فقد المشهد الثقافي المغربي، اليوم الجمعة، الشاعر والكاتب والناقد والأستاذ الجامعي الدكتور محمد السرغيني، عن عمر ناهز 96 سنة، بعد معاناة مع المرض، منهيا مسارا أدبيا وأكاديميا امتد لعقود، وجعل منه واحدا من الأسماء البارزة في مسار تشكل الشعر المغربي الحديث وتطور النقد الأدبي بالمغرب.
وبرحيله، يطوي المغرب صفحة أحد شعرائه الرواد الذين ارتبط اسمهم بالتحولات التي عرفتها القصيدة المغربية منذ النصف الثاني من القرن العشرين، بعدما اختار السرغيني مبكرا الانفتاح على أشكال شعرية جديدة، والانخراط في أسئلة الحداثة الأدبية، دون أن يقطع صلته بالتراث العربي والتصوف والفكر والفلسفة.
ولد محمد السرغيني بمدينة فاس سنة 1930، وتلقى تكوينه الأول في رحاب القرويين، قبل أن ينتقل إلى العراق لمتابعة دراسته الجامعية بكلية الآداب في بغداد. وهناك احتك بعدد من الأسماء والتيارات التي كانت تصنع تحولات الشعر العربي في تلك المرحلة، قبل أن يواصل مساره الأكاديمي بالمغرب ثم في فرنسا، حيث درس بجامعة السوربون وحصل على شهادة الدكتوراه سنة 1970، ثم دكتوراه الدولة سنة 1985.
ولم يكن المسار الأكاديمي بالنسبة إلى السرغيني منفصلا عن مشروعه الأدبي، إذ اشتغل أستاذا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، وتحول مع مرور السنوات إلى واحد من الأساتذة الذين تركوا أثرا في أجيال من الطلبة والباحثين، خصوصا في مجال الدراسات الأدبية والنقدية.
وقد ارتبط اسمه داخل الجامعة بالاشتغال على الخطاب الشعري، وبالانفتاح على مناهج نقدية حديثة، من بينها السيميولوجيا ومقاربات أخرى للغة والنص.
وفي الشعر، اختار السرغيني لنفسه مسارا خاصا لم يكن قائما على الاستقرار في شكل واحد من أشكال الكتابة. فقد عرف بتجريبه المستمر، وبناء قصيدة تستفيد من التراث والأسطورة والتصوف والفلسفة، مع انفتاح واضح على تيارات الحداثة الشعرية. وهو ما جعل تجربته موضع اهتمام نقدي واسع، خصوصا أن نصوصه لم تكن تسعى دائما إلى تقديم معنى مباشر، بل كانت تراهن على كثافة اللغة وتعدد مستويات التأويل.
ومن أبرز دواوينه “ويكون إحراق أسمائه الآتية” الصادر سنة 1987، و”بحار جبل قاف” سنة 1991، و”الكائن السبئي” سنة 1992، و”من فعل هذا بجماجمكم” سنة 1994. كما امتدت تجربته إلى أجناس أدبية أخرى، من بينها “وجدتك في هذا الأرخبيل”، فضلا عن أعمال في النقد والدراسة والترجمة.
ولم يكن السرغيني شاعرا منعزلا عن التحولات الفكرية التي عرفها عصره، فقد استفاد في تكوينه من احتكاكه بالتجارب الشعرية العربية الحديثة في العراق، ومن دراسته في فرنسا، كما ظل في كتابته وفيا لفكرة التجريب والبحث عن خصوصية القصيدة المغربية. وتصف قراءات نقدية تجربته بأنها كتابة ثقافية تستفيد من التراث الأدبي والفلسفة والتصوف والفنون، وتعيد تركيب هذه العناصر داخل لغة شعرية شديدة الكثافة.
وإلى جانب الشعر، كان النقد جزءا أساسيا من مشروعه الثقافي. ومن مؤلفاته في هذا المجال “محاضرات في السيميولوجيا”، كما أنجز دراسات حول الشعر العربي الحديث، واشتغل على تجارب شعرية عربية وأجنبية، وهو ما عكس رغبته في توسيع أدوات قراءة النص بعيدا عن المناهج التقليدية. كما اشتغل على الترجمة، ومن أعماله نقل رواية “أغنية القطار الشبح” عن الإسبانية ضمن سلسلة “المسرح العالمي” في الكويت.
وشكل التصوف أحد المكونات الفكرية والجمالية البارزة في تجربة السرغيني، لكنه لم يتعامل معه باعتباره مادة تراثية جامدة، بل حاول إعادة قراءته من داخل أسئلة الإنسان الحديث. وفي حواراته، تحدث عن علاقته المبكرة بالتصوف باعتباره جزءا من التربية التي تلقاها، قبل أن يتحول لاحقا إلى عنصر من عناصر رؤيته الشعرية والفكرية.
واستمر حضور السرغيني في المشهد الثقافي المغربي حتى السنوات الأخيرة، وظلت تجربته موضع قراءة ودراسة من طرف الباحثين والنقاد. كما أصدرت وزارة الثقافة أجزاء من أعماله الشعرية الكاملة، في خطوة عكست مكانة تجربته ضمن الذاكرة الأدبية المغربية، ووفرت للباحثين والقراء مادة واسعة لتتبع مسار شعري امتد لعقود.
وفي سنة 2013، توج السرغيني بجائزة المغرب للكتاب في صنف الشعر، عن ديوانه “تحت الأنقاض فوق الأنقاض”، في اعتراف رسمي بقيمة تجربته الشعرية وموقعها داخل الأدب المغربي الحديث. وكان الديوان قد نافس ضمن دورة عرفت مشاركة عدد من الأسماء البارزة في مختلف أصناف الجائزة.
كما ارتبط اسم السرغيني بجائزة “الأركانة العالمية للشعر”، التي كرست حضوره ضمن المشهد الشعري المغربي والعربي، بعدما ظل على مدى عقود وفيا لمشروع يقوم على التجريب، وعلى البحث عن لغة شعرية لا تستسلم للتصنيفات الجاهزة. وتظهر في مساره رغبة واضحة في تجاوز الحدود التقليدية بين الشعر والنثر والسرد، وهي سمة حضرت بقوة في بعض أعماله.
وبالنسبة إلى أجيال من طلبة كلية الآداب بفاس، لم يكن محمد السرغيني مجرد شاعر يقرأ في قاعات الدرس، بل كان أستاذا وناقدا ساهم في تكوين أجيال من الباحثين، وقدم للنص الشعري المغربي أدوات قراءة تنتمي إلى زمن كان فيه النقد العربي يعيد النظر في كثير من مفاهيمه ومناهجه. وقد استحضر عدد من طلبته لاحقا أثر دروسه وانفتاحه على اللسانيات والسيميائيات والمقاربات النفسية في دراسة الشعر.
ويغادر السرغيني المشهد الثقافي المغربي بعد مسار امتد لأكثر من ستة عقود، تاركا وراءه تجربة يصعب اختزالها في صفة واحدة؛ فهو الشاعر الذي واكب تحولات القصيدة المغربية، والناقد الذي اشتغل على أسئلتها الجمالية والفكرية، والأستاذ الجامعي الذي ساهم في تكوين أجيال من الباحثين والطلبة، والمثقف الذي ظل حاضرا في النقاشات المتعلقة بالأدب واللغة والتراث والحداثة.
وبرحيله، تفقد الثقافة المغربية واحدا من الأصوات التي رافقت مرحلة تأسيس الشعر المغربي الحديث، فيما تبقى أعماله جزءا من الذاكرة الأدبية لجيل أسهم في إعادة تعريف القصيدة المغربية وموقعها داخل المشهد العربي، وفتح أمام الأجيال اللاحقة مساحات أوسع للتجريب والبحث عن لغة شعرية أكثر التصاقا بأسئلة الإنسان والمكان والوجود.