آخر أخبار الرياضة

ركلات الجزاء.. هل تحولت الإخفاقات المتكررة إلى ضغط نفسي على المنتخبات الوطنية؟

أعادت ركلة الجزاء التي أهدرتها فاطمة الزهراء تاكناوت في الدقائق الأخيرة من نصف نهائي كأس أمم إفريقيا للسيدات أمام الكاميرون، إلى الواجهة النقاش حول ركلات الجزاء والإخفاقات المغربية في لحظات الحسم.

وسبق أن عاش المنتخب المغربي الأول مواقف مشابهة، من ركلة حكيم زياش أمام بنين في كأس أمم إفريقيا 2019، إلى ركلة أشرف حكيمي أمام جنوب إفريقيا في نسخة 2023 التي أقيمت بالكاميرون، ثم ركلة إبراهيم دياز أمام السنغال في نهائي كأس أمم إفريقيا 2025.

وجعل تكرار هذه المشاهد البعض يتحدث عن وجود حاجز نفسي أو «عقدة» لدى اللاعبين واللاعبات المغاربة أمام ركلات الجزاء، رغم أن النتائج الأخيرة تقدم صورة أكثر تعقيداً، إذ نجحت المنتخبات المغربية في حسم عدد من المواجهات بركلات الترجيح خلال السنوات الماضية، ما يطرح سؤالاً مختلفاً حول حقيقة هذا الأمر.

وفي هذا السياق، يرى بدر عزي، الأخصائي المغربي في علم النفس الرياضي بنادي القادسية السعودي، أن المعطيات المتوفرة لا تسمح بالقول إن المغرب يعاني من مشكلة نفسية جماعية أو بنيوية مع ركلات الترجيح.

وقال عزي في تصريح لجريدة “العمق” إن المنتخب المغربي الأول تمكن من إقصاء إسبانيا بركلات الترجيح في كأس العالم قطر 2022، ثم تفوق على نيجيريا بالطريقة نفسها في كأس أمم إفريقيا، كما نجح في تجاوز هولندا بركلات الترجيح في كأس العالم 2026. وعلى مستوى المنتخب النسوي، سبق للمغرب أن فاز بركلتي ترجيح أمام نيجيريا سنة 2022 وغانا سنة 2024، بينما تمكن المنتخب المغربي لأقل من 20 سنة من تجاوز فرنسا بالطريقة نفسها في كأس العالم 2025.

وأشار الأخصائي في علم النفس الرياضي إلى أن اللافت أكثر هو الطريقة التي يتم بها تفسير هذه النتائج، موضحاً أن خسارة المغرب بركلات الترجيح غالباً ما تُقابل بعبارات مثل «مرة أخرى فشلنا» أو «المغاربة لا يجيدون ركلات الترجيح»، بينما لا تُبنى الرواية نفسها عند الفوز، حيث يُعزى النجاح غالباً إلى لاعب معين، خصوصاً الحارس ياسين بونو، أو إلى الحظ والظروف.

ويرى عزي أن هذا الأمر يرتبط بما يعرف في علم النفس بـ«تحيز التأكيد»، إذ يميل الإنسان إلى الانتباه للمعلومات التي تؤكد اعتقاداً موجوداً لديه مسبقاً، بينما يقلل من أهمية المعطيات التي تناقضه. وبالتالي، إذا كان الاعتقاد السائد هو أن المغرب يعاني من مشكلة في ركلات الترجيح، فإن كل خسارة جديدة تصبح دليلاً إضافياً على هذه الفكرة، في حين تُعامل الانتصارات باعتبارها حالات استثنائية.

كما تحدث عن «تحيز الإسناد»، موضحاً أن الفوز بركلات الترجيح قد يُنسب إلى بونو أو إلى تصدٍ حاسم أو لحظة تألق معينة، بينما تتحول الهزيمة إلى صفة جماعية، وكأن المنتخب المغربي لا يجيد التعامل مع هذه اللحظات.

وأكد المتخصص في علم النفس، أن ركلات الترجيح لا تمثل اختباراً يخوضه المغرب بمفرده، بل هي مواجهة بين فريقين ولاعبين وحارسين، يخضعون جميعاً للضغط نفسه.موضحا أن نجاح حارس المنافس في توقع اتجاه الكرة والتصدي لها لا يعني بالضرورة أن اللاعب المغربي عانى من انهيار نفسي أو «عقدة»، فقد يكون نفذ الركلة بالشكل الذي تدرب عليه، لكن المنافس كان أفضل في تلك اللحظة.

وفي المقابل، شدد الأخصائي على أن ذلك لا يعني التقليل من أهمية العامل النفسي، لأن ركلات الترجيح من المواقف التي تلعب فيها الحالة النفسية دوراً مهماً. فرغم أن ركلة الجزاء في التدريب والركلة في نصف نهائي بطولة قارية هما الحركة التقنية نفسها، فإنهما يختلفان بشكل كبير من الناحية النفسية، بسبب حجم المسؤولية والضغط الجماهيري ووعي اللاعب بأن تسديدته قد تحدد مصير فريق كامل.

وأوضح أن الضغط قد يجعل اللاعب ينتقل من التركيز على عملية التنفيذ إلى التفكير في نتيجة الركلة والخوف من الخطأ، مؤكداً أن دور علم النفس الرياضي ليس إزالة التوتر، وإنما مساعدة اللاعب على تنفيذ المهارة التي تدرب عليها رغم وجود الضغط.

وأضاف أن ركلات الترجيح قابلة للتدريب من خلال تطوير الجانب التقني، واختيار مناطق التسديد، والعمل على الروتين الذي يسبق الركلة، والتنفس وتنظيم مستوى الاستثارة والانتباه، إلى جانب اختيار المسددين وتحليل ميول المنافسين. لكن هذه الاستعدادات، حسب عزيز، لا تعني إمكانية التحكم الكامل في النتيجة.

وأشار إلى أن اللاعب قد ينفذ الركلة بالشكل الذي تدرب عليه تماماً، ومع ذلك ينجح حارس المنافس في التصدي لها، ولذلك لا يمكن اعتبار ركلات الترجيح مجرد مسألة حظ، كما لا يمكن التعامل معها باعتبارها نتيجة يمكن التحكم فيها بالكامل. فهناك مهارات تقنية ونفسية يمكن تطويرها ورفع احتمالات النجاح من خلالها، بينما يبقى عنصر عدم اليقين حاضراً.

وحذر عزي من خطورة بناء هوية جماعية حول فكرة أن «المغرب سيئ في ركلات الترجيح»، لأن تكرار هذه الرواية قد يتحول إلى مصدر إضافي للضغط على اللاعبين. ولا يرى الأخصائي أنه من الدقيق الحديث مباشرة عن «تأثير بيغماليون»، لعدم وجود أدلة كافية على ذلك داخل المنتخبات المغربية، لكنه أشار إلى إمكانية ظهور ما يشبه «النبوءة التي تحقق ذاتها»، عندما يدخل اللاعب إلى ركلة الترجيح وهو يفكر في تاريخ الإخفاقات ويخشى أن يكون الشخص الذي يؤكد هذه الرواية.

وشدد بدر عزي، على أهمية تركيز اللاعب على ما يستطيع التحكم فيه، من خلال الاستعداد والروتين والقرار والتنفيذ، بدلاً من الانشغال بما لا يمكنه التحكم فيه، مثل اتجاه الحارس أو اصطدام الكرة بالقائم أو نتيجة ركلة المنافس.

وفي ختام تصريحه، أكد بدر عزي أن المعطيات الحالية لا تكفي للقول إن المغرب يعاني من «عقدة» نفسية جماعية في ركلات الترجيح، في ظل وجود هزائم مؤلمة تقابلها انتصارات مهمة خلال السنوات الأخيرة. لكنه يرى أن هناك رواية جماعية تتكرر خصوصاً بعد الهزائم، ويمكن أن تؤثر في طريقة تعامل اللاعبين والجمهور والإعلام مع ركلات الترجيح مستقبلاً.

وبحسب الأخصائي، فإن المطلوب ليس فقط زيادة التدرب على ركلات الجزاء، وإنما أيضاً تغيير الطريقة التي يتم الحديث بها عنها، حتى لا يدخل اللاعب إلى لحظة الحسم وهو مطالب بإثبات أن المغرب لا يعاني من «عقدة»، بل وهو مركز على تنفيذ العملية التي تدرب عليها.

تعليقات الزوار