منتدى العمق

4,9 في المائة نموًا… فماذا عن نصيب المواطن وفرص الشغل؟

لم تعد أرقام النمو الاقتصادي مجرد مؤشرات تقنية تُقرأ داخل التقارير الاقتصادية، بل أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول مدى انعكاس الدينامية الاقتصادية على الحياة اليومية للمواطن المغربي.

حين أبرز الملك محمد السادس، في خطاب عيد العرش الأخير، المؤشرات الإيجابية التي يعرفها الاقتصاد الوطني، وعلى رأسها تحقيق نمو اقتصادي بلغ 4.9 في المائة، كان من الطبيعي أن يثار تساؤل جوهري: إلى أي حد ينعكس هذا النمو على الحياة اليومية للمواطن المغربي؟

سجل الاقتصاد الوطني سنة 2025 نموًا بلغ 4.9 في المائة، وهي نسبة تعكس دينامية اقتصادية مهمة، غير أن قراءة هذا الرقم تقتضي وضعه في سياقه الاجتماعي، خصوصًا في ظل استمرار تحديات سوق الشغل.

فمعدل البطالة بلغ حوالي 13 في المائة سنة 2025، وهو ما يجعل العلاقة بين النمو وخلق فرص الشغل واحدة من أبرز القضايا التي تستحق النقاش.

1. النمو الاقتصادي… والاختبار الاجتماعي

ارتفاع الناتج الداخلي الخام يعني أن الاقتصاد ينتج ثروة أكبر، كما أن ارتفاع نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام يعكس، من الناحية الحسابية، تحسنًا في متوسط الثروة الاقتصادية المرتبطة بكل فرد، لكن هذا المؤشر لا يعني بالضرورة أن دخل كل مواطن ارتفع بالقدر نفسه، ولا يعني تلقائيًا أن جميع الفئات الاجتماعية استفادت من النمو بنفس الدرجة، وهنا تظهر أهمية الانتقال من سؤال «كم نما الاقتصاد؟» إلى سؤال أكثر ارتباطًا بالمواطن: «كيف توزعت ثمار هذا النمو؟»

فالمواطن لا يعيش داخل الأرقام، وإنما داخل تفاصيل الحياة اليومية؛ من تكاليف السكن والنقل، إلى التعليم والصحة، وصولًا إلى القدرة على الحصول على فرصة عمل ودخل مستقر.

2. البطالة… الوجه الآخر للمعادلة

إذا كان الاقتصاد قد حقق نموًا بـ4.9 في المائة، فإن استمرار البطالة في حدود 13 في المائة يطرح سؤالًا مشروعًا حول قدرة النمو على استيعاب طالبي الشغل، وهنا تبرز خصوصًا وضعية الشباب، الذين يشكلون جزءًا أساسيًا من الرأسمال البشري للمغرب، لكنهم في الوقت نفسه يواجهون تحديات مرتبطة بالولوج إلى سوق الشغل، خاصة بالنسبة لحاملي الشهادات، فبالنسبة إلى شاب يبحث عن عمل، لا يكفي أن يسمع أن الاقتصاد ينمو، وإنما يريد أن يعرف: هل خلق هذا النمو فرصة لي؟ وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي دينامية اقتصادية.

3. من النمو … إلى التنمية

الفرق بين النمو والتنمية يكمن في أن النمو يقيس توسع النشاط الاقتصادي، بينما التنمية تقيس، في نهاية المطاف، أثر هذا النشاط على الإنسان، ومن هنا، فإن الرهان لا ينبغي أن ينحصر في الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة، وإنما في ضمان أن يكون هذا النمو قادرًا على خلق فرص شغل، وتحسين المداخيل، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

فالاستثمار لا تكتمل قيمته فقط بحجم الأموال المرصودة له، وإنما بقدرته على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة، كما أن ارتفاع الناتج الداخلي الخام لا يكتمل أثره الاجتماعي إلا عندما يشعر المواطن بأن الاقتصاد الذي ينمو في بلده يفتح له بدوره آفاقًا جديدة.

لا شك أن نسبة نمو تبلغ 4.9 في المائة تشكل مؤشرًا إيجابيًا، لكن الرقم الاقتصادي لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، بل بدايته، فالمطلوب اليوم ليس فقط اقتصادًا ينمو، وإنما اقتصادًا يخلق فرصًا ويُحسن توزيع ثمار النمو ويمنح الشباب أفقًا اقتصاديًا واجتماعيًا أكثر وضوحًا.

وفي النهاية، قد تقيس المؤشرات حجم الاقتصاد، وقد تقيس نسبة النمو سرعة تحركه، لكن المواطن يقيس الاقتصاد بطريقة أخرى: بفرصة عمل، ودخل، وقدرة على العيش بكرامة.

ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم نما الاقتصاد؟
بل: كم استفاد المواطن من هذا النمو، وكم فرصة شغل خلقها؟ فالنمو الحقيقي لا يكتمل عندما تكبر الأرقام فقط، وإنما عندما يشعر المواطن أن مستقبله يكبر معها.