تعيش الدول لحظات دقيقة تفرض على الحكومات الارتقاء إلى مستوى انتظارات المواطنين، خاصة خلال الفترات التي تعرف ضغوطًا اقتصادية واجتماعية متراكمة. فالنجاح في إدارة الأزمات يرتبط بقدرة السياسات العمومية على حماية القدرة الشرائية، وخلق فرص الشغل، وصيانة كرامة الإنسان. وعندما تغيب هذه النتائج، تتسع المسافة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي، فتتراجع الثقة ويبحث المواطن عن منافذ أخرى لتحقيق تطلعاته.
المغرب عرف خلال السنوات الأخيرة تحديات اقتصادية معقدة، فرضت على السلطة التنفيذية مسؤولية ثقيلة في ابتكار حلول ناجعة تخفف آثار التضخم وتحاصر المضاربة وتعيد التوازن إلى الأسواق. غير أن الحصيلة، في نظر شريحة واسعة من المواطنين، لم ترتق إلى حجم الانتظارات. فقد واصل الغلاء ضغطه على الأسر، بينما استنزفت الزيادات المتتالية في أسعار المواد الأساسية القدرة الشرائية، فتحول تدبير المعيشة إلى معركة يومية بالنسبة إلى فئات كثيرة.
المفارقة ازدادت وضوحًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، إذ عاد النشاط الحزبي إلى الواجهة عبر لقاءات احتفالية وأنشطة جماهيرية، بينما ظل المواطن ينتظر أجوبة عملية عن أسئلة المعيشة والعمل والسكن والتعليم والصحة. هذا التباين عمّق الإحساس بأن الأولويات السياسية ابتعدت عن الأولويات الاجتماعية، وأن التواصل السياسي سبق الإنجاز الميداني.
القوارب التي اتجهت نحو سبتة حملت معها شهادة قاسية على حال جزء من الشباب المغربي. فالإنسان لا يضع حياته على كف البحر إلا بعد أن تستنفد سنوات الانتظار رصيده من الأمل. وعندما يغدو المجهول أكثر إغراءً من الواقع، فإن القضية تغادر حدود الهجرة لتتحول إلى سؤال كبير حول السياسات التي أوصلت شريحة واسعة إلى هذه القناعة.
السلطة التنفيذية تتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية السياسية عن هذا المناخ، لأنها تمتلك أدوات التدبير اليومي، وتدير القطاعات المرتبطة مباشرة بحياة المواطنين. لذلك ينتظر الرأي العام نتائج ملموسة أكثر من انتظاره للخطابات أو الحملات التواصلية. فالمواطن يحكم على الحكومات من خلال أثر قراراتها في جيبه ومستوى عيشه، وليس من خلال الشعارات التي ترفعها.
الملك محمد السادس ما فتئ يؤكد في مناسبات عديدة على ترسيخ الدولة الاجتماعية، وصيانة كرامة المواطن، وتحقيق العدالة المجالية، وإعطاء الأولوية للرأسمال البشري، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل المواطن محور السياسات العمومية. غير أن المتابع يلاحظ اتساع الفجوة بين هذه التوجيهات والنتائج المحققة في عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي فتح باب التساؤل حول نجاعة الأداء الحكومي وقدرته على تحويل تلك الرؤية إلى برامج تحقق أثرًا مباشرًا في حياة المواطنين.
قدرة الحكومة على استيعاب التوجيهات الاستراتيجية وترجمتها إلى نتائج ملموسة تمثل المعيار الحقيقي لأدائها. غير أن تعثر عدد من الأوراش الحيوية، وتفاقم الضغوط الاقتصادية، يفتحان باب التساؤل حول فاعلية التدبير العمومي ومدى انسجامه مع حجم التحديات المطروحة .
الأخطر من الأزمة الاقتصادية يتمثل في أزمة الثقة. فالدولة تستطيع مواجهة الصعوبات المالية عبر الإصلاح والتخطيط، أما استعادة ثقة الشباب فتحتاج إلى زمن أطول وإلى مؤشرات عملية تعيد إليهم الإيمان بأن الاجتهاد والعمل يفتحان أبواب المستقبل داخل الوطن. استمرار مشاهد الهجرة السرية يحمل رسالة واضحة مفادها أن فئة من الشباب لم تعد ترى في الواقع الحالي ما يكفي لبناء مشروع حياة مستقر.
المغرب يمتلك من الإمكانات والمؤهلات ما يسمح بتجاوز هذه المرحلة، غير أن ذلك يقتضي أداءً حكوميًا أكثر فاعلية، وسياسات اقتصادية واجتماعية تلامس حاجات المواطنين، وقدرة أعلى على ترجمة التوجيهات الملكية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في معيشه اليومي. فالمواطن لا ينتظر خطابات جديدة، وإنما ينتظر تحولًا حقيقيًا يعيد إليه الثقة، ويجعل الوطن فضاءً تتجدد فيه الآمال، بدل أن يتحول البحر إلى الوجهة التي يعلق عليها بعض الشباب أحلامهم المؤجلة.