واجهة مبنى المجلس الدستوري الفرنسي مع أعلام فرنسا والاتحاد الأوروبي ونص ذهبي
خارج الحدود

المجلس الدستوري الفرنسي يُسقط حظر شبكات التواصل على من هم دون 15 عاما

وجّه المجلس الدستوري الفرنسي ضربة قوية إلى مشروع حكومي كان يستهدف منع الأطفال دون سن 15 عاما من استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، بعدما قضى بعدم دستورية المقتضيات الأساسية التي يقوم عليها الحظر، معتبرا أنها تمس بحرية التعبير ولا توفر ضمانات قانونية كافية بشأن آليات التحقق من أعمار المستخدمين.

وكان التشريع الذي أقره البرلمان الفرنسي يهدف إلى فرض قيود واسعة على وصول القاصرين إلى منصات مثل “فيسبوك” و”إنستغرام” و”تيك توك” و”يوتيوب” وغيرها، في سياق مساع أوروبية متزايدة للحد من المخاطر التي قد يتعرض لها الأطفال عبر الشبكات الاجتماعية.

غير أن المجلس الدستوري اعتبر، في قراره الصادر، اليوم الجمعة 14 غشت 2026، أن الصيغة القانونية المعتمدة تفرض عمليا نظاما واسعا للتحقق من العمر من شأنه أن يشمل جميع مستخدمي المنصات، بما في ذلك البالغون، دون أن يحدد القانون بصورة دقيقة الشروط التقنية والقانونية التي ستخضع لها هذه العملية.

ورأى المجلس أن المشرّع لم يوفر ضمانات كافية للحفاظ على التوازن بين هدف حماية القاصرين، من جهة، واحترام حرية التعبير والاتصال وحماية خصوصية المستخدمين، من جهة أخرى.

وكان المشروع يحظى بدعم مباشر من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي جعل حماية الأطفال من مخاطر شبكات التواصل إحدى أولويات سياسته الرقمية، وسط تصاعد النقاش في فرنسا حول أثر المنصات على الصحة النفسية للقاصرين، وانتشار المحتويات العنيفة والإباحية والتنمر الإلكتروني والإدمان الرقمي.

وكانت باريس تراهن على أن تصبح فرنسا من أوائل الدول الأوروبية التي تعتمد حظرا وطنيا واسعا لاستخدام شبكات التواصل من طرف الأطفال دون 15 عاما، غير أن قرار المجلس الدستوري أوقف، في صيغته الحالية، دخول هذا الإجراء حيز التنفيذ.

وعقب صدور القرار، أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي طلب من الحكومة إعادة صياغة التشريع بما يستجيب لملاحظات المجلس الدستوري، مع الحفاظ على الهدف الأساسي المتعلق بتشديد حماية الأطفال على الإنترنت.

وتسعى الرئاسة الفرنسية إلى تمرير صيغة جديدة من القانون قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة في ربيع 2027، بما يعني أن الملف سيظل ضمن أولويات الأجندة السياسية والتشريعية الفرنسية خلال الأشهر المقبلة.

ويتمحور جزء كبير من الجدل القانوني حول كيفية التحقق من أعمار مستخدمي المنصات دون إنشاء نظام مراقبة واسع يفرض على ملايين الأشخاص تقديم وثائق أو بيانات شخصية حساسة لإثبات سنهم.

وتواجه الحكومات الأوروبية تحديا متزايدا في هذا المجال، إذ إن حظر حسابات القاصرين يتطلب من شركات التكنولوجيا التمييز بشكل موثوق بين المستخدم البالغ والطفل، وهو ما قد يستلزم تقنيات للتحقق من الهوية أو العمر تثير بدورها مخاوف تتعلق بحماية البيانات والخصوصية.

كما يثير الحكم الفرنسي نقاشا أوسع على المستوى الأوروبي، في وقت تعمل فيه مؤسسات الاتحاد الأوروبي على تطوير قواعد أكثر صرامة لحماية الأطفال من المحتويات الضارة والتصميمات التي تشجع على الإدمان واستخدام البيانات الشخصية للقاصرين.

وتأتي التطورات الفرنسية بالتزامن مع تجارب تنظيمية مماثلة في دول أخرى، حيث تتجه حكومات إلى فرض قيود عمرية جديدة على منصات التواصل، مقابل اعتراضات من منظمات حقوقية وخبراء يحذرون من أن أنظمة التحقق الإلزامي قد تؤدي إلى جمع كميات كبيرة من البيانات الشخصية لجميع المستخدمين وليس الأطفال فقط.

ويشكل قرار المجلس الدستوري الفرنسي بذلك اختبارا مهما لمسار التنظيم الرقمي في أوروبا، إذ يؤكد أن حماية القاصرين، رغم مشروعيتها، يجب أن تتم ضمن إطار يحترم الحقوق الدستورية والحريات الأساسية ولا يؤدي إلى فرض وسائل مراقبة واسعة وغير متناسبة.

ومن المنتظر أن تعيد الحكومة الفرنسية صياغة المشروع خلال المرحلة المقبلة، مع البحث عن آلية تسمح بتقييد وصول القاصرين إلى المنصات دون الاصطدام مجددا بالضمانات الدستورية المتعلقة بحرية التعبير والخصوصية وحماية البيانات.