منتدى العمق

المغرب الجديد… والسؤال القديم: هل أعاقت الحكومات تحويل الإنجاز إلى عدالة اجتماعية؟

لا يختلف اثنان حول حجم التحول الذي عرفه المغرب خلال العقدين الأخيرين. فقد توسعت البنيات التحتية، وتطورت الموانئ، وارتفعت جاذبية الاقتصاد الوطني، وتعززت مكانة المملكة إقليمياً وقارياً. غير أن هذا المسار يطرح سؤالاً ظل يتردد بإلحاح داخل المجتمع: لماذا لم يتحول جانب مهم من هذه المنجزات إلى تحسن ملموس في مستوى عيش أغلبية المواطنين؟

عند التمعن في مسار التدبير العمومي منذ سنة 2011، تتجه الأنظار نحو الحكومات المتعاقبة باعتبارها الحلقة التنفيذية التي أوكل إليها تنزيل السياسات العمومية، وتحويل الرؤى الاستراتيجية إلى نتائج اجتماعية واقتصادية يشعر بها المواطن. وهنا تظهر مفارقة لافتة؛ فقد واصل المغرب تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، بينما ظلت مؤشرات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الشعور بعدم تكافؤ الفرص، حاضرة بقوة في النقاش العمومي.

ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال التمييز بين الرؤية الاستراتيجية للدولة ومستوى تنزيلها التنفيذي. فقد حرص جلالة الملك محمد السادس، عبر الخطب الملكية والتوجيهات السامية وإطلاق الأوراش الوطنية الكبرى، على رسم معالم مشروع تنموي يقوم على تعزيز العدالة الاجتماعية، وإصلاح الإدارة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، ثم جاء النموذج التنموي الجديد ليشكل مرجعاً استراتيجياً يرسم مسار الإصلاحات الكبرى خلال العقود المقبلة. غير أن نجاح هذه الرؤية ظل رهيناً بقدرة الحكومات المتعاقبة على تحويلها إلى سياسات عمومية منسجمة وبرامج ناجعة وآليات تنفيذ فعالة. ولو تحقق تنزيل جزء معتبر من هذه التوجيهات والأوراش بالكفاءة المطلوبة، لكان أثر التنمية أكثر حضوراً في التشغيل، وتحسين القدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية، ولانعكس ذلك بصورة أوضح على الحياة اليومية للمواطنين.

لا يتعلق الأمر بغياب المشاريع، وإنما بضعف السياسات المصاحبة لها. فالاستثمار في البنية التحتية يحتاج إلى منظومة حكومية قادرة على تحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل، وتحسين الخدمات العمومية، ودعم المقاولات المنتجة، وتقوية الطبقة المتوسطة. وعندما تغيب هذه الحلقة، تتحول المشاريع الكبرى إلى إنجازات اقتصادية لا ينعكس أثرها الاجتماعي بالقدر الكافي.

أحد أبرز مظاهر الإخفاق تمثل في غياب الاستمرارية والانسجام في السياسات العمومية. فقد عرفت قطاعات عديدة إصلاحات متتالية، تغيرت معها الأولويات والبرامج والآليات بتغير الحكومات والأغلبيات، الأمر الذي أضعف تراكم النتائج، وأدى إلى هدر الزمن التنموي. فالسياسة العمومية الناجحة تحتاج إلى رؤية مستقرة تتجاوز الحسابات الانتخابية، بينما أفرز الواقع في محطات عديدة إصلاحات متسرعة أو متناقضة، لم تمنح الوقت الكافي لتقييم آثارها أو تصحيح اختلالاتها.

كما ساهمت اختيارات تدبيرية أثارت نقاشاً واسعاً في زيادة الضغط على الأسر المغربية. فقد اعتبر عدد من الباحثين والخبراء أن بعض الإجراءات ذات الطابع المالي والاجتماعي حملت المواطن كلفة أكبر، دون أن يصاحبها تحسن مماثل في جودة الخدمات أو في فرص التشغيل. وعندما يشعر المواطن بأن الأعباء تتزايد بينما تبقى الخدمات الأساسية دون المستوى المطلوب، تتراجع ثقته في جدوى السياسات العمومية.

ويبرز عامل آخر يتمثل في تضخم الاعتبارات السياسية داخل العمل الحكومي. فقد استهلك الصراع بين مكونات الأغلبية والمعارضة، بل وأحياناً بين أحزاب الأغلبية نفسها، جزءاً مهماً من الجهد السياسي والإعلامي. وتحول النقاش في محطات عديدة من التنافس حول جودة البرامج إلى التنافس حول المواقع والنفوذ وتوزيع مراكز القرار، وهو ما أثر في سرعة اتخاذ القرار وفي فعالية تنفيذ الإصلاحات.

هذا الواقع أوجد انطباعاً لدى شريحة واسعة من المواطنين بأن بعض الأحزاب أصبحت تنشغل بالمحافظة على مواقعها السياسية أكثر من انشغالها بإنتاج حلول عملية للمشكلات اليومية. ومع تكرار الأزمات والخلافات، تراجعت صورة الفعل السياسي باعتباره أداة لخدمة الصالح العام، وازداد الشعور بأن الصراع الحزبي يدور حول اقتسام النفوذ أكثر مما يدور حول تحسين حياة المواطنين.

ويزداد هذا الإحساس عندما تتباطأ وتيرة مكافحة الفساد والريع. فالفساد لا يقتصر أثره على ضياع المال العام، بل يمتد إلى إضعاف المنافسة، وإبعاد المستثمرين الجادين، وتقليص فرص الشباب، ورفع كلفة الخدمات، وإضعاف الثقة في المؤسسات. وعندما يلاحظ المواطن استمرار مظاهر الإفلات من المحاسبة أو بطء معالجة بعض الملفات التي تشغل الرأي العام، تتعزز لديه قناعة بأن منظومة الفساد ما زالت تمتلك قدرة على حماية مصالحها والتكيف مع التحولات السياسية.

ولا يعني ذلك أن جميع الحكومات تعاملت مع هذا الملف بالطريقة نفسها، أو أن جهود الإصلاح كانت منعدمة، فقد شهدت المرحلة مبادرات وتشريعات ومؤسسات موجهة لتعزيز الحكامة ومحاربة الفساد. غير أن النتائج المحققة ظلت، في نظر كثير من المتابعين، أقل من حجم التطلعات، وهو ما أبقى الإحساس بضعف الأثر قائماً لدى فئات واسعة من المجتمع.

وكان الشباب الفئة الأكثر تأثراً بهذه الاختلالات. فقد وجد عدد كبير من الخريجين أنفسهم أمام سوق شغل محدود الاستيعاب، وإجراءات إدارية معقدة، وصعوبات في الولوج إلى التمويل أو إنشاء المقاولات، الأمر الذي جعل طموحاتهم تصطدم بواقع اقتصادي لا يوفر الفرص الكافية. ومع مرور السنوات، تحول الإحباط لدى جزء من الشباب إلى فقدان تدريجي للثقة في قدرة السياسات الحكومية على تحسين أوضاعهم.

وتنعكس هذه الحالة أيضاً في تراجع الإيمان بالحراك الاجتماعي. فعندما يشعر الشاب بأن الكفاءة والعمل والاجتهاد لا تكفي دائماً لتحقيق التقدم المهني أو الاقتصادي، وأن شبكات المصالح أو النفوذ تمنح امتيازات لا يحصل عليها غيرها، تتراجع ثقته في مبدأ تكافؤ الفرص، وهو مبدأ يشكل أحد الأسس الضرورية لأي مشروع تنموي ناجح.

لقد أظهرت تجربة الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2011 أن التنمية لا تتحقق بالمشاريع الكبرى وحدها، وإنما تحتاج إلى حكامة تنفيذية فعالة، وإدارة عمومية كفؤة، وسياسات اجتماعية متماسكة، وإرادة سياسية قادرة على جعل محاربة الفساد أولوية عملية لا شعاراً سياسياً. كما تحتاج إلى تغليب المصلحة العامة على الحسابات الحزبية الضيقة، لأن الصراع حول النفوذ يستهلك جزءاً من الزمن التنموي الذي ينتظر المواطن أن ينعكس على حياته اليومية.

إن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على تشييد الطرق والموانئ والمنشآت الكبرى، وإنما يتمثل في بناء منظومة حكومية تجعل هذه الإنجازات رافعة لخلق الثروة، وتحسين الدخل، وتوسيع فرص الشغل، وضمان عدالة أكبر في توزيع ثمار التنمية. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات بعدد المشاريع المنجزة فحسب، وإنما بما تحدثه من أثر في قدرته الشرائية، واستقرار أسرته، ومستقبل أبنائه.

لهذا تبدو مراجعة أساليب التدبير الحكومي ضرورة أكثر منها خياراً. فالتحدي الذي يواجه المغرب اليوم لا يرتبط بإثبات القدرة على الإنجاز، فقد أثبتها في أكثر من ورش استراتيجي، وإنما يرتبط ببناء حكامة تجعل ثمار تلك الإنجازات تصل إلى المواطن بكفاءة وعدالة، وتقطع مع الممارسات التي تعطل الإصلاح أو تضعف أثره. عندها فقط يمكن أن يلتقي النجاح الاقتصادي مع الرضا الاجتماعي، وأن يتحول التقدم الذي يظهر في المؤشرات الكبرى إلى واقع يعيشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية.