تستعد السلطات في مدينة سبتة لبدء دفن عشرات الجثث التي جرى انتشالها عقب موجة العبور الجماعي التي شهدتها المنطقة نهاية يوليوز الماضي، في وقت لا تزال فيه الغالبية الساحقة من الضحايا مجهولة الهوية، وسط جهود للتعرف عليهم بالتنسيق مع السلطات المغربية.
وأفادت إذاعة “كادينا سير” الإسبانية، اليوم الجمعة 14 غشت 2026، بأن سبتة تستعد لدفن 82 جثة انتُشلت عقب أحداث 30 يوليوز، وذلك بمجرد إصدار القضاء التراخيص الضرورية للشروع في عمليات الدفن. وبحسب المصدر ذاته، لم تتمكن السلطات المختصة حتى الآن من تحديد هوية سوى ستة ضحايا من بين مجموع الجثث، فيما كانت هناك مؤشرات على إمكانية التعرف على ضحية سابعة.
وجرى التعرف على ثلاثة من الضحايا عن طريق مطابقة بصماتهم، بينما حُددت هوية ثلاثة آخرين باستخدام تحاليل الحمض النووي، ما يكشف حجم الصعوبات التي تواجهها أجهزة الطب الشرعي والأمن في تحديد هويات عشرات الأشخاص الذين لقوا مصرعهم خلال الأزمة.
أكثر من 60 جثة في مقبرة إسلامية
ووفقا للمعطيات المنشورة، يرتقب أن يُدفن أكثر من 60 ضحية في مقبرة “سيدي مبارك” الإسلامية بسبتة، بينما ستدفن أقل من عشرين جثة، يعتقد أنها تعود إلى مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، في المقبرة المسيحية بالمدينة. ولا يعني دفن الجثث، إغلاق ملفات تحديد الهوية، إذ ستظل بيانات الضحايا محفوظة لإجراء عمليات المطابقة مستقبلا مع أقارب الأشخاص المبلغ عن اختفائهم.
ومن المقرر أن تتم عمليات الدفن وفق إجراءات تسمح بالحفاظ على إمكانية التعرف على الضحايا مستقبلا، إذ سيخصص رقم تعريف لكل جثة وسيجري تسجيل موقع دفنها بصورة رسمية ودقيقة، حيث تهدف هذه الآلية إلى السماح باستخراج الجثة مستقبلا في حال تمكنت عائلة أحد المفقودين من إثبات هويته بواسطة الحمض النووي أو وسائل التعرف الأخرى، ورغبت في نقل رفاته إلى بلده أو دفنه في مكان آخر.
وكشفت المعطيات ذاتها أن ثلاث أسر من مدينة الفنيدق طلبت نقل جثامين أقاربها الذين جرى التعرف عليهم من سبتة إلى المغرب من أجل دفنهم، غير أن إجراءات نقل الجثامين لم تستكمل حتى الآن، في انتظار استيفاء الترتيبات والتراخيص اللازمة من الجانب المغربي، بحسب المصدر الإسباني.
ويكتسي الملف حساسية إنسانية خاصة بالنظر إلى وجود أسر مغربية لا تزال تبحث عن أقارب فقد الاتصال بهم عقب موجة العبور، ما يجعل عمليات تحديد هوية الجثث إحدى القضايا الرئيسية العالقة بعد الأحداث. وفي هذا الإطار، جرى تزويد السلطات المغربية بالبيانات المتوفرة بشأن الجثث، بهدف المساعدة على مطابقتها مع قواعد البيانات والمعلومات الخاصة بالأشخاص المفقودين، بما قد يسمح بتحديد هويات ضحايا إضافيين.
وتشكل مطابقة الحمض النووي مع أقارب المفقودين إحدى أهم الوسائل المتاحة للتعرف على الجثث التي يتعذر تحديد أصحابها عن طريق الوثائق أو البصمات. وتقتضي الأرقام الجديدة التمييز بين الجثث الموجودة في سبتة والجانب الإسباني وبين حصيلة الوفيات التي أعلنت عنها المؤسسات المغربية والمتعلقة بالأحداث في الجانب المغربي من الحدود.
وكان المجلس الوطني لحقوق الإنسان قد كشف، في حصيلة أولية مرتبطة بالأحداث، تسجيل 14 وفاة في الجانب المغربي، إلى جانب عشرات المصابين في صفوف المدنيين والقوات العمومية. وبالتالي، فإن رقم 82 جثة المتداول حاليا يتعلق بالجثامين التي تتعامل معها السلطات في سبتة، ولا ينبغي دمجه تلقائيا مع الحصيلة المغربية دون صدور حصيلة رسمية موحدة تحدد ظروف ومكان وفاة كل ضحية وتتجنب احتمال احتساب الحالات نفسها مرتين.
ملف المفقودين لم يغلق
وتعيد الاستعدادات لدفن عشرات الجثث ملف المفقودين إلى واجهة أزمة سبتة، خصوصا أن تحديد هوية ستة أشخاص فقط يعني أن أكثر من 70 جثة لا تزال دون هوية مؤكدة. ويزيد ذلك من أهمية عمليات جمع عينات الحمض النووي من أسر الأشخاص الذين فقدوا خلال أحداث نهاية يوليوز، ومقارنتها بالبيانات البيولوجية المأخوذة من الجثث.
ومن شأن التعرف على مزيد من الضحايا أن يساعد أيضا في تحديد الحصيلة النهائية للمأساة، والتي ظلت أرقامها متفاوتة خلال الأيام الماضية بسبب اختلاف الجهات التي أعلنتها ومواقع العثور على الجثث واستمرار إجراءات الطب الشرعي. وتأتي هذه التطورات في وقت ترفع فيه السلطات المغربية والإسبانية مستوى التأهب على جانبي الحدود تحسبا لدعوات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنفيذ محاولة عبور جماعية جديدة يوم 15 غشت.
ويضيف ملف الجثث والمفقودين بعدا إنسانيا جديدا إلى الأزمة التي انصب جزء كبير من التعامل معها خلال الأيام الماضية على القاصرين وإجراءات الإعادة وتعزيز الأمن ومراقبة الحدود، بينما تبقى مهمة تحديد هويات عشرات الضحايا وتسليم الجثامين إلى أسرهم واحدة من أكثر الملفات إلحاحا.