منتدى العمق

صيانة الوحدة الوطنية بالمغرب في مواجهة خطاب الكراهية والعصبية

تُعدُّ الوحدة الوطنية ركيزةً أساسية لاستقرار الدول وتقدمها، كما يُمثل التماسك المجتمعي أحد أهم مقومات التنمية المستدامة والأمن والاستقرار. وفي المغرب، الذي يتميز بتعدد روافده الحضارية والثقافية واللغوية، تبرز أهمية ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل والتعايش والتعاون، ونبذ جميع أشكال الكراهية والعصبية والتمييز، بما يحفظ وحدة المجتمع ويعزز قوته.

قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]. وتؤكد هاتان الآيتان الكريمتان أن وحدة الصف والتعاون بين أفراد المجتمع من أعظم أسباب القوة والاستقرار، بينما يؤدي التنازع والفرقة إلى إضعاف المجتمعات وإهدار طاقاتها.

ومن المظاهر التي تستحق الانتباه انتشار بعض الخطابات عبر شبكة الإنترنت التي تستهدف مكونات من المجتمع المغربي على أساس الانتماء العرقي أو اللغوي، ومن ذلك مهاجمة بعض المغاربة العرب لمجرد انتمائهم، أو محاولة تأجيج الصراعات بين مكونات الشعوب العربية والإسلامية. ومهما كانت دوافع هذه الخطابات، فإنها لا تخدم المصلحة الوطنية، بل قد تؤدي إلى تعميق الانقسام وإثارة الفتن، وهو ما يقتضي مواجهتها في إطار القانون، مع احترام الضمانات القانونية وحرية التعبير التي لا تشمل التحريض على الكراهية أو العنف.

كما أن الإساءة إلى الهوية الإسلامية للمغرب، أو توجيه الإهانات إلى المتدينين دون مبرر، أو السخرية من الرموز الدينية، كلها ممارسات من شأنها أن تزيد من الاحتقان داخل المجتمع.

وبالمثل، فإن أي خطاب يحرض على الكراهية أو يحتقر فئة من المواطنين بسبب معتقدهم أو انتمائهم الفكري أو الثقافي أو اللغوي، لا ينسجم مع قيم الاحترام المتبادل والعيش المشترك.

ويؤكد الإسلام هذه المبادئ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ…﴾ [الحجرات: 11]، كما يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فالاختلاف بين الناس سنة كونية، لكنه ينبغي أن يكون وسيلة للتعارف والتعاون، لا سببًا للصراع أو الإقصاء.

وفي المقابل، ينبغي أن يبقى النقاش العمومي قائمًا على الموضوعية والإنصاف، بعيدًا عن الانتقائية. فالنقد البناء حق مشروع، سواء تعلق بأداء الحكومة أو المعارضة أو أي مؤسسة أخرى، شريطة أن يكون قائمًا على الوقائع والحجج، لا على التجريح أو التشهير أو تصفية الحسابات أو الكيل بمكيالين.

ومن هذا المنطلق، فإن تطبيق القوانين المتعلقة بمكافحة التحريض على الكراهية والعنف والإساءة إلى الأشخاص أو المساس بالنظام العام يظل من مسؤولية المؤسسات المختصة، بما يحقق حماية المجتمع ويحفظ الحقوق والحريات في إطار دولة القانون.

وقال رسول الله ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره»، وقال ﷺ: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا… وكونوا عباد الله إخوانًا». وتؤكد هذه النصوص أن الإسلام يدعو إلى ترسيخ الأخوة والتراحم والاحترام المتبادل، ونبذ أسباب الفرقة والبغضاء.

وما يجمع المغاربة أكثر بكثير مما قد يفرقهم؛ فهم أبناء وطن واحد، يجمعهم تاريخ مشترك، ومؤسسات وطنية، وروابط اجتماعية وأسرية متينة، كما يتقاسمون قيم التضامن والتكافل، ويتميز مجتمعهم بتعدد روافده العربية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية والمتوسطية، وهي روافد أسهمت جميعها في تشكيل الشخصية المغربية عبر التاريخ.

كما أن الحوار في القضايا الفكرية والدينية ينبغي أن يقوم على العلم والاحترام، لا على السخرية أو الاستفزاز أو الإساءة. فالمجتمعات تتقدم بالحوار الرصين، وتبادل الحجج، واحترام الرأي المخالف، في إطار القانون والقيم الأخلاقية. ومن هنا تبرز أهمية أن يتحمل كل من يكتب أو ينشر في الفضاء الرقمي مسؤولية كلمته، لأن الكلمة قد تبني جسور الثقة، وقد تؤدي، إذا أسيء استخدامها، إلى نشر الفرقة والاحتقان.

ومن جهة أخرى، فإن نشر الوعي المجتمعي مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية، والأحزاب السياسية، وجمعيات المجتمع المدني. ولذلك فإن إشراك أساتذة التعليم العالي والخبراء والمتخصصين في وسائل الإعلام، وتنظيم الندوات والورشات واللقاءات التوعوية، يسهم في نشر المعرفة، وتعزيز ثقافة المواطنة، وترسيخ قيم الحوار واحترام القانون.

ومن المفيد كذلك أن يحرص كل فرد على الحديث فيما يحسن، وأن يحترم التخصصات العلمية والمعرفية، لأن احترام التخصص يسهم في الارتقاء بالنقاش العمومي، والحد من انتشار المعلومات غير الدقيقة، والتقليل من الانفعالات التي تزيد من حدة الخلافات.

وأخيرًا، فإن خدمة ساكنة المدن والقرى والجهات المغربية تقتضي قربًا حقيقيًا من المواطنين، وفهمًا لواقعهم واحتياجاتهم وتطلعاتهم. فالأقدر على الدفاع عن قضايا الناس هو من يعيش بينهم، ويستمع إليهم، ويسعى إلى تقديم حلول واقعية لمشكلاتهم، بعيدًا عن المزايدات والخطابات التي تعمق الانقسام.

إن مستقبل المغرب يظل رهينًا بقدرته على ترسيخ ثقافة الاحترام، وسيادة القانون، ونبذ الكراهية، وتعزيز الحوار المسؤول، وتقوية الثقة بين مكونات المجتمع، حتى تبقى الوحدة الوطنية رصيدًا مشتركًا يجمع جميع المغاربة، على اختلاف روافدهم وانتماءاتهم، في ظل قيم المواطنة والتعايش والتعاون، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].