منتدى العمق

أزمة الدولة ليست في السياسة.. بل في العقل الذي يصنع القرار

منذ سنوات، يدور النقاش العمومي في حلقة تكاد لا تنتهي. كل أزمة تُفسر بالسياسة، وكل تعثر يُرد إلى الحكومة، وكل إصلاح يقاس بقدرة الفاعلين السياسيين على الدفاع عنه أو تسويقه. وكأن الدولة تختزل في الحكومة، والحكومة تختزل في الوزير، والوزير يختزل في خطابه.

لكن ماذا لو كانت المشكلة في مكان آخر؟

ماذا لو كانت الأزمة الحقيقية لا تبدأ عند السياسي، بل قبل أن يصل إليه القرار أصلا؟
هذه ليست محاولة لتبرئة الفاعل السياسي، ولا دعوة إلى التقليل من أهمية الديمقراطية أو المؤسسات المنتخبة، وإنما محاولة لإعادة ترتيب الأسئلة. لأن الدول لا تفشل دائما بسبب نقص الإرادة السياسية، بل كثيرا ما تفشل بسبب ضعف المنظومة التي تنتج القرار نفسه.

أولا: لقد تغيرت الدولة أكثر مما تغيرت السياسة

في الماضي، كان القرار العمومي تعبيرا مباشرا عن إرادة السلطة. أما اليوم، فقد أصبح نتيجة شبكة معقدة من المعرفة والخبرة والإدارة والقانون والاقتصاد والتكنولوجيا. ولم يعد الوزير، مهما اتسعت صلاحياته، قادرا على اتخاذ قرار بمعزل عن هذه المنظومة.

ومع ذلك، لا يزال خطابنا السياسي يعيش بمنطق القرن الماضي. نناقش الأشخاص أكثر مما نناقش المؤسسات، ونحاسب الوجوه أكثر مما نحاسب اليات إنتاج القرار، ونبدل المسؤولين كلما تعثر مشروع، دون أن نسأل إن كانت المنظومة نفسها تنتج الأخطاء ذاتها.

وهنا يكمن الخلل الحقيقي.
إن الدولة لا تدار لحظة اتخاذ القرار، بل تدار لحظة إنتاج المعرفة التي يقوم عليها القرار. فقبل أن يتحول أي مشروع إلى قانون، أو أي إصلاح إلى سياسة عمومية، يكون قد مر عبر سلسلة طويلة من التشخيص، والتحليل، والتقدير، والتوقع، والتقييم. وإذا كانت هذه السلسلة ضعيفة، فلن ينقذ القرار أفضل السياسيين، ولن تعوض الإرادة ما غاب من معرفة.

ولهذا، فإن الفارق بين الدول لا يبدأ عند الانتخابات، بل يبدأ عند جودة العقل المؤسسي الذي يسبق الانتخابات ويستمر بعدها.

لقد انشغل الفكر السياسي طويلا بسؤال الشرعية، بينما أصبح السؤال الحاسم اليوم هو سؤال الكفاءة. فمن السهل أن تمنح الديمقراطية الشرعية لمن يحكم، لكن الأصعب أن تنتج من يعرف كيف يحكم.
وهنا تظهر المفارقة التي كثيرا ما نتجاهلها. فقد تنجح الديمقراطية في إنتاج ممثلين، لكنها قد تعجز عن إنتاج رجال دولة. وقد تفرز صناديق الاقتراع أغلبية سياسية، لكنها لا تضمن وجود نخبة قادرة على تحويل الوعود إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، والنتائج إلى ثقة متجددة في الدولة.

ثانيا: إن السياسة وحدها لا تبني التنمية.

الاقتصاد لا يتحرك بالخطب، والاستثمار لا يجذب بالشعارات، والإدارة لا تصلح بالنوايا الحسنة، والقوانين لا تغير الواقع بمجرد نشرها في الجريدة الرسمية. ما يغير الواقع هو القرار الجيد، والقرار الجيد لا يولد بالصدفة، بل هو حصيلة منظومة تجعل من الكفاءة قيمة، ومن المعرفة شرطا، ومن التقييم ممارسة يومية.

وفي المغرب، يبدو هذا الرهان أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة ليست مجرد مشاريع حكومية، بل رهانات دولة تمتد اثارها لعقود. ولذلك، فإن نجاحها لن يقاس بعدد النصوص القانونية، ولا بحجم الاعتمادات المالية، بل بقدرة المؤسسات على إنتاج قرار عمومي ينسق بين الرؤية السياسية، والكفاءة الإدارية، والخبرة التقنية.

ولهذا، فإن إصلاح الدولة لا يبدأ بتغيير الحكومات فقط، ولا بتعديل القوانين فقط، بل يبدأ بإصلاح البيئة التي يولد فيها القرار. يبدأ عندما تصبح المعرفة جزءا من السلطة، وعندما تتحول الكفاءة إلى معيار للتقدم، وعندما يصبح تقييم السياسات أهم من الاحتفاء بإطلاقها.

لقد ان الأوان لأن نغادر سؤالا استنزف الحياة السياسية: من يحكم؟

وأن ننتقل إلى سؤال أكثر عمقا: كيف يُصنع الحكم؟

فالفرق بين الدول التي تتقدم والدول التي تدور في المكان نفسه لا يكمن فقط في طبيعة أنظمتها السياسية، بل في طبيعة العقل الذي يقود مؤسساتها. ذلك العقل الذي لا يكتفي بإدارة الأزمات، بل يمنعها قبل أن تقع. ولا يكتفي بإصدار القرارات، بل يصنع شروط نجاحها.

إن مستقبل الدولة لن تحدده كثرة الانتخابات، ولا كثرة القوانين، ولا حتى كثرة الحكومات. سيحدده شيء أكثر هدوءا، لكنه أكثر تأثيرا: قدرتها على إنتاج عقل عمومي يجعل القرار سابقًا للأزمة، والمعرفة سابقة للسلطة، والكفاءة سابقة للموقع.

هناك تبدأ الدولة الحديثة.

وهناك فقط، يصبح الحديث عن التنمية حديثا عن مستقبل يصنع، لا عن أزمات تدار.