السيبراني، تشكل الركائز المادية للنموذج التنموي الجديد. لكن التحدي الأكبر يكمن في مدى قدرة الأطر السياسية والحزبية الحالية على استيعاب هذه التحولات وتأطيرها.
أزمة الوساطة الحزبية وضرورة الحوار الوطني: النخبة الإصلاحية والمؤسسة الملكية
تتضارب الدينامية المتسارعة للمشاريع الكبرى للدولة مع واقع الحياة السياسية الوطنية التي تعاني منذ سبعة عقود من الاختلال والمراوحة والانسداد. لقد أدت الممارسات الحزبية التقليدية، التي اتسمت بالاتكالية وغياب الإبداع السياسي والتأصيل الفكري الصارم، إلى شلل المؤسسات وإطفاء حيوية الفعل السياسي، ممّا دفع الفئات الشعبية والشباب (وفي مقدمتهم جيل “زد”) إلى تجاوز الأطر الحزبية والتعبير عن تطلعاتهم خارج القنوات المؤسسية الرسمية، كما ظهر سابقاً في حركة 20 فبراير والاحتجاجات الجيلية الحديثة.
إن الأزمة الراهنة لم تعد محتملة، حيث أصبحت حجر عثرة أمام تنزيل المشاريع الاستراتيجية العابرة للقارة. ولتفادي انفجار الشارع وضمان احترام الإرادة الشعبية، تبرز الحاجة الماسة إلى فتح “حوار وطني جاد وشامل” يقود إلى مراجعة شجاعة للمسارات والتنظيمات السياسية. ويتطلب هذا الحوار انخراطاً مباشراً من المؤسسة الملكية عبر رجالاتها ومؤسساتها، للتحرر من عطل الأحزاب المتهالكة، بالتعاون مع نخبة وطنية إصلاحية جديدة متحررة من القوالب القديمة والبيروقراطيات الاحتكارية. ويجب أن يرتكز هذا النقاش الوطني على الأولويات التالية:
- استكمال السيادة الوطنية والترابية: تثبيت الوحدة الترابية في الأقاليم الجنوبية والشرقية والشمالية، وتنزيل مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، أو تفعيل الجهوية الموسعة كبديل تنظيمي يضمن التدبير الذاتي للثروة والسلطة التنموية.
- تحرير النخب السياسية الفاعلة: خروج الكفاءات والإصلاحيين من مظلة الأحزاب العجوزة التي باتت طاردة للابتكار، وتأسيس فضاءات جديدة تسمح بالتأصيل النظري والعملي المستقل.
- ترسيخ الخصوصية الحضارية: الاستناد إلى التاريخ العريق للدولة المغربية التي حافظت على استقلالها واستمراريتها منذ الفتح الإسلامي، باستثناء فترة الحماية الفرنسية والإسبانية (1912-1956) التي شكلت تجربة استعمارية قصيرة أسهمت في إيقاظ الوعي الوطني وإنهاء الإمبراطوريات الاستعمارية.
- ربط الاستراتيجيات الكبرى بالتنمية المحلية: ضمان انعكاس المشاريع العملاقة (كالصناعات الدفاعية، الهيدروجين الأخضر، وميناء الداخلة) على الحياة اليومية للمواطن عبر تحسين خدمات الصحة، التعليم، الشغل، والسكن اللائق.
وتثبت المعطيات الجيوسياسية أن العالم يمر بـلحظة إعادة تشكيل كبرى للنظام الدولي، تفقد فيها القوى التقليدية هيمنتها لصالح فاعلين إقليميين صاعدين يمتلكون الرؤية والمبادرة. وقد استطاع المغرب، بفضل موقعه الاستراتيجي واستقراره التاريخي، أن يطرح نفسه كفاعل رئيس في الهندسة الجيوسياسية للأطلسي وشمال إفريقيا والساحل جنوب الصحراء، غير أن نجاح هذا التموقع الخارجي يظل مشروطاً بإجراء إصلاحات هيكلية داخلية تتجاوز الشلل الحزبي والوساطة التقليدية المتهالكة. ولتحقيق هذه الملاءمة بين الطموح الخارجي والتماسك الداخلي، يتوجب العمل وفق التوصيات التالية:
- مأسسة المبادرة الأطلسية قارياً: تحويل المبادرة من إطار تعاوني إلى منظومة ممر لوجستي واقتصادي دائم يرتبط بموانئ الأقاليم الجنوبية وخط غاز نيجيريا-المغرب، مع إدماج دول الساحل في آليات التدبير المشترك.
- تفعيل مناطق التسريع الصناعي الدفاعي: التسريع بتطبيق المرسوم رقم 2.23.925 وجذب الاستثمارات الحيوية لتوطين تصنيع الذخائر، الطائرات المسيرة، وأنظمة المراقبة الرقمية لتأمين التفوق الاستراتيجي وتخفيض فاتورة الاستيراد العسكري.
- تأمين السيادة الطاقية والمائية: تنفيذ التزامات “عرض المغرب للهيدروجين الأخضر” وتوسيع مشاريع تحلية مياه البحر بالطاقة المتجددة للحد من مخاطر الإجهاد المائي وتأمين سلاسل الإمداد الغذائي والصناعي.
- إطلاق حوار وطني لتجديد النخب: إحداث منصة حوار وطني تجمع بين المؤسسة الملكية والنخب الإصلاحية الجديدة والمستقلين، لصياغة قواعد جديدة للعمل السياسي تتجاوز الهياكل الحزبية المتهالكة وتستوعب الطاقات الشبابية وجيل “زد” في إدارة شؤون الدولة والمجتمع.
إن بناء “مغرب جديد” تقوده ملكية تنفيذية وعادلة، في ظل دولة قوية متماسكة وهوية حضارية متفردة، يستدعي إجراء عمليات إصلاحية دقيقة وجذرية، شجاعة وقوية، تضع حداً للعبث والانسداد، وتفتح الآفاق أمام الكفاءات الوطنية “التكنوسياسية” النزيهة لقيادة المستقبل دون أن تلتفت إلى الوراء أو تسمح للعابثين والفاسدين بإجهاض هذا المشروع النهضوي الرائد والاستراتيجي.