شعبوية عبد اللطيف وهبي والمصلحة الفضلى للقاصرين المغاربة في إسبانيا
وجهة نظر

شعبوية عبد اللطيف وهبي والمصلحة الفضلى للقاصرين المغاربة في إسبانيا

أثارت التصريحات الأخيرة لوزير العدل المغربي، عبد اللطيف وهبي، الموجهة إلى السلطات الإسبانية بشأن الهجرة السرية للقاصرين غير المصحوبين، موجة من النقاش والجدل العمومي والسياسي والحقوقي.

الوزير خاطب مدريد قائلا (حسب تصريحه) : “إذا كنتم تريدون للأطفال أن يعيشوا مستقبلا أفضل، فخذوهم مع عائلتهم” ، معتبرا أن فصل الأطفال عن محيطهم الطبيعي بدعوى حمايتهم هو بمثابة “جريمة إنسانية”.

إن هذه المقاربة، رغم ما تبدو عليه من مسحة عاطفية ودفاع عن تماسك الأسرة، تفتح الباب واسعا أمام تساؤلات قانونية وحقوقية معقدة. فهل تتماشى هذه الرؤية مع أدبيات القانون الدولي لحقوق الإنسان؟ وأين تقع المصلحة الفضلى للطفل في هذه المعادلة السياسية المستعصية بين الرباط ومدريد؟

ترحيل مشروط بالأسرة؟

ينطلق تصريح وزير العدل من خلفية سياسية تحاول إلقاء الكرة في مرمى الجانب الأوروبي، ردا على الضغوط الإسبانية المتكررة الرامية لتسهيل عمليات الترحيل الجماعي للقاصرين الذين يتدفقون عبر ثغري سبتة ومليلية المحتلتين أو قوارب الهجرة.

من الناحية السياسية، يسعى الخطاب المغربي الرسمي إلى تفكيك السردية الأوروبية القائمة على “الأبوية الحقوقية”، والتي تقدم الدول المستضيفة كملجأ وحيد لحماية الطفولة، بينما تحاول إظهار بلدان المنشأ كبيئات طاردة وغير آمنة.

بيد أن هذه المقاربة تضع شروطا تعجيزية أمام الجانب الإسباني؛ فالمطالبة بنقل عائلات بأكملها إلى الضفة الأخرى تبدو أمنية سياسية أكثر منها حلا قابلا للتطبيق في ظل القوانين المنظمة للهجرة والحدود الصارمة للاتحاد الأوروبي.

إن هذا الطرح يثير إشكالية بنيوية في فهم طبيعة ظاهرة هجرة القاصرين، إذ إنه يتعامل مع الطفل وكأنه مجرد امتداد مادي لعائلته، وليس كذات قانونية مستقلة تحظى بحماية دولية خاصة تستوجب فحصا فرديا دقيقا لكل حالة على حدة قبل اتخاذ أي قرار بترحيله أو إبقائه.

علاوة على ذلك، فإن الخطاب يغفل تعقيدات القانون الداخلي الإسباني نفسه، وتحديدا قانون الأجانب (Ley de Extranjería)، الذي يفرض مساطر صارمة ومعقدة قبل اتخاذ أي قرار بالترحيل، حيث يشترط موافقة النيابة العامة الإسبانية وتقارير مفصلة من خدمات الرعاية الاجتماعية المحلية للتأكد من عدم وجود خطر على الطفل في بلد المنشأ. وبالتالي، فإن اختزال الأزمة في مجرد “اشتراط نقل العائلات” يبسط مسألة قانونية وإدارية شديدة التعقيد في كلا البلدين.

المصلحة الفضلى للطفل والحسابات الدبلوماسية

عند إخضاع تصريحات وزير العدل لشرطية الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لعام 1989، والتي يعد المغرب وإسبانيا من الأطراف الموقعة عليها، نجد تصادما واضحا بين المنطقين الحقوقي والسياسي. المادة الثالثة من هذه الاتفاقية تنص بشكل صريح على ضرورة إيلاء “المصلحة الفضلى للطفل” الاعتبار الأول في جميع الإجراءات التي تتخذها مؤسسات الرعاية الاجتماعية أو المحاكم أو السلطات الإدارية. وهنا يكمن وجه الخطأ في مقاربة الوزير؛ فالمصلحة الفضلى لا يمكن تحديدها بصفة جماعية أو عبر قرارات سياسية عامة، بل تتطلب تقييما فرديا شاملا لبيئة الطفل.

إن إصرار الوزير على أن إبقاء الطفل في إسبانيا دون عائلته هو “جريمة إنسانية” يغفل جانبا مظلما من الواقع الاجتماعي. ففي كثير من الأحيان، تفوق المخاطر التي قد يواجهها الطفل عند عودته إلى بيئته الأصلية (من فقر وهشاشة، انقطاع عن الدراسة، أو حتى ضغوط أسرية دفعته للهجرة… ) مخاطر البقاء في مراكز الإيواء الأوروبية رغم عيوبها.

القانون الدولي لا يرى في التجمع العائلي هدفا أعمى ينفذ على حساب أمان الطفل؛ فإذا كانت العودة إلى كنف العائلة تعني رجوع القاصر إلى مستنقع التهميش والضياع دون ضمانات تنموية حقيقية، فإن ترحيله القسري تحت ذريعة “الدفء الأسري” يصبح هو الانتهاك الحقيقي لحقوقه الأساسية المعترف بها دوليا.

وتعزز المادة 12 من الاتفاقية هذا الطرح بنصها على حق الطفل في التعبير عن آرائه بحرية في جميع المسائل التي تخصه، وأخذ هذه الآراء بعين الاعتبار وفقا لسنه ونضجه. إن فرض الترحيل التلقائي أو المشروط دون الاستماع الفردي للطفل وبحث دوافعه العميقة للهروب، يعطل هذا المبدأ الحقوقي الجوهري، ويحول الأطفال إلى أرقام في ملفات تفاوضية بين الدول بدل معاملتهم كأصحاب حقوق أصليين.

أين تقع مسؤولية الدولة المغربية؟

تضع هذه التصريحات الدولة المغربية أمام مرآة مسؤوليتها القانونية والتزاماتها الدستورية. فالدستور المغربي صريح في التنصيص على سمو المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية فور نشرها، كما يؤكد على التزام الدولة بحماية الطفولة. بناء على ذلك، لا يمكن للحكومة أن تعفي نفسها من المسؤولية عن تزايد ظاهرة هجرة القاصرين بإلقاء اللوم على التعقيدات المسطرية الإسبانية أو عبر اقتراح حلول غير واقعية تدمج العائلات في مسارات اللجوء والهجرة.

المسؤولية القانونية للمغرب تبدأ من الداخل؛ وتتمثل في تفعيل السياسات العمومية المندمجة لحماية الطفولة، والحد من الهدر المدرسي، ومحاربة الفقر الذي يضرب الأسر في العمق ويحولها إلى قوة دافعة لأبنائها نحو قوارب الموت.

إن مطالبة الجانب الإسباني باستقبال عائلات الأطفال تبدو وكأنها اعتراف ضمني بعجز السياسات العمومية الوطنية عن توفير بيئة عيش كريمة تضمن للطفل البقاء والنمو داخل وطنه، وهو الحق الأصيل الذي تكفله المادة السادسة من اتفاقية حقوق الطفل. إن حماية القاصرين ليست التزاما تفاوضيا يدار بمنطق المقايضة السياسية مع دول الجوار، بل هي واجب دستوري وأخلاقي ثابت يقع على عاتق مؤسسات الدولة المغربية قبل غيرها.

وتتضاعف هذه المسؤولية بالنظر إلى المقتضيات الجنائية الوطنية، وتحديدا القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الإتجار بالبشر، والذي يفرض على الدولة آليات حمائية صارمة للأطفال الضحايا أو المعرضين للمخاطر. فالقاصر الذي يفر عبر الحدود هو في الغالب ضحية لشبكات تهريب أو لظروف اجتماعية قاهرة، مما يجعل حمايته القانونية والاجتماعية في موطنه واجبا أوليا يسبق أي عتاب دبلوماسي موجه للخارج.

أبعد من العواطف السياسية..

في المحصلة، يتبين أن تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي حملت تشخيصا مجتزءا، حيث غلبت المنطق السياسي والعاطفي لـ”التجمع العائلي” على حساب القواعد القانونية الجافة والصارمة التي تحكم حقوق الطفل عالميا.

إن القول بأن فصل الطفل عن عائلته جريمة هو نصف الحقيقة؛ أما النصف الآخر الأكثر مرارة، فهو أن دفع الأطفال للمجازفة بأرواحهم في البحار هربا من واقع معيشي بائس هو الجريمة الحقيقية التي يجب الانكباب على معالجتها وتحديد المسؤوليات القانونية بشأنها.

إن المخرج الحقيقي من أزمة القاصرين غير المصحوبين لا يكمن في السجالات الإعلامية أو الشروط التعجيزية، بل في صياغة مقاربة ثنائية حقيقية بين المغرب وإسبانيا، ترتكز بشكل صارم على التقييم القضائي والحقوقي الفردي لكل قاصر.

وبالضرورة يجب أن تضمن هذه المقاربة توفير بدائل تنموية وتعليمية ملموسة داخل المغرب لكل طفل يتقرر أن مصلحته الفضلى تقتضي العودة، بالتوازي مع تفعيل مراقبة قضائية مستقلة تضمن ألا تنتهك كرامة الطفولة المغربية في طيات الحسابات الجيوسياسية الضيقة بين ضفتي المتوسط.