الجميع ينتظرون في العراق يوم 30 أيلول/سبتمبر 2026 موعداً نهائياً لمغادرة الجنود الأمريكيين الأراضي العراقية، هؤلاء كانوا موجودين منذ 2003 غادروا بناء على اتفاقية صوفا في 2011 رجعوا بطلب عراقي رسمي في 2014 واليوم تقول الحكومة انها لم تعد بحاجة إليهم، فهي قادرة على حماية البلد، لكن السبب المباشر والأهم من ذلك هو ان وجودهم أصبح مرتبطاً بملف سلاح الفصائل خارج نطاق الدولة الرسمي، ونسبة غير قليلة بملفات دولية إقليمية أمنية.
ليس هذا هو كل شيء، أي ان الملف ليس أمنياً لوحده، وإنما هناك نقاش حول مدى التأثير السلبي على العلاقة بين واشنطن وبغداد من جانب، وما يتركه الانسحاب من مخلفات غير مريحة على العراق والحالة الاقتصادية والسياسية والأمنية للدولة، وفي التناول ثمة من يبالغ ويذهب بعيداً في التاثير السلبي خاصة على الجانب الأمني والإقتصادي، والاخرون يرون فيه حالة طبيعية لا تنعكس بالسلب على العلاقة ببين البلدين.
1- إن الانسحاب لن يكون كاملاً لدرجة الوجود الصفري العسكري في العراق، وإنما يكون عدم الحضور العسكري الرسمي لغايات قتالية، أما الوجود العسكري من حيث هو يبقى، لكن في نطاق محدود جداً من أجل التدريب والاستشارية حيث يكون ضرورياً وقبل ذلك لحماية السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية الأميريكية الأكبر في الشرق الأوسط والتي هي في مدينة أربيل في إقليم كُردستان. ولن تسلم واشنطن حماية السفارة والقنصلية الى القوات العراقية.
2- إن الانسحاب هو بالاتفاق بين الطرفين ولا يأتي من اللاإتفاق حتى يترك أثراً سلبياً مضراً على العلاقة بينهما، والمتضرر يكون العراق بالدرجة الأولى لأن الأمريكيين لهم أكثر من مكان لحماية مصالحهم في المنطقة، فهو خطوة من ضمن اتفاق عام بينهما. أي أنه ليس اجبارياً يفرضه العراق على الولايات المتحدة حتى يرتد بسوء عليه.
3- إن طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في أي منطقة لم يأت من طرف واحد، أي انها لم يأت من الطرف الأمريكي أو العراقي فحسب، بل بالاتفاق بين الطرفين، بمعنى انه يلبي مصلحة الطرفين كليهما ولا تقتصر على صالح طرف واحد، لهذا فليس وجود عسكري أميركي من أجل العراق فقط حتى غيابه يكون كارثياً عليه، بل ربما تشكل المصلحة الأميريكية الجانب الأكبر منها لضرورة الامن القومي الأمريكي في الشرق الأوسط، وعلاقة وجودها العسكري بملفات غير عراقية. فمخطئون من يرون ويقرأون في الانسحاب الأميركي حلول كارثة كبرى على الوضع العراقي في جميع مجالاته.
4- لا شك أن وجود القواعد العسكرية لأي بلد على أرض بلد آخر دليل على متانة العلاقة بينهما، وله دور كبير في المستويات المختلفة، لكن هناك سوء حساب من بعض المُقَيّمينَ في العراق، وهي:
• أن العودة الأميركية العسكرية الى العراق كان بعد ظهور تنظيم الدولة وانهيار الجيش العراقي أمامه في 2014، أي انها كانت لغايات عسكرية بحتة، وفي الماضي حين كان المسؤولون العراقيون يرفضون انسحاب هذه القوات تخوفاً من الانهيار الأمني من جديد، ولم يكن الرفض آتياً من احتمال تأثر العلاقات بين البلدين تأثراً سلبياً. ولم يكن ذلك في البال على الإطلاق.
• إن وجود تلك القواعد العسكرية لا تساوي مجمل العلاقة بينهما، لأن الولايات المتحدة الأميركية لا تعبر عنها القوة العسكرية لوحدها، بل هي قوة اقصادية تقنية صناعية قبل كل ذلك ومن خلالها تُشكل العلاقات مع الآخرين، فالمعادلة بينهما والتساوي خطأ وسوء فهم وقراءة مغلوطة، إن تأثير واشنطن في العراق لا يقوم على القوة الباطشة فهي إذا ارادت إجبار العراق على موقف معين أو منعه من سياسة محددة تمتلك العديد من الأدوات، في المقدمة الأداة الاقتصادية وقطع الدولار عنه، والامتناع عن ارسال واردات النفط التي تمرّ على نيويورك في طريقها الى بغداد، مثلاً:
عندما ارادت الكتل الشيعية تحديد نوري المالكي رئيساً للحكومة، كتب الرئيس دونالد ترامب تغريدة واحدة قال إنّ المالكي اختيار سيء، ولن يساعد في حسن العلاقة بين البلدين، فهِم العراقيون ذلك، ومن دون طلقة واحدة تغير الاختيار الى من يريده ترامب، لأن القيادة العراقية تيقنت بأن الإصرار على خيار المالكي معناه التدهور الاقتصادي للبلاد، وان العملة العراقية تنهار أمام الدولار وبالتالي الدخول في المتاهة والفوضى.
5- هناك من يرى بأن مغادرة القوات الامريكية العراق تتسبب بأضرار كبيرة في مجالات الحياة الأخرى، هذا التوقع يتجاهل أن العلاقة مع الولايات المتحدة تكيفها اتفاقية استراتيجية شاملة بينهما، وليس الجانب العسكري النافذة الوحيدة لذلك، إن المجالات الدبلوماسية السياسية الاقتصادية الاجتماعية الثقافية هي الأطر التي تشكل وتحكم على نوع التعامل وليس قيادة “سينتكوم” أو المستشار الأمني.
6- الحذر الأكبر من الانسحاب يأتي من بعض الأصوات الاكاديمية في إقليم كوردستان، هؤلاء حذرهم قائم على سوء نية أطراف عراقية طاغية في السلطة تجاه الشعب الكُردي وكيانه الإداري القانوني، من حق هؤلاء الحذر لو كان المعيار هو ممارسة تلك القوى في السنوات الفارطة، لكن المعادلات الجديدة التي تغيرت وتتغير تخفف من هذا الحذر، لأن الفصائل المسلحة في طريقها الى الفناء الهيكلي العسكري، والحرب الحالية الدائرة بين طهران وواشنطن في نهاياتها تقع في مصلحة السلام الشامل في العراق، وينعكس ذلك على إقليم كُردستان، مع أن الوضع الإداري لإقليم كُردستان دستوري غير قابل للتحرش به، ثم إن سماء كُردستان خلال السنوات الماضية لم تحمها القواعد العسكرية الأميركية فيه، فقد قُصِفَ من كل الجوانب بالصواريخ والمسيرات، والمضادات الجوية الامريكية في أربيل كانت تدافع عن المنطقة المحيطة بالجنود الأمريكيين في مطار أربيل الدولي و القنصلية الأميركية، أما البقية الباقية فكانت مفتوحة أمام الصواريخ، بمعنى أن الانسحاب الأميركي لن يؤثر على حماية السماء الكُردية.
7- ان غياب العسكري الأميركي يترك فراغاً أمنياً في العراق، هذا صحيح، لكن هل يترك العراق إيران لملء الفراغ كما يتصور؟، ثم التأثير على توجيه سياسات الدولة العراقية عبر التهديد بالقوة؟ لو كان الامر كالسابق ربما، لكن الأمور مختلفة الآن اختلافاً ظاهراً للعيان، الحالة العراقية مختلفة من حيث عقلية القيادة، والحالة الايرانية مختلفة نتيجة الحرب الاميركية الإسرائيلية عليها، والقوى التي كانت ترتكز عليها إيران في تمرير سياساتها جبراً من غير اقتناع هي الآن في الطريق الى الزوال أو الضعف، ثم ان العراق يمكنه الاستفادة من الانسحاب الأميركي ويتحرر من مبررات الضغط الإيراني عليه، وهذه راحة للمسؤولين العراقيين الميالين لإيران واستراحة للآخرين.