علاء الدين بنهادي
وجهة نظر

الأصالة والمعاصرة.. من أصالة الفكرة إلى “انحرافات” المسار

توطئة تاريخية عامة:

لا يكفي أن “تدعم” الدولة هذا الحزب أو ذلك في لحظة معينة من مساره السياسي ليتصدر المشهد أو يتولى قيادة حكومة، أو يكون رقما صعبا في التوازنات السياسية وفي المشهد السياسي، فكل الأحزاب، بلا استثناء، حصلت على “دعم” الدولة في لحظة ما، لأن السياق الوطني والدولي وحساباتها أوجبت ذلك، واللحظة السياسية والتاريخية اقتضت ذلك الدعم، وإنما الأهم من “الدعم”، وهذا ما يضمن الاستمرارية والتراكم والإنجاز، هو وجود رجال ونساء وراء هذا الحزب أو ذاك، وحملهم لمشروع واضح المعالم ومحدد الأهداف والوسائل. لقد دعمت الدولة الجناح التقدمي في حزب الاستقلال لقيادة حكومة 1958،  مع عبد الله إبراهيم، لأمر في نفسها، وسيتحقق فيما بعد بقليل، مما انتهى بانشقاقه عن الحزب الأم عام 1959، ودعمت قبله الجناح المحافظ الليبرالي في حزب الاستقلال لقيادة حكومة 1957 بقيادة أحمد بلافريج، مما أبعد علال الفاسي عن قيادة الحزب والحكومة، ودعمت الحركة الشعبية عند تأسيسها عام 1957، لأمر في نفسها كذلك، في سياق حرارة وصراع مرحلة ما بعد الاستقلال بين حزب الاستقلال، خاصة الجناح اليساري، والملكية، خاصة ولي العهد الأمير الحسن، ودعمت التجمع الوطني للأحرار عام 1977 لقيادة حكومة 1978 على يد أحمد عصمان، ودعمت الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عام 1998 لقيادة الحكومة على يد عبد الرحمن اليوسفي، في سياق تقرير “السكتة القلبية”، ثم دعمت حزب العدالة والتنمية أعوام 2012-2021 على يد عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني لقيادة حكومتان متتاليتان، في سياق انتفاضة الربيع العربي”، ثم دعمت، أخيرا، التجمع الوطني للأحرار، مرة أخرى، عام 2021 على يد عزيز أخنوش، لإغلاق قوس الإسلاميين، فمن ستدعم في الاستحقاقات القادمة، ولماذا؟ صحيح أن الدولة دعمت حزب الأصالة والمعاصرة عند التأسيس، لكن السؤال، لماذا لم يرأس هذا الحزب أي حكومة حتى الآن، وهو سؤال ينطبق أيضا على حزب الحركة الشعبية؟ لماذا؟

ومما يلاحظ تاريخيا أنه قبل أي تأسيس لحزب ما، يتم استمزاج الرأي العام وتحضيره نفسيا واجتماعيا لتقبل المولود الجديد، وهذا ما وقع لجميع الأحزاب تقريبا، إما أن تكون هناك حملة دعائية سابقة لإعلان ميلاد الحزب الجديد، أو أن يكون السياق والظرفية في حالة مخاض سياسي واجتماعي تستقبل بإيجاب هذه الولادة، بل تضفي عليه هالة من الرضا والبشارة العاطفية كما حصل قبيل ميلاد حزب الأصالة والمعاصرة خلال جولات مؤسسه فؤاد عالي الهمة في مدن وقرى المغرب يبشر بمشروع سياسي وطني جديد كان هدفه إخراج الحياة السياسية من المأزق والمراوحة والضياع الذي كانت تتخبط فيها بسبب أحزاب عجزت عن تحقيق ذلك، وجاء ذلك سنوات قليلة بعد بداية العهد الجديد مع وصول الملك محمد السادس للحكم.

 

ما بعد التوطئة:

لا أعتقد بأن حزب الأصالة والمعاصرة قد تأسس للرد على شيء قد وقع، وإنما لأمر يقع، عند ولادته، وآخر سيقع، الأول وجود حزب الاستقلال على رأس الحكومة، عباس الفاسي، 2007-2011، سقطت مبكرا قبل انتهاء ولايتها تحت ضغط احتجاجات حركة 20 فبراير، تجربة حكومية كانت الصيغة المعدلة لحكومة التناوب الاتحادية، 1998-2002، وضرورة إغلاق قوس فُتح بداية الاستقلال وتسبب للملكية الكثير من المتاعب والضيق، وهو قوس الأحزاب الوطنية، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وريث الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وحزب الاستقلال، بجناحيه التقدمي والمحافظ الليبرالي، وحزب الاستقلال بعد الانشقاق عام 1959. أما الأمر الثاني، والذي كان سيقع، فهو تنامي قوة المد الإسلامي ممثلا في حزب العدالة والتنمية، تأسس عام 1998 عشية حكومة التناوب اليسارية، والمناسبة شرط، وبلغ أشده مع انتخابات 2007، عشية ميلاد “الحركة لكل الديمقراطيين”، ثم حزب الأصالة والمعاصرة، 2008، ثم إعلان تحالف “مجموعة الـ 8 من أجل الديمقراطية”، عقب اندلاع احتجاجات حركة 20 فبراير 2011، والصعود السياسي للتيار الإسلامي في المغرب والعالم العربي، في سياق انتفاضة الربيع العربي، حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الحركة الشعبية وحزب الاتحاد الدستوري والحزب العمالي والحزب الاشتراكي وحزب اليسار الأخضر وحزب النهضة والفضيلة، لاكتساح نتائج الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في 25 نوفمبر 2011، إلا أن هذا “التحالف الهجين” سرعان ما تفكك بسبب تناقضاته البنيوية والإيديولوجية، من جهة، وبسبب تسارع الأحداث والأصوات في الشارع المغرب والعربي الرافضة لهذه المناورة السياسية والمقبلة على التيار الإسلامي ممثلا في حزب العدالة والتنمية، من جهة أخرى، فكان لابد من التراجع لتجنيب البلاد أي مواجهة مع واقع اجتماع جديد وقوي قد تنتهي بتصعيد خطير يهدد مستقبل الملكية واستقرار الدولة وسلم المجتمع وسط محيط مغاربي وعربي عاصف ومضطرب، فجاء خطاب 9 مارس الملكي ليعلن بداية عهد سياسي جديد ومسلسل إصلاحات دستورية وسياسية انتهت بسقوط حكومة عباس الفاسي، سنة قبل موعدها، والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرا أسفرت عن فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي التوجه في انتخابات نوفمبر 2011.

لقد عرف المشهد السياسي المغربي في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تحولاً هيكلياً أُعيد بموجبه رسم خريطة التقاطبات الحزبية والتوازنات الانتخابية في المغرب، وكان المحرك الأساس لهذا التحول هو بروز مشروع سياسي جديد تزعمه فؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب الأسبق في وزارة الداخلية والصديق المقرب للملك محمد السادس. بدأ هذا المشروع عبر تأسيس إطار مدني وسياسي جامع تحت اسم “حركة لكل الديمقراطيين” في أواخر عام 2007 ومطلع عام 2008، قبل أن يتحول سريعاً في غشت 2008 إلى تنظيم حزبي رسمي حمل اسم “حزب الأصالة والمعاصرة”. لقد سعى المشروع في بدايته إلى رغبته في إعادة تخليق الحياة السياسية، والحد من حالة التشرذم والبلقنة الحزبية، ومواجهة المد الانتخابي للتيارات الإسلامية، وتحديداً حزب العدالة والتنمية، غير أن هذا المسار شهد مع مرور الوقت انزلاقات تنظيمية وسياسية معقدة، دفع معها المؤسس فؤاد عالي الهمة إلى تقديم استقالته عام 2011 واصفاً ما آلت إليه أوضاع الحزب بـ “الانحرافات الكثيرة”.

 

 

I.          الجذور والسياق التاريخي: من “حركة لكل الديمقراطيين” إلى ولادة “البام”

يعود السياق التاريخي لنشأة المشروع إلى صيف عام 2007، عندما أُعلن عن إعفاء فؤاد عالي الهمة من مهامه كوزير منتدب لدى وزير الداخلية لخوض الانتخابات التشريعية بمسقط رأسه في دائرة الرحامنة كمرشح مستقل. عقب فوزه المقنع في تلك الانتخابات، تمكن الهمة من تجميع العشرات من النواب غير المنتمين في فريق برلماني مستقل بلغت قوته نحو 36 نائباً، مما شكل النواة الأولى لإطلاق “حركة لكل الديمقراطيين” في يناير 2008.

تكونت الحركة في بدايتها من ائتلاف هجين ضم أكاديميين، وحقوقيين يساريين سابقين، وشخصيات من أطياف فكرية متنوعة. ترأس الحركة أحمد اخشيشن، الناشط الحقوقي والوزير الأسبق للتعليم، وكان من أبرز الوجوه القيادية فيها شخصيات يسارية بارزة مثل صلاح الوديع ومحمد المعزوز، وحسن بنعدي. وكان هدف الإطار المفاهيمي للحركة إلى خلق دينامية فكرية ومجتمعية تعيد الثقة في الممارسة السياسية وتستقطب النخب الشابة. لم يستمر الإطار الجمعوي للحركة طويلاً حتى تقرر تحويله إلى حزب سياسي خاض معركة الانتخابات المحلية لسنة 2009. وفي 7 غشت 2008، تم الإعلان الرسمي عن تأسيس “حزب الأصالة والمعاصرة” عبر خطوة اندماجية شملت خمسة أحزاب سياسية صغرى كانت توصف بالمحدودية الجماهيرية.

لقد تولى حسن بنعدي منصب أول أمين عام للحزب الجديد، بينما شغل أحمد اخشيشن منصب نائب الأمين العام المكلف بالعلاقات العامة، وضمت اللجنة الوطنية في عضويتها فؤاد عالي الهمة وقيادات الأحزاب المندمجة. وتظهر الهندسة التنظيمية لتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة أنه قام على مسارين متوازيين: مسار سياسي-حقوقي تمثل في استقطاب رموز اليسار السابقين لتأمين الغطاء الأيديولوجي والفكري الحداثي، ومسار إداري-انتخابي تمثل في دمج التنظيمات الحزبية الصغرى لاستغلال شبكاتها الانتخابية وأعيانها المحليين في مختلف الجهات.

 

II.          المرجعية الفكرية والأهداف واستراتيجيات التموقع والخصومات السياسية

قام المشروع السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة على ثنائية تتداخل فيها الأهداف الفكرية التحديثية الصريحة مع أهداف التوازنات الجيو-سياسية والداخلية للنظام السيادي. وينقسم الخطاب التأسيسي للمشروع إلى مستويين متكاملين؛ يركز المستوى الأول على إعادة هيكلة الحقل الحزبي عبر طرح الحزب كبديل للبلقنة والتشرذم من خلال تشكيل أقطاب سياسية كبرى قادرة على إنتاج سياسات عمومية ناجعة. كما تبنى الحزب في مرجعيته المعلنة دفاعاً صريحاً عن المشروع الديمقراطي الحداثي، متضمناً تمكين المرأة، وصيانة الحريات الفردية، والاعتراف الدستوري والعملي بالهوية الأمازيغية.

أما المستوى الثاني، والممثل للهدف الاستراتيجي المضمر، فتمثل في كسر الهيمنة الانتخابية للتيار الإسلامي التي قادها حزب العدالة والتنمية وتيارات إسلامية اقتراحية أخرى، جماعة العدل والإحسان خاصة. فقد صرح قياديو الحزب، ومنهم صلاح الوديع، بأن الخصوم الحقيقيين هم “أصحاب اللحية” في إشارة إلى الإسلاميين، و”أصحاب الشكارة” في إشارة إلى المفسدين وسماسرة الانتخابات، وكان ذلك أول خطوة في الانحراف عن التصور الأصلي عند تأسيس الحزب، على الأقل بالنسبة لصاحب الفكرة والمشروع وبعض الشخصيات من حوله. لقد كان هدف المشروع هنا، على الأقل عند البعض، تأسيس جبهة حداثية مضادة تستند إلى شرعية شعبية وتنظيمية تجعل من الحزب القوة القادرة على ضبط التوازنات الانتخابية والسياسية بالبلاد، لقد أدى هذا الظهور الحزبي إلى تشكيل خريطة معقدة من الخصومات السياسية عبر مختلف الأطياف:

  1. حزب العدالة والتنمية والتيارات الإسلامية: نظر الإسلاميون إلى الحزب باعتباره أدوات سلطوية صُممت خصيصاً في “دهاليز الدولة” بهدف الالتفاف على نتائج صندوق الاقتراع، وتطويق صعودهم السياسي الحتمي بآليات غير ديمقراطية.
  2. أحزاب الحركة الوطنية التقليدية (الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي): انتاب المؤسسات الحزبية التقليدية قلق بالغة أثر نزيف الأعيان والبرلمانيين الذين غادروها ملتحقين بالحزب الجديد. واعتبر رؤساء تلك الأحزاب أن المشروع يمثل إعادة إنتاج لظاهرة “أحزاب الإدارة” السابقة التي أربكت الحياة السياسية الوطنية عقوداً متواصلة، ووصفه أحد قيادات حزب الاستقلال بـ “الحزب الأغلبي”، امحمد لخليفة، فيما أطلق عليه الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مصطلح “الوافد الجديد”، وهو تكتيك لنفيه وجعله منبوذا من قبل الشعب والقوى السياسية، لما يشكله من تهديد لباقي الأحزاب، أو جلها، وتضييق عليها في مصالحها وامتيازاتها الانتخابية والنفعية.
  3. حركة 20 فبراير والشارع الاحتجاجي (2011): صنفت حركة 20 فبراير الحزب كأبرز تجسيد لتداخل السلطة بالمال، ورفعت في مظاهراتها شعارات تطالب بحله وإبعاد قيادييه عن دائرة القرار المباشر.

III.          استقالة فؤاد عالي الهمة وتفكيك مفهوم “الانحرافات الكثيرة”

شكل الحراك الشعبي الذي قادته “حركة 20 فبراير” عام 2011، وصعود نجم حزب العدالة والتنمية محطة فارقة اختبرت التماسك الداخلي للمشروع ومدى قدرته على الصمود أمام الشارع وأمام هذا الصعود. ففي عز الاحتجاجات المطالبة بالإصلاحات السياسية والمؤسساتية، أعلن فؤاد عالي الهمة في مايو 2011 استقالته من مهامه الحزبية على رأس لجنتي الانتخابات والمتابعة، قبل أن يقدم استقالته النهائية من الحزب في ديسمبر 2011 عقب تعيينه مستشاراً للملك محمد السادس تجريداً للمؤسسة الملكية من أي انتماء حزبي. لقد أثارت رسالة الاستقالة التي قدمها الهمة جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية، وأحدثت رجة وحالة ضياع وسط صفوف الحزب الجديد وفقدان البوصلة من جهة، وفرصة تاريخية لبعض الانتهازيين الذين اختطفوا المشروع نحو وجهة انتهت بالحزب في متاهات الانحراف القيمي والأخلاقي والسياسي، فانفصلت الأصالة عن المعاصرة، ضاعت الأولى وانحرفت الثانية، خاصة عندما نصت استقالة الهمة صراحة على أن “المشروع السياسي للحزب تعرض إلى انحرافات كثيرة”. ويمكن تفكيك هذه الانحرافات وسياقاتها عبر ثلاثة أبعاد تحليلية متكاملة:

1.              البعد التنظيمي: طغيان “أعيان الشكارة” على النخب الفكرية

انطلق المشروع برؤية نقدية صيغت من طرف نخب يسارية ومثقفين، غير أن الرهان على اكتساح انتخابات 2009 الجماعية والجهوية دفع قيادة الحزب إلى فتح أبواب التزكيات للوجوه النافذة والمتمولة في العالم القروي والمدني. أدى هذا التجميع السريع والمصلحي إلى هيمنة أصحاب نفوذ المال على الهياكل الإقليمية والجهوية على حساب الوجوه الأيديولوجية والتحديثية، خاصة بعد استقالة مؤسسه ومغادرة العديد من الشخصيات المؤسسة الأصيلة. وقد عكس تقرير لجنة الانتخابات برئاسة الهمة ضبط حالات تخص استخدام المال غير المشروع وتغلغل شبكات معقدة تم إحالتها على لجنة الأخلاقيات دون القدرة على لجمها.

2.              البعد السلوكي: الهروب الجماعي والارتباك القيادي في أزمة 2011

كشفت احتجاجات 2011 عن ضعف الالتزام السياسي لدى العديد من القيادات الوسطى والعليا للتنظيم. فعندما ركز المتظاهرون في عشرات المدن شعاراتهم ضد الحزب ومؤسسه، وتحمل ضريبة المشروع، آثرت أغلب القيادات التواري عن الأنظار والبحث عن حلول فردية للسلامة الشخصية، والتزم مسؤولون بارزون الصمت الكامل أو تجنب المواجهة الإعلامية، هذا التخلي والهروب الجماعي اعتبره مؤسس الحزب طعنة تنظيمية وانحرافاً أخلاقياً عن الروح النضالية المفترضة للمشروع.

3.              البعد الفلسفي والسياسي: “الخطيئة الأصلية” لسياق النشأة

سجل العديد من المفكرين والفاعلين أن الحزب حمل منذ يومه الأول “خطيئة أصلية” تمثلت في سياق نشأته من عمق أجهزة السلطة والنفوذ. واعتبروا أن الجمع بين القرب المباشر من مركز القرار والمنافسة الحزبية الميدانية، أدى هذا الوضع إلى تكليس الفعل السياسي وإضعاف الأحزاب الأخرى، وحرم الحزب من بناء مشروعية شعبية ومستقلة، مما جعل بنيته تتهاوى بمجرد رفع الغطاء السياسي المباشر عنه عام 2011، وانحرف بـ “180” درجة عن فكرة وهدف التأسيس.

IV.          دور إلياس العماري في صياغة المسار وتكريس الهيمنة الحزبية

شكلت مرحلة ما بعد خروج فؤاد عالي الهمة من المشهد الحزبي عام 2011 الحقبة التنفيذية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ حزب الأصالة والمعاصرة، حيث برز إلياس العماري كمهندس فعلي للحزب ومدبر لكواليسه قبل أن يتولى رسمياً أمانته العامة سنة 2016. لقد استند العماري في هيمنته على هياكل التنظيم إلى شبكة العلاقات المعقدة التي نسجها منذ عمله في مجالات الطباعة والنشر والوساطات السياسية والحقوقية، إضافة إلى استغلاله للخصوصيات الإقليمية لمنطقة الريف لتعزيز امتداده. واتسمت فترة إدارته وتوجيهه للمسار الحزبي بالعديد من التوجهات التي عمقت انحرافات الحزب، حيث تجلت الخصلة الأولى في المبالغة في شخصنة الصراع السياسي وإدارة قطبية حادة مع حزب العدالة والتنمية وأمينه العام عبد الإله بنكيران. لقد حصر هذا الخطاب الخلافات في مواجهات إعلامية وسياسوية أفرغت النقاش العمومي من البدائل التنموية والبرامج الاقتصادية. أما الخصلة الثانية فكانت إقصاء الكفاءات التأسيسية وتكريس الانتهازية التنظيمية عبر تمكين “أعيان الشكارة” والفاعلين الإقليميين للسيطرة على خريطة التزكيات، أدى ذلك إلى تحويل التنظيم الحزبي إلى شبكة زبونية تسعى لتبادل المصالح والمنافع وتوفير الغطاء الساسي للخروقات الميدانية على حساب تخليق الحياة العامة.

وظهر الاختباء التنفيذي الأبرز لهذه الخيارات خلال أحداث “حراك الريف” (2016-2017). فعلى الرغم من أن إلياس العماري كان يترأس مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، وكان حزبه يسيطر على غالبية المجالس الجماعية والإقليمية بالمنطقة منذ انتخابات 2009، فإن الحزب وهيئاته المنتخبة فشلوا كلياً في التواصل مع الساكنة أو تقديم أي حلول تنموية أو استيعاب الغضب الشعبي، مما كشف الفراغ التمثيلي لقيادات الحزب المعتمدة على النفوذ الانتخابوي فقط.

كما سجلت الانتخابات التشريعية لسنة 2016 النقطة الفاصلة في مسار العماري، حيث بالرغم من التعبئة المادية والإعلامية الضخمة التي حشدها للظفر بالمرتبة الأولى، خسر الحزب الرهان لصالح غريمه الإسلامي، ودفع هذا الإخفاق، متبوعاً بتداعيات أزمة الحسيمة، إلياس العماري إلى تقديم استقالته المفاجئة من الأمانة العامة عام 2017 وغيابه الكلي عن الساحة السياسية الوطنية.

 

V.          التسلل الانتهازي والتحول إلى “علامة تجارية”: تداعيات قضية “إسكوبار الصحراء”

تسبب تفريغ الحزب من حمولته الفكرية وحرمانه من بوصلته التأسيسية في استئثار الوجوه الانتهازية بمفاصل القرار الإقليمي والجهوي، فتحول التنظيم الحزبي في أذهان الملاحظين والشارع السياسي من مشروع حداثي لتجديد النخب إلى “علامة تجارية” سياسية توفر الحصانة والتزكيات وتسهل الوصول إلى مراكز النفوذ للراغبين في مراكمة الثروة وحماية المصالح الذاتية. لقد بلغ هذا الانحراف أقصى درجات الخطورة مع تفجر ملف التهريب الدولي للمخدرات وغسيل الأموال المعروف إعلامياً بـ “إسكوبار الصحراء” في أواخر عام 2023، حيث كشفت التحقيقات القضائية والمحاكمات عن تغلغل شبكات الجريمة المنظمة والاتجار الدولي في المخدرات داخل هياكل الحزب الرسمية ومؤسساته المنتخبة. وأفضت أحكام غرفة الجنايات الاستئنافية بالدار البيضاء إلى إدانة قياديين بارزين ومؤثرين في الحزب بأحكام سجن ثقيلة، عبد النبي بعيوي، رئيس مجلس جهة الشرق القيادي البارز بالحزب؛ صَدر بحقه حكم بالسجن النافذ لمدة 12 سنة، وسعيد الناصري، النائب البرلماني عن الحزب والرئيس السابق لنادي الوداد الرياضي؛ صَدر بحقه حكم بالسجن النافذ لمدة 10 سنوات.

وتضمنت لائحة الاتهامات الرسمية الموجهة للقياديين المذكورين المشاركة في عصابة دولية للاتجار في المخدرات، والتزوير في محررات رسمية وعرفية، والإرشاء، وتسهيل خروج الأشخاص من التراب الوطني، واستغلال النفوذ للسيطرة على العقارات والسيارات والممتلكات. لقد شكلت هذه القضية صدمة كبرى للرأي العام الوطني وللجسم السياسي بالمغرب. ورغم سرعة قيادة الحزب إلى تجميد عضوية المتابعين فور بدء التحقيقات، فإن الملف كشف عن مدى التردي الأخلاقي الذي أصاب الحياة السياسية جراء فتح التزكيات للوجوه المشبوهة، وأكد بوضوح صدقية التحذيرات التي رصدها المؤسس فؤاد عالي الهمة بشأن تغول الفساد الانتخابي واستعمال أموال المخدرات داخل الحزب.

 

 

VI.          انضمام فوزي لقجع: الدوافع، الهندسة السياسية، وسيناريوهات 2026

في سياق المحاولات الجارية لترميم صورة الحزب وإعادة هيكلة بنيته القيادية عقب المؤتمر الوطني الخامس وتشكيل “القيادة الجماعية الثلاثية” (فاطمة الزهراء المنصوري، محمد المهدي بنسعيد، وصلاح الدين أبو الغالي قبل تجميد عضويته والتحاق سمير كودار لقيادة “الترويكا”)، جاء الإعلان عن التحاق فوزي لقجع بالحزب وانضمامه المباشر إلى عضويّة المكتب السياسي خلال انعقاد المجلس الوطني بمدينة سلا أواخر شهر يوليوز 2026. يمتلك فوزي لقجع ثقلاً كبيراً في التكنوقراطية والتدبير المالي والإداري، حيث يشغل منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، ورئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وعضوية مجلس الفيفا. وتتداخل عدة عوامل وهندسات سياسية خلف قرار هذا الانضمام وموقعه المستقبلي:

تتمثل المبررات المعلنة في رغبة الحزب في فتح أبوابه للكفاءات والخبرات العالية القادرة على تدبير السياسات العمومية، واستبدال الصورة الذهنية النمطية التي ارتبطت بالأعيان والوجوه المتابعة قضائياً بنخب تكنوقراطية ذات مصداقية إدارية ومالية. أما الهندسة السياسية المضمرة، فتسير اتجاه تحضير فوزي لقجع للعب دور محوري في انتخابات 2026. وتذهب التحليلات السياسية إلى أن القصد من وراء إدخال شخصية بحجم لقجع إلى “البام” هو إعداد بروفايل قيادي قوي وطرحه كمرشح منافس لرئاسة حكومة ما بعد 2026، التي تُعرف بـ “حكومة المونديال” الممتدة حتى 2031 والتي ستشرف على التنظيم المشترك لكأس العالم 2030.

من جهة أخرى، يوفر هذا الانضمام لفوزي لقجع غطاءً حزبياً رسمياً يتيح له الانتقال من خانة الوزير التكنوقراطي المحسوب على الإدارة إلى فاعل سياسي يمتلك قاعدة تنظيمية تمكنه من خوض الاستحقاقات الانتخابية وصياغة الخطاب العمومي. وتضمنت الخرجة السياسية الأولى للقجع في أكادير رسائل واضحة ركزت على ضرورة استعادة الثقة في العمل السياسي، والتواصل المباشر مع الشباب والمواطنين، والقطع مع لغة الوعود الزائفة عبر ممارسة السياسة بالصدق والوضوح. وفي المقابل، أثارت هذه الخطوة تحليلات نقدية وتفاعلات تبايَنت بين أطراف المشهد السياسِي، حيث ركزت الملاحظات النقدية القادمة من اليسار والمعارضة على أن الخطاب التواصلي للقجع جاء مجرداً من العمق الإيديولوجي، واعتبرت أن استقطاب التكنوقراط لا يمكنه أن يشكل بديلاً عن الإصلاح التنظيمي الشامل للحزب أو يمحو الاختلالات الهيكلية التي تراكمت على مدى 15 سنة. وعلى مستوى التحالف الحكومي، أثار التحاق لقجع بالبام حساسية مضمرة لدى الحزب القائد للحكومة (التجمع الوطني للأحرار)، حيث يُنظر إلى لقجع كـ “منافس قوي” كفيل بقلب التوازنات الانتخابية والمفاضلات السياسية قبيل استحقاقات 2026.

يكشف التحليل التاريخي والسياسي لمسار “حركة لكل الديمقراطيين” وتحولها إلى “حزب الأصالة والمعاصرة” عن نموذج معقد للهندسة الحزبية في المشهد السياسي المغربي. فقد انطلق المشروع بشرعية فكرية وتحديثية رغبت في إعادة هيكلة المشهد الحزبي وضخ نخب جديدة في شرايين الحياة السياسية، غير أنه سرعان ما سقط في فخ الاستعجال الانتخابي واستقطاب النخب الزبونية وأصحاب نفوذ المال.

إن الانحرافات المتتالية التي رصدها المؤسس فؤاد عالي الهمة في رسالة استقالته عام 2011 مثلت تشخيصاً مبكراً لأزمة التنظيم، إذ أدى الاعتماد على نفوذ السلطة والمال إلى تجريد الحزب من استقلاليته وبوصلته الإيديولوجية. وقد تفاقمت هذه الأزمة خلال مرحلة إلياس العماري نتيجة شخصنة الصراع الحزبي والعجز عن تقديم إجابات تنموية حقيقية لانتظارات المواطنين، لتصل الأزمة إلى ذروتها المؤسساتية والأخلاقية مع انكشاف تغلغل كبار بارونات المخدرات في مفاصل التنظيم كما أظهرت أحكام ملف “إسكوبار الصحراء”.

تقف التجربة الحالية لحزب الأصالة والمعاصرة، عبر نهج قيادة جماعية عرجاء، واستقطاب الأطر التكنوقراطية بوزن فوزي لقجع، تقف عند مفترق طرق حاسم قبيل استحقاقات 2026. ولا يتوقف نجاح هذا التحول على قدرة الحزب على حشد المقاعد الانتخابية فحسب، بل يظل مشروطاً بإجراء مراجعة تنظيمية وأخلاقية شاملة تقطع كلياً مع ممارسات الانتهازية والزبونية، وتستعيد جوهر الممارسة السياسية القائمة على خدمة المصلحة الوطنية وتخليق الحياة العامة كما أراد مؤسس الحزب فؤاد عالي الهمة ومن كان حوله من رجال ونساء قبل أن يختطف المشروع أشخاص يمتهنون حرفة الريع والتجارة، فأخذوه نحو وجهة لا تليق ولا ترقى بالأهداف التي أعلنها مؤسسه قبل قرابة عقدين من الزمن، فهل مهمة لقجع هي تصحيح “الانحرافات” وإعادة الحزب لجادة الطريق والعمل والمشروع، بعد تطهيره ممن اخترقوه في غفلة من مؤسسيه، كما فعل في الجامعة الملكية لكرة القدم، أم أن انضمامه للجزب هو اختبار لمساره المهني، أم أن مهمته الأخيرة هي تشميع هذا الحزب إلى الأبد، والتحول، بتوجيه من جهة ما، نحو تأسيس تنظيم جديد على أسس ومشروع ورؤية تتطلبها المرحلة اليوم استعدادا للاستحقاقات التشريعية لعام 2031، وربما، لانتخابات مبكرة خلال الفترة ما بين 2026 و2031، واستحقاقات جيوسياسية كبيرة أخرى، في ظل واقع حزبي ضعيف يتأخر بمراحل كبيرة عن إيقاع وزمن المؤسسة الملكية ورؤيتها في قيادة الدولة ورهاناتها الاجتماعية والاقتصادية ومشاريعها المهيكلة الكبرى، واستحقاقاتها المحلية والإقليمية والقارية الاستراتيجية.

* دبلوماسي سابق

* باحث في العلوم السياسية والجغرافيا السياسية 

تعليقات الزوار