صدر عن السيد وزير النقل واللوجستيك القرار رقم 640.26 الصادر في 7 شوال 1447 (26 مارس 2026)، بتغيير وتتميم قرار وزير التجهيز والنقل رقم 2711.10 المتعلق بتسجيل المركبات ذات محرك والمقطورات، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7531 بتاريخ 3 غشت 2026، وأثار هذا القرار نقاشا دستوريا وقانونيا مهما يتعلق بمكانة اللغة الأمازيغية في أعمال السلطة التنظيمية. كما أنه ينتقد في تكريسه للأرقام الدالة على الاقاليم والعمالات في نظري، وهو ما سنشرحه أدناه.
فالقرار المذكور، أعاد تنظيم عدد من الجوانب المتعلقة بلوحات تسجيل السيارات، ومن بينها اعتماد الحرف العربي وإضافة ما يقابله بالحرف اللاتيني، إلى جانب الرمز الدولي للمغرب “MA” غير أن النموذج الجديد لم يتضمن حرف تيفيناغ، وهو ما يطرح سؤالا حول مدى انسجام هذا الاختيار مع الوضع الدستوري للأمازيغية باعتبارها لغة رسمية للدولة.
ولابد أن نفهم الأساس القانوني لاستعمال الحرف اللاتيني أولا، ثم التساؤل عما إذا كان ذلك يبرر عدم حضور حرف تيفيناغ، وما إذا كانت السلطة التنظيمية، وهي تضع نموذجا جديدا للوحة تسجيل المركبات، ملزمة بمراعاة الوضع الدستوري للغتين الرسميتين للدولة.
ينص الفصل الخامس من دستورنا لسنة 2011 على أن العربية تظل اللغة الرسمية للدولة، وأن الدولة تعمل على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها، ثم يقرر أن “الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء”.
ولا تكمن أهمية هذا الفصل في مجرد الاعتراف بالأمازيغية، وإنما في الصفة التي منحها لها الدستور، باعتبارها لغة رسمية للدولة، وليس لغة جهوية أو محلية مرتبطة بمنطقة معينة.
ولم يكتف الدستور بهذا الإعلان، بل أحال على قانون تنظيمي يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية. وفي هذا الإطار صدر القانون التنظيمي رقم 26.16.
وتزداد أهمية هذا الأساس القانوني عند الرجوع إلى قرار المحكمة الدستورية رقم 97/19 م.د الصادر بتاريخ 5 شتنبر 2019، المتعلق بمراقبة مطابقة القانون التنظيمي رقم 26.16 للدستور. فقد استخلصت المحكمة من الفصل الخامس مبدأ تساوي اللغتين العربية والأمازيغية في طابعهما الرسمي، كما أكدت أن الأمازيغية، في مدلول القانون التنظيمي، هي اللغة الأمازيغية المعيارية الموحدة المكتوبة والمقروءة بحرف تيفيناغ.
ويجب الـتأكيد في هذا الصدد أن العلاقة بين الأمازيغية وتيفيناغ ليست، في إطار هذا النقاش، مجرد علاقة ثقافية أو رمزية، وإنما لها أساس قانوني يستند إلى القانون التنظيمي وإلى التفسير الذي أعطته المحكمة الدستورية لمفهوم اللغة الأمازيغية الرسمية.
وقد ترجم القانون التنظيمي رقم 26.16 هذا الاختيار الدستوري إلى التزامات عملية. فالمادة 27 منه تنص على استعمال الأمازيغية إلى جانب العربية في اللوحات وعلامات التشوير المثبتة على واجهات ومداخل مقرات الإدارات والمرافق العمومية والمؤسسات والمنشآت العمومية، كما تشمل المطارات والمحطات والطرق والموانئ والفضاءات العمومية.
ولعل للتاريخ في هذه النقطة بالضبط شيئا من السخرية التي لا تحتاج إلى كثير من التعليق. ففي بداية ثمانينيات القرن الماضي، وضع الأستاذ حسن إد بلقاسم، المحامي بهيئة الرباط وأحد المدافعين عن الأمازيغية، على مدخل مكتبه لوحة تعريفية كتب عليها اسمه ومهنته بالعربية والفرنسية والأمازيغية بحرف تيفيناغ، فتمت إزالة اللوحة واقتياده للتحقيق. وقد روى هو نفسه، بعد أزيد من أربعة عقود، أنه قضى بسبب ذلك أسبوعا كاملا في مخفر الشرطة.
وكم من مرة صادفت، وأنا أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، صورة للأستاذ حسن إد بلقاسم وهو يلتقط صورة “سيلفي” أمام إحدى المحاكم التي كتب اسمها بحرف تيفيناغ، وعلى وجهه ابتسامة يمكن قراءتها بكل القراءات الممكنة. انتصار، سخرية، عتاب اختر ما شأت، فالحرف الذي قاده بالأمس القريب إلى مخفر الشرطة صار اليوم فوق باب المحكمة وباب المخفر نفسه.
وتنص المادة 28 من القانون التنظيمي المشار اليه فيما سبق على ما يفيد أن العلامات الخاصة بمختلف وسائل النقل التي تقدم خدمات عمومية أو التابعة لمصالح عمومية تكتب بالأمازيغية إلى جانب العربية، وتذكر على وجه الخصوص: سيارات وناقلات المصالح العمومية، ولا سيما الأمن الوطني والدرك الملكي والوقاية المدنية والقوات المساعدة وسيارات الإسعاف، والسيارات والناقلات المخصصة للخدمات العمومية أو المرخص لها بذلك، ثم الطائرات والسفن المسجلة بالمغرب، والقطارات.
غير أن الموضوعية تقتضي التمييز بين هذه اللوحات وبين لوحات تسجيل السيارات. فالمادة 27 من القانون التنظيمي لا تنص صراحة على أن لوحة تسجيل كل سيارة او مركبة يجب أن تتضمن تيفيناغ، كما أن المادة 28 تتعلق بواجهات وسائل النقل التي تقدم خدمات عمومية أو التابعة للمصالح العمومية وليس بلوحات تسجيلها. ولذلك لا يبدو سليما من الناحية القانونية القول إن القرار الجديد خالف مباشرة نصا صريحا يأمر بكتابة لوحة تسجيل كل سيارة خاصة بتيفيناغ.
وهنا ينتقل النقاش من مخالفة نص صريح إلى مسألة أكثر دقة، وهي مدى انسجام ممارسة السلطة التنظيمية مع المبادئ الدستورية والقانونية الأعلى منها.
ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال دون معرفة سبب وجود الحرف اللاتيني أصلا في لوحة التسجيل، تحريا للموضوعية العلمية طبعا.
وفي هذا الصدد، فقد انضم المغرب إلى اتفاقية فيينا بشأن السير على الطرق، المبرمة في 8 نونبر 1968، بإيداع وثيقة انضمامه لدى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 29 دجنبر 1982، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة إليه بتاريخ 29 دجنبر 1983. كما قدم المغرب تصريحا، تطبيقا للفقرة الرابعة من المادة 45 من الاتفاقية، اختار بموجبه الحرفين اللاتينيين “MA” علامة مميزة للمركبات المسجلة بالمغرب في السير الدولي. وهذه الإشارة مهمة في موضوعنا، لأنها تبين أن استعمال “MA” بالنسبة للمركبات المغربية ليس اختيارا حديثا جاء به القرار الجديد، وإنما يرتبط باختيار دولي رسمي أعلنه المغرب عند انضمامه إلى الاتفاقية، أي قبل ترسيم اللغة الأمازيغية بموجب دستور 2011.
أما الفقرة الأولى من الملحق رقم 2 من الاتفاقية نفسها، والمتعلق برقم ولوحة تسجيل المركبات ذات المحرك والمقطورات في السير الدولي، فتحيل على رقمي التسجيل المشار إليهما في المادتين 35 و36، وتقرر أن رقم التسجيل يتكون إما من أرقام أو من أرقام وحروف، وأن الأرقام المستعملة تكون بالأرقام العربية المتداولة دوليا، والحروف بأحرف لاتينية كبيرة.
غير أن الفقرة نفسها تضيف مقتضى بالغ الأهمية بالنسبة لموضوعنا، إذ تجيز صراحة استعمال أرقام أو حروف أخرى وطنية، على أن يعاد، في هذه الحالة، رقم التسجيل بالأرقام العربية وبالحروف اللاتينية الكبيرة.
وهذا التفصيل يغير كثيرا من طريقة طرح المسألة.
فوجود الحروف اللاتينية على اللوحة المغربية له أساس وظيفي دولي، ولا يصح وصفه ببساطة بأنه تفضيل “لغة أجنبية” على اللغة الأمازيغية. فالحرف اللاتيني هنا ليس لغة فرنسية أو إنجليزية، وإنما نظام كتابة اتفق عليه دوليا يضمن قابلية قراءة رقم التسجيل والتعرف عليه في السير الدولي.
لكن الفقرة الأولى من الملحق رقم 2 لاتفاقية فيينا، في المقابل، لا تحظر استعمال نظام كتابة آخر إلى جانب الصيغة الدولية المطلوبة. بل إنها تتصور صراحة إمكانية استعمال حروف أخرى وطنية.
ومن هنا يظهر جليا أن اتفاقية فيينا تفسر لماذا يحتاج المغرب إلى الحروف اللاتينية، لكنها لا تقدم، في حد ذاتها، مبررا لاستبعاد تيفيناغ.
فوجوب وجود الحروف اللاتينية لا يعني استبعاد تيفيناغ، ويظل من الممكن من حيث المبدأ الجمع بين متطلبات التعرف الدولي وبين استعمال نظام كتابة وطني آخر، متى كان ذلك ممكنا من الناحية التقنية.
أما القانون المقارن، فمن المفيد استحضاره هنا بحذر، لأن المقارنة على أساس عدد اللغات الرسمية وحده قد تقود إلى نتائج غير دقيقة. فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد اللغات، وإنما أيضا بأنظمة الكتابة المستعملة وبالوظيفة التقنية التي تؤديها لوحة التسجيل.
ففي فنلندا، تعد الفنلندية والسويدية لغتين وطنيتين، وكلتاهما تكتبان بالأبجدية اللاتينية، ومن ثم تعتمد لوحات تسجيل السيارات على الحروف اللاتينية والأرقام دون أن يطرح ذلك إشكالا يتعلق بالمفاضلة بين أبجديتين مختلفتين. والأمر نفسه تقريبا في بلجيكا، حيث توجد ثلاث لغات رسمية هي الهولندية والفرنسية والألمانية، وجميعها تكتب بالأبجدية اللاتينية، ونفس الامر نجده في سويسرا وكندا، لغات رسمية عديدة لكنها تكتب بحرف واحد.
وفي جنوب إفريقيا، فهي حالة لافتة بسبب تعدد لغاتها الرسمية، التي أصبحت اثنتي عشرة لغة بعد إضافة لغة الإشارة الجنوب إفريقية. غير أن اللغات الرسمية ذات الشكل الكتابي تستعمل في صورتها المعيارية المعاصرة الأبجدية اللاتينية، بينما الثانية عشرة لغة إشارة. ومن ثم، فإن اعتماد الحروف اللاتينية في لوحات السيارات لا يعني اختيار أبجدية إحدى اللغات الرسمية وإقصاء أبجدية مستقلة للغة رسمية أخرى.
وتقدم سنغافورة نموذجا مختلفا وأقرب إلى الإشكال المغربي من زاوية تعدد أنظمة الكتابة. فدستورها يقر بأربع لغات رسمية هي الماليزية والماندرين والتاميلية والإنجليزية، وهي لغات لا تشترك جميعها في نظام كتابة واحد، فالإنجليزية والماليزية الرسمية تستعملان الحرف اللاتيني، بينما تكتب الماندرين بالحروف الصينية والتاميلية بخطها الخاص. ومع ذلك، لا تعكس لوحات تسجيل السيارات السنغافورية هذا التعدد في أنظمة الكتابة، بل تقوم أساسا على الحروف اللاتينية والأرقام. وتكشف هذه التجربة أن الاعتراف الرسمي بلغات تكتب بأنظمة مختلفة لا يؤدي، في حد ذاته، إلى وجوب تمثيل جميع تلك الأنظمة على لوحة تسجيل السيارة.
وفي مقابل ذلك، تقدم بعض التجارب الآسيوية صورة أخرى. ففي اليابان، تتضمن لوحة تسجيل السيارة الكتابة اليابانية نفسها، إذ يظهر اسم منطقة التسجيل بحروف الكانجي، كما يستعمل حرف من الهيراغانا ضمن مكونات اللوحة، إلى جانب الأرقام. أما في الصين، فتجمع اللوحة بين حرف صيني يدل على المقاطعة أو الوحدة الإدارية المعنية، وحرف لاتيني، ثم سلسلة من الحروف اللاتينية والأرقام. وتبين هاتان التجربتان أن وجود نظام كتابة وطني غير لاتيني لا يشكل، في حد ذاته، مانعا تقنيا من إدراجه في لوحة تسجيل المركبة، وأن أنظمة كتابة مختلفة يمكن أن تجتمع داخل اللوحة بحسب الوظيفة التي يؤديها كل منها.
وهكذا يقدم القانون المقارن اتجاهين مختلفين: دولا تعترف بلغات رسمية متعددة، بل وبأنظمة كتابة مختلفة، دون أن تنقل هذا التعدد كله إلى لوحة السيارة، كما في سنغافورة، ودولا تدمج فعليا نظام كتابتها الوطني غير اللاتيني في اللوحة إلى جانب الأرقام أو الحروف اللاتينية، كما في اليابان والصين.
وهنا تظهر خصوصية الحالة المغربية. فالعربية لغة رسمية تكتب بالحرف العربي، والأمازيغية لغة رسمية تكتب، في مدلول القانون التنظيمي كما فسرته المحكمة الدستورية، بحرف تيفيناغ، بينما يضاف الحرف اللاتيني إلى لوحة التسجيل استجابة لمتطلبات التعرف الدولي على المركبة. فنحن أمام لغتين رسميتين بنظامي كتابة مختلفين، يضاف إليهما نظام كتابة ثالث تقتضيه الوظيفة الدولية للوحة.
ومن ثم، لا يمكن استخلاص قاعدة حاسمة من القانون المقارن. فتجربة سنغافورة تبين أن تعدد اللغات الرسمية واختلاف أنظمة كتابتها لا يفرضان بالضرورة ظهورها جميعا على لوحة السيارة، بينما تبين تجربتا اليابان والصين أن اختلاف نظام الكتابة عن الحرف اللاتيني لا يشكل في ذاته عائقا تقنيا أمام إدراجه. ولذلك لا يحسم القانون المقارن مشروعية القرار المغربي في هذا الاتجاه أو ذاك، وإنما يساعد على تحديد الإشكال بدقة: فالرسمية الدستورية للغة لا تعني بالضرورة حضورها في كل لوحة تسجيل، كما أن اختلاف أبجديتها لا يكفي وحده لتبرير استبعادها. ويبقى تحديد مدى مشروعية غياب تيفيناغ مرتبطا أساسا بالدستور المغربي والقانون التنظيمي رقم 26.16 ومبررات الاختيار الذي تبنته السلطة التنظيمية.
أما من حيث طرق الطعن، فإنني أرى أن النقاش حول هذا القرار لا ينبغي أن يبقى حبيس المقالات والنقاش العمومي، بل إن المكان الطبيعي لاختبار مدى مشروعيته هو القضاء. فالقرار الوزاري التنظيمي، وإن لم يكن قابلا للطعن المباشر أمام المحكمة الدستورية، يظل قرارا إداريا خاضعا لرقابة القضاء، وهو ما يجد أساسه الدستوري في الفصل 118 الذي قرر صراحة أن كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة.
وأرى أن الطريق القانوني المباشر لمواجهة القرار رقم 640.26 هو دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، متى توافرت شروطها القانونية. فالقرار لا يطبق داخل دائرة ترابية محدودة، وإنما يتعلق بنظام تسجيل المركبات على الصعيد الوطني، وهو ما يطرح مسألة الاختصاص القضائي وفق القواعد المنظمة للطعن في القرارات الإدارية ذات النطاق الوطني، ومن ثم فإن الطعن سيقدم امام محكمة النقض مباشرة.
أما من حيث أساس الطعن، فأعتقد أن هناك ما يكفي لطرح منازعة جدية في مشروعية الاختيار التنظيمي الذي استبعد تيفيناغ من النموذج الجديد. ولا أقصد بذلك أن عدم دستورية القرار نتيجة محسومة سلفا، فالفصل في ذلك للقضاء، وإنما أرى أن صدور القرار سنة 2026، بعد دستور 2011 والقانون التنظيمي رقم 26.16 وقرار المحكمة الدستورية رقم 97/19، يجعل من المشروع مساءلة الإدارة عن مدى استحضارها للمكانة الدستورية للأمازيغية عند وضع النموذج الجديد.
وسأجعل في صلب هذا الطعن السؤال الذي حاول هذا المقال الإجابة عنه: ما هو المبرر القانوني أو التقني الموضوعي لاستبعاد تيفيناغ؟ فإذا كانت اتفاقية فيينا تفرض قابلية قراءة رقم التسجيل بالحروف اللاتينية ولكنها لا تمنع استعمال حروف أخرى، وإذا لم يثبت وجود مانع تقني حقيقي يحول دون إدراج تيفيناغ، فإنني أرى أن على الإدارة أن تبرر لماذا اختارت نموذجا يحضر فيه الحرف العربي والحرف اللاتيني ويغيب عنه حرف اللغة الرسمية الثانية للدولة.
ومن هذه الزاوية، لا يتعلق الطعن بمجرد الدفاع عن حضور رمزي لتيفيناغ على لوحة السيارة، وإنما برقابة مدى احترام السلطة التنظيمية للقواعد الأعلى منها، وصحة الأسباب التي بنت عليها اختيارها، وحدود سلطتها التقديرية، ومدى تناسب استبعاد تيفيناغ مع الغاية التقنية التي تسعى إلى تحقيقها. فإذا قدمت الإدارة مبررات تقنية موضوعية وضرورية تفسر هذا الاستبعاد، فستكون تلك المبررات محل تقدير القضاء، أما إذا لم يوجد مثل هذا المانع، فإن مشروعية الاختيار تصبح، في تقديري، أكثر قابلية للمناقشة.
ولا أرى، في المقابل، أن الطريق السليم هو تقديم دفع بعدم دستورية القرار نفسه استنادا إلى الفصل 133 من الدستور، لأن هذا الفصل يتعلق بالدفع بعدم دستورية قانون يراد تطبيقه في نزاع ويكون من شأن تطبيقه المساس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور. أما ما نحن بصدده فهو قرار تنظيمي وزاري، ولذلك فإن الأداة القانونية التي أتبناها لمواجهته هي منازعة مشروعيته أمام القضاء الإداري، وفي مقدمتها دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة.
غير أن إعادة النظر في نموذج لوحات التسجيل تتيح، في تقديرنا، طرح سؤال آخر لا يقل أهمية: هل ما زلنا في حاجة إلى إظهار الرقم الدال على العمالة أو الإقليم على لوحة المركبات؟
فقد اكتسب هذا الرقم في الممارسة الاجتماعية المغربية دلالات تتجاوز وظيفته الإدارية، وأصبح وسيلة فورية للتعرف على الأصل الترابي لتسجيل المركبة، بل ومدخلا أحيانا لبعض الصور النمطية، ومنها ما يعبر عنه في التداول اليومي بـ”الحكرة”. فليست الدلالة الاجتماعية التي قد تعطى، مثلا، لسيارة تحمل رقم زاكورة هي نفسها بالضرورة التي تعطى لسيارة تحمل رقم الدار البيضاء أو الرباط.
أما على الطريق، فقد ارتبطت بعض أرقام الأقاليم في المخيال والممارسة اليومية بصور نمطية أخرى لا تقل إثارة، أرى أن تفصيلها قد يفتح ملفا يصعب إغلاقه، ويكفينا هنا أن نشير إلى أن رقم التسجيل لم يعد، في نظر الجميع، مجرد رقم محايد للتعريف بالمركبة بل يعبر عن أشياء كثيرة جدا.
ويمتد الأمر إلى سوق السيارات المستعملة، حيث يدخل مصدر تسجيل المركبة ضمن الانطباعات التي يكونها المشتري عن السيارة واستعمالها وقيمتها. وصدقوني فإن رقم الإقليم يرفع أو يخفض الثمن بصورة آلية، وهده تمثلات اجتماعية موجودة تستحق بدورها أن تؤخذ بعين الاعتبار عند إعادة التفكير في فلسفة لوحة التسجيل.
وكم من شخص يفعل المستحيل من أجل تسجيل سيارته بالرباط أو الدار البيضاء، لا لشيء إلا أن رقم الرباط أو الدار البيضاء سيمنحه قدرا أكبر من الاحترام في الطريق، وسيضفي على مركبته قيمة يعتقد أن رقم إقليم آخر قد لا يمنحها لها.
والسؤال القانوني والتنظيمي هنا بسيط: ما دامت الغاية الأساسية من اللوحة هي التعريف بالمركبة، فما الحاجة إلى أن تكشف للعموم عن العمالة أو الإقليم الذي سجلت فيه؟
لقد أصبح بالإمكان، في ظل رقمنة الإدارة وقواعد البيانات الوطنية، الاحتفاظ بكل المعلومات المتعلقة بمكان التسجيل والإقامة والوضعية القانونية للمركبة داخل قواعد البيانات المخصصة لذلك، دون ضرورة تحويلها جميعا إلى معلومات ظاهرة لكل من ينظر إلى السيارة في الطريق.
ومن هذه الزاوية، قد تكون مراجعة نظام اللوحات فرصة للذهاب أبعد من مجرد إضافة تيفيناغ، والتفكير في رقم تسجيل وطني محايد، لا يكشف عن العمالة أو الإقليم، وتحتفظ به المركبة طوال حياتها.
وتقدم التجربة الإسبانية مثالا واضحا ومفيدا في هذا الصدد. فقد عرفت إسبانيا، طوال عقود، نظاما للترقيم يكشف عن المقاطعة التي سجلت فيها المركبة، حيث كانت اللوحة تحمل رمزا يدل عليها، مثل الحرف B بالنسبة لبرشلونة. غير أنها تخلت سنة 2000 عن النظام الإقليمي وانتقلت إلى نظام وطني موحد، فأصبحت اللوحة العادية تتكون من أربعة أرقام وثلاثة أحرف، دون أن يكشف رقم التسجيل عن المقاطعة التي سجلت فيها السيارة. وتبين هذه التجربة أن الانتقال من ترقيم ذي دلالة ترابية إلى ترقيم وطني محايد ليس مجرد تصور نظري، وإنما خيار اعتمدته فعليا دولة قريبة من المغرب جغرافيا، بعدما ظلت لعقود تستعمل نظاما يقوم على تحديد مقاطعة التسجيل.
كما تقدم هولندا تجربة أقدم في الاتجاه نفسه. فقد كان تسجيل المركبات فيها يتم تاريخيا على مستوى المقاطعات، وكانت لكل مقاطعة علامة حرفية خاصة بها تظهر في رقم التسجيل. غير أن هولندا تخلت ابتداء من سنة 1951 عن هذا النظام، وانتقلت إلى تسجيل وطني مركزي، فأصبح رقم المركبة يتكون من تركيبة وطنية من الحروف والأرقام لا تكشف عن المقاطعة أو المدينة التي سجلت فيها. وتكتسب هذه التجربة أهمية بالنسبة للحالة المغربية، لأنها تبين أن المعلومة الترابية التي تحتاجها الإدارة يمكن أن تظل محفوظة في سجل المركبة وقواعد البيانات المخصصة لذلك، دون ضرورة تحويلها إلى عنصر ظاهر للعموم على لوحة التسجيل. وهكذا تصبح وظيفة اللوحة التعريف بالمركبة على المستوى الوطني، لا التعريف بأصلها الترابي.
وختاما، لا ينبغي أن ينتهي النقاش عند مجرد السؤال عما إذا كان القرار موضوع هذا المقال دستوريا أم غير دستوري، بل ينبغي البحث عن الحل الأكثر انسجاما مع مجموع القواعد التي تؤطر الموضوع.
فمن جهة، تقتضي قواعد السير الدولي أن يكون رقم التسجيل قابلا للقراءة بالأرقام العربية المتداولة دوليا والحروف اللاتينية الكبيرة، ومن جهة أخرى لا تمنع اتفاقية فيينا استعمال حروف أخرى، بل تجيز ذلك وفق الشروط التي حددها الملحق رقم 2. وفي الوقت نفسه، فإن الأمازيغية ليست مجرد مكون ثقافي أو لغة وطنية، وإنما لغة رسمية للدولة بمقتضى الفصل الخامس من الدستور، وقد جاء القانون التنظيمي رقم 26.16 لتنظيم تفعيل هذه الرسمية. وقد أكدت المحكمة الدستورية أن هذا القانون يستهدف تمكين الأمازيغية من القيام مستقبلا بوظيفتها بصفتها لغة رسمية.
ولذلك، فما دام لم يثبت وجود مانع تقني موضوعي وحقيقي يحول دون إدراج تيفيناغ في لوحة التسجيل، وما دامت اتفاقية فيينا لا تمنع استعمال حروف أخرى، فإن الحل الأكثر انسجاما مع روح الدستور هو البحث عن نموذج يوفق بين المتطلبات المختلفة بدل تقديمها وكأنها متعارضة: العربية والأمازيغية باعتبارهما لغتين رسميتين للدولة، والحرف اللاتيني لأداء الوظيفة التي تقتضيها قواعد السير الدولي.
ولا يعني ذلك أن أحدد الشكل التقني النهائي للوحة، فهذه مسألة ترجع إلى الجهات المختصة وتحتاج إلى الجمع بين الخبرة القانونية واللغوية والتقنية. فقد يكون الحل بإضافة المقابل بتيفيناغ للحرف العربي المستعمل في اللوحة، أو بإعادة ترتيب مكوناتها بما يسمح بحضور أنظمة الكتابة المعنية دون المساس بوضوح رقم التسجيل أو قابليته للقراءة الآلية ومتطلبات السلامة والسير الدولي.
بل قد تكون هذه المراجعة مناسبة لإصلاح أوسع: إدماج تيفيناغ، وإعادة النظر في الرقم الدال على العمالة أو الإقليم، والانتقال تدريجيا نحو رقم وطني محايد ودائم للمركبة. وبذلك تصبح اللوحة أداة للتعريف بالمركبة لا وسيلة للكشف عن انتمائها الترابي.
وإذا كنا نعيد اليوم التفكير في الحروف التي ينبغي أن تظهر على اللوحة، فربما يجدر بنا أيضا أن نفكر في الأرقام التي لم يعد هناك مبرر كاف لبقائها عليها. فلوحة التسجيل يفترض أن تعرف بالمركبة، لا بالعمالة أو الإقليم الذي جاءت منه. وإذا كانت الأمازيغية لغة رسمية للدولة، وكان حضور حرفها ممكنا قانونا وتقنيا، فما المبرر الموضوعي لاستبعاده من عمل تنظيمي جديد صادر عن الدولة نفسها؟