وجهة نظر

الاحتفال بعيد الشباب بالمغرب بين الطابع العائلي ورمزية التجدد السياسي

يعتبر عيد الشباب في المغرب ليس مجرد مناسبة احتفالية مخصصة للشباب، بل هو من أكثر الأعياد الوطنية دلالةً على العلاقة بين الشباب والعرش والدولة والمجتمع، ولذلك يمكن قراءته تاريخياً وسياسياً ورمزياً. إذ يعود الاحتفال بعيد الشباب إلى سنة  اي، مباشرة بعد الاستقلال. وقد ارتبط في بدايته بعيد ميلاد ولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن، الذي أصبح لاحقاً الملك الحسن الثاني. وقد أتت فكرة الاحتفال أيضاً استجابة لرغبة عبر عنها الشباب المغربي في تلك الفترة .لذا كان اختيار الشباب في هذه اللحظة التاريخية ذا دلالة واضحة: فالمغرب الخارج حديثاً من الحماية كان في حاجة إلى تعبئة الجيل الجديد حول مشروع بناء الدولة الوطنية المستقلة.وبعدما كان الاحتفال بهذا العيد مرتبطاً بيوم 9 يوليوز تاريخ ميلاد الملك الحسن الثاني ، يتم  الاحتفال اليوم في 21 غشت، وهو تاريخ ميلاد الملك محمد السادس. وعيد الشباب ، الذي يعتبر من بين الأعياد الوطنية الأساسية إلى جانب عيد العرش ،  يجمع بين مستويين:الشباب باعتباره فئة اجتماعية و الشباب باعتباره رمزاً للتجدد والاستمرارية داخل الدولة والملكية.

  • الرمزية العائلية للاحتفال بعيد الشباب

إن الطابع العائلي لنظام الحكم بالمغرب يجعل الاحتفال بعيد ميلاد الملك تتويجا للاحتفال بميلاد كافة الامراء والاميرات بما فيهم ميلاد ولي العهد. فعلى الرغم مما  للملك من موقع دستوري وسياسي مركزي، لكن الأسرة الملكية تظهر أيضاً في المجال الاحتفالي والرمزي باعتبارها أسرة حاكمة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الاحتفال بعيد ميلاد الملك محمد السادس في 21 غشت، الذي يتزامن مع عيد الشباب، بوصفه مناسبة تتجاوز الاحتفال الشخصي بميلاد الملك. حيث يمكن تصور هذه المناسبة من خلال ثلاث دوائر: ميلاد الملك، و ميلاد ولي العهد والأمراء والأميرات، والاحتفال بالشباب المغربي باعتباره امتداداً للمستقبل الوطني. وبهذا المعنى، فإن عيد الشباب يحمل دلالة عائلية ـ ملكية ـ وطنية متداخلة. وهكذا يضع عيد الشباب ميلاد الملك داخل رمزية أوسع لاستمرارية الأسرة الملكية وتجددها، مع جعل الشباب المغربي موضوعاً للاحتفال الوطني. إذا كان عيد العرش يجسد استمرارية الملكية باعتبارها مؤسسة للحكم، فإن عيد الشباب يجمع بين استمرارية الملكية وتجددها من خلال الرمز العائلي للملك وولي العهد والأسرة الملكية، وبين استمرارية الدولة من خلال جيل الشباب المغربي.

دلالة عيد الشباب في المنظومة الاسرية والعائلية بالمغرب

    – من ميلاد الملك إلى رمزية الأسرة الملكية

عيد الشباب في 21 غشت مرتبط بميلاد الملك محمد السادس، ولذلك فهو يجمع بين البعد الشخصي للملك والبعد الوطني للمناسبة. لذا يمكن النظر إليه باعتباره مناسبة يظهر فيها الجسد العائلي للملكية: الملك باعتباره فرداً من الأسرة الملكية، وولي العهد والأمراء والأميرات باعتبارهم يمثلون امتدادها، ثم الشباب المغربي باعتباره امتداداً اجتماعياً وجيلياً للمستقبل. وهنا تتشكل سلسلة رمزية:الملك – الأسرة الملكية – ولي العهد – الشباب – المستقبل.

ولعل وجود ولي العهد في المشهد الملكي يجعل الأسرة الملكية لا تمثل الحاضر فقط، وإنما تجسد الاستمرارية عبر الأجيال. فالملك يمثل الحاضر الملكي، بينما ولي العهد يمثل المستقبل الملكي، والشباب يمثل المستقبل الاجتماعي للدولة. ومن هنا يمكن أن نقرأ التزامن الرمزي بين عيد ميلاد الملك وعيد الشباب باعتباره أكثر من مجرد صدفة في التقويم: إنه يربط استمرارية الملكية باستمرارية الأجيال.

  • من الأسرة الملكية إلى الأسرة المغربية

فالخطاب الملكي لا يقدم الأسرة الملكية فقط باعتبارها أسرة حاكمة، بل توجد في الثقافة السياسية المغربية مساحة واسعة لتمثيل الملك والأسرة الملكية ضمن الرموز العائلية والوطنية.لذلك يمكن أن تتخذ المناسبة معنى مزدوجاً: الاحتفال بالملك بوصفه رأس المؤسسة الملكية، والاحتفال بالشباب بوصفه أبناء الأسرة الوطنية. أي أن مفهوم «العائلة» يمكن أن ينتقل رمزياً من الأسرة الملكية إلى المجتمع الوطني.

    -عيد الشباب والعائلة كرمز للاستمرارية

تكمن أهمية عيد الشباب في المغرب في أنه يجمع بين مناسبة وطنية وميلاد الملك. وهذا الربط يسمح بتحويل حدث عائلي ـ شخصي، هو ميلاد الملك، إلى مناسبة سياسية ووطنية جماعية. ومن هنا تنشأ سلسلة رمزية مهمة:

ميلاد الملك – الأسرة الملكية – تعاقب الأجيال – الشباب – مستقبل الدولة. فالملك لا يظهر فقط باعتباره صاحب السلطة في الحاضر، وإنما باعتباره حلقة في سلسلة عائلية متصلة تاريخياً. ويأتي ولي العهد ليجسد الحلقة التالية في هذه السلسلة. فالعائلة تجعل الاستمرارية قابلة للتجسيد. إذ أن الاستمرارية السياسية مفهوم مجرد، لكن الأسرة تجعلها مرئية ومحسوسة.فبدلاً من أن تكون استمرارية الملكية مجرد استمرار لمؤسسة دستورية، تصبح أيضاً استمراراً للأسرة الملكية عبر الأجيال: ملك – ولي عهد – ملك مقبل. وهذا يمنح المؤسسة الملكية قدرة على تقديم المستقبل السياسي باعتباره امتداداً للحاضر، وليس قطيعة معه.

   – عيد الشباب وربط الاستمرارية الملكية بالاستمرارية الجيلية

وهنا تكمن خصوصية هذه  المناسبة. فالعائلة الملكية تقدم الاستمرارية من أعلى، بينما الشباب المغربي يمثل الاستمرارية من أسفل. لذلك يمكن قراءة عيد الشباب كحلقة وصل بين: استمرارية الأسرة الملكية واستمرارية المجتمع. فالملك الذي يحتفل بعيد ميلاده لا يمثل فقط جيلاً ملكياً معيناً؛ وإنما تُربط المناسبة بالشباب، أي بالجيل الذي سيحمل الدولة إلى المستقبل.

    – عيد الشباب والأسرة الملكية بوصفها «ذاكرة حية»

يمكن النظر إلى الأسرة الملكية باعتبارها نوعاً من الذاكرة السياسية الحية. فالأسرة تربط الحاضر بسلسلة من الملوك السابقين، وبالتالي تسمح بتمثيل الملكية ليس باعتبارها نظاماً بدأ مع الملك الحالي، وإنما باعتبارها استمرارية تاريخية تتجاوز الأشخاص. وهذا مهم جداً في إنتاج الشرعية الرمزية: فالملك الحالي لا يقدم نفسه كحدث منفصل، بل كحلقة في تاريخ ملكي ممتد. فعيد الشباب ليس مجرد وجود احتفال بعيد ميلاد الملك الذي يتم الاحتفال به في كل الأنظمة الملكية سواء كانت أوربية كالملكية البريطانية وغيرها أو الملكيات الاسيوية كالنظام الامبراطوري في اليابان أو الملكي  بالتيلاند بل هو احتفال من خلال ثلاثة مستويات:

الاحتفال بالملك كشخص ، والاحتفال بكيان عائلي من خلال الأسرة الملكية ، والاحتفال بكيان سياسي من خلال المؤسسة الملكية التي تجسد الدولة والأمة. وبالتالي ، فكلما انتقلنا من الشخص إلى المؤسسة، أصبح الاحتفال أقل ارتباطاً بالميلاد الشخصي وأكثر ارتباطاً باستمرارية الدولة والملكية. وهذا يجعل عيد الشباب بالمغرب حالة جديرة بالدراسة المقارنة: فهو لا يقتصر على «عيد ميلاد الملك»، وإنما يربط ميلاد الملك بالشباب، أي بجيل المستقبل؛ وهي صيغة رمزية مختلفة عن الصيغة اليابانية والتايلاندية والبريطانية.

2-الرمزية السياسية الجديدة للاحتفال بعيد العرش

تكتسب المناسبة أهمية إضافية بسبب موقعها في تسلسل الأعياد الوطنية: 30 يوليوز: عيد العرش، و 14 غشت: ذكرى استرجاع وادي الذهب، و 20 غشت ذكرى ثورة الملك والشعب، و 21 غشت: عيد الشباب. وهذا التجاور ليس مجرد ترتيب زمني؛ فهو يسمح بقراءة شهر غشت باعتباره سلسلة من الرموز المرتبطة بالدولة والعرش والوطن والمجتمع والشباب. والمصادر الرسمية المغربية نفسها تربط بين هذه المناسبات في بناء سردية متكاملة حول الدولة الوطنية والتجديد. لذا يمكن القول إن عيد الشباب يؤدي وظيفة رمزية مزدوجة:

أولاً: إدماج الشباب في السردية الوطنية، حيث  يقدم الشباب دم باعتباره قوة المستقبل، والطاقة المنتجة،  وحامل مشروع بناء الدولة.

فقد كان عيد الشباب، في عهد الملك الحسن الثاني، مرتبطاً بقوة بميلاد الملك وبـاستمرارية الملكية، لكنه كان أيضاً يُقرأ ضمن مشروع بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال. حيث كانت دلالاته الأساسية تدور حول:

*تعبئة الشباب حول الدولة والعرش؛

*إبراز الملك باعتباره رمزاً للاستمرارية الوطنية؛

*تقديم الشباب باعتباره قوة المستقبل وبناة الدولة؛

*تعزيز الوحدة الوطنية في سياق سياسي اتسم بتوترات وصراعات حادة؛

*ربط الشباب بالتربية الوطنية والخدمة العامة والجيش والتنمية.

وبعبارة أخرى، كان الخطاب أقرب إلى «الشباب الذي ينبغي أن يندمج في مشروع الدولة».

ثانياً: ربط التجدد الاجتماعي باستمرارية المؤسسة الملكية. فالاحتفال الذي بدأ مرتبطاً بولي العهد أصبح اليوم مرتبطاً بميلاد الملك، وبالتالي أصبح الشباب والملكية متجاورين رمزياً في المناسبة الوطنية.

فمع  الملك محمد  السادس تغير السياق. فالشباب أصبح مرتبطاً أكثر بقضايا: التشغيل، التعليم، التنمية البشرية، المقاولة، الثقافة، الرياضة، المشاركة السياسية، والاندماج الاجتماعي.وهذا يعكس تحولاً في طبيعة الخطاب:من الشباب كقوة للتعبئة الوطنية إلى الشباب كموضوع للسياسات العمومية وشريك في التنمية. وهذا لا يعني اختفاء البعد الملكي للمناسبة؛ بل إن عيد الشباب ظل مرتبطاً بعيد ميلاد الملك، لكنه أصبح يُقرأ أكثر ضمن خطاب التنمية والعدالة الاجتماعية وتمكين الشباب. لكن التحول الأعمق كان في تغير صورة الشباب نفسه. في عهد  الملك الحسن الثاني كان تصور الشباب أقرب إلى: شباب جماعي ودولة و وطن و ملكية، أما اليوم فقد أصبح الشباب أكثر فردانية وتنوعاً: شباب / تعليم/عمل/هجرة/ثقافة/رياضة/فضاء رقمي / دولة. والأهم أن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي خلق شباباً يستطيع أن يخاطب الدولة مباشرة أو ينتقدها أو يسخر منها أو ينظم نفسه خارج الأطر التقليدية.وهذا يجعل عيد الشباب اليوم يواجه مفارقة جديدة: الدولة تخاطب الشباب باعتباره شريكاً في المستقبل، بينما الشباب نفسه أصبح يمتلك أدوات للتعبير عن تصوره الخاص لذلك المستقبل. لذلك لا ينبغي تفسير الاختلاف بأنه مجرد تغير في الاحتفالات : فالاختلاف بين العهدين يعكس تحولاً في العلاقة بين الدولة والشباب.

حيث يمكن تلخيص المسار هكذا:

الملك الحسن الثاني: الشباب = التعبئة + الوطنية + الاستمرارية + بناء الدولة

الملك محمد السادس: الشباب = التنمية + الإدماج + المشاركة + التمكين

لكن المرحلة الرقمية تضيف بعداً ثالثاً: الشباب اليوم = فاعل اجتماعي وسياسي ورقمي. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً من مجرد دراسة طقوس عيد الشباب: فهناك تحولاً مهماً اليوم يرتبط بهذه المناسبة ،فالشباب المغربي المعاصر ليس هو فقط الشباب الذي تستهدفه الدولة ببرامج التشغيل والتكوين والثقافة والرياضة، وإنما هو      أيضاً: ناخب محتمل؛ و مواطن رقمي؛ و مشارك في النقاش العمومي؛ و قادر على التعبئة عبر شبكات التواصل.  وقد يكون عازفاً عن الأحزاب والانتخابات لكنه شديد الحضور في المجال الرقمي. ولهذا فإن عيد الشباب نفسه يمكن أن يصبح موضوعاً لدراسة التحول من السياسة الموجهة إلى الشباب إلى السياسة التي يمارسها الشباب. فالدولة تحتفل بالشباب باعتباره مستقبل الحياة السياسية، بينما الشباب نفسه يعيد تعريف السياسة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي خارج الأطر السياسية التقليدية. وهذه المفارقة تجعل عيد الشباب مناسبة مناسبة جداً لدراسة الفجوة أو المسافة بين الخطاب الرسمي حول الشباب وبين أشكال التعبير السياسي التي يطورها الشباب أنفسهم. ففي سنة  2025، مثلاً، قدم الخطاب الرسمي للمناسبة الشباب باعتباره قوة دافعة للتنمية، مع التأكيد على المشاركة السياسية والاقتصادية للشباب. لذلك يمكن أن يكون السؤال الأكاديمي الأعمق ليس فقط: «ماذا يعني عيد الشباب في المغرب؟»، بل: «كيف انتقل عيد الشباب من مناسبة لتعبئة الشباب حول الدولة الوطنية والملكية إلى مناسبة تطرح سؤال علاقة الدولة بجيل جديد يعيد تعريف المشاركة السياسية خارج المؤسسات التقليدية؟» وهذا السؤال يربط بشكل مباشر بين عيد الشباب، وأزمة الوساطة الحزبية، والعزوف الانتخابي، والمشاركة الرقمية. وهكذا فالاختلاف بين الاحتفال بعيد الشباب في عهد الحسن الثاني وعهد محمد السادس يحمل دلالة سياسية مهمة، لأن المناسبة نفسها انتقلت من سياق تاريخي إلى سياق اجتماعي وسياسي مختلف.