منتدى العمق

ظلمات الليل الأزلية

“منذ الأزل، يدي ممدودة لليل. ففي ظلمته أستطيع ان أعيد كل اصدقائي الأموات، وان أنسج معهم أحابيل الأحاديث. فيه أستطيع أن أحلم، وأن أبصق في وجه الواقع كما أشاء، دون أن يتكالب علي حاملو الطبول وعاهرات الأمجاد الكاذبة. في الليل أستطيع يا صاحبي أن اتأمل دخان سيجارتي وأجعل منه شعلة تتوهج كنار المجوس الأبدية”

لم يكن كلامي يصل إليه، لأنه لا يغادر ذهني، فلساني معقود بجمرات كثيرة لا يعرفها موسى ولا هارون ولا حتى كاتب الألواح. كان يرسم أشكالا هندسية على منديل ورقي أبيض، سڤاستيكا، مثلث متساوي الساقين، مربع، معينات بأحجام مختلفة… ” ما الذي تخطه يا إبراهيم؟!”. نطق صمتي. فالتقط إبراهيم الإشارة في ما تبقى من وهج نظرتي، وأجاب: ” هذه الأشكال، سجون هؤلاء!” مشيرا إلى الأجساد أمامنا، ” كل وسجنه الخاص، محمد المتطرف تائه بأين أذرع السڤاستيكا. المهدي المؤدلج محاصر في مربع ضيق. عبد الرحمان المتعجرف يسكن إحدى هذه المعينات. وأنا وأنت ندور في هذه الحلقة المفرغة”.

” لو أن الليل يطاوعني، لو أن نيكس إلهة الليل تساير رغبتي، لمحت كل آلهة الأولمپ وسيطرت على كل الوجود، تاركة أحلام اليائسين مثلي تبرعم مثل اللبلاب. لكن النهار قادم لا محالة، وسوف يقتل أحلامنا ويحولها هشيما بنوره الوهاج، الذي يحسبه الآخرون دليلا على اليقين والسلم والوضوح. يالغابائهم يا صاحبي، لا يعلمون بأن النور هو أكبر كذبة في هذا الوجود، إنه مجرد طارئ لا غنى له عن الظلام الأساس الذي جعله ممكنا، فلولا الظلام ما تحققت أحلام الآلهة”

دون صوت أحدث صاحبي، وبصوت واضح يسترسل هو في وصف رسوماته الهندسية: ” الهندسة قبر هذه الكائنات الغبية التي تدعي.. تدعي كل شيء. يدعي هؤلاء الأطفال هناك وهم يقيسون المسافات بأعينهم الصغيرة ككرات الزجاج، بأنهم رجال راشدون، ويحاولون البرهنة على ذلك بالإكثار من الشتائم والتجذيف، كلما حادت كرات البلياردو عن المسارات التي رسمتها أذهانهم. يدعي أولائك هناك الحكمة، ويحاولون إثبات ذلك من خلال حديثهم عن الأمور العظام، من سياسات دولية وسيرورات كونية، وقوانين عالمية. وندعي نحن الوجود بهذه المشافهة المقطوعة اللسان!”

” لماذا أمد يدي دوما للظلمة، مع أنني أعرف أنها ستبترها، أو ستبتلعني كوحش أسطوري نهم؟ أكل هذا بسبب عشقي اللاواعي للعدم؟”

” كل هؤلاء” أردف صاحبي: ” كل هؤلاء لا يعرفون شيئا عن المسرحية التي ينخرطون في تمثيلها. لا يعرفون بانهم قرينة العدم التي يثبت بها وجوده. من منهم يستعيد حياته كاملة الآن ليعرف بأنه مجرد مشهد بائس تصوره أحد الآلهة الحالمة وهو يقعي كالكلب على جبل الأولمپ؟ لا أحد.. هل سمعت يوما بگي ديبور؟ هل قرأت أحلام برنار فريو؟ هل هزك شيء وانت تعيش في ماكندو او تسير بحثا عن بيدرو برامو؟ أم انك ايضا مثلهم تعيش للنور فقط، وللحقيقة الوحيدة ككلب أجرب”

” آه يا صاحبي، كم أرغب في ان يتحول هذا المقهى بكل من فيه وكل ما فيه إلى ذرة غبار تسبح في الفراغ الفسيح. أغمض عينيك يا صاحبي، أسدل الستار على كل هذا، ولنمض إلى صمتنا آمنين!”