يقول بن خلدون: إذا كثرت الجباية أشرفت الدولة على النهاية.. ويقصد بالدولة: السلطة ومن يحكم زمام الرعية. وحتى لا ننحرف عن المقصود دعونا نقل بقول عبد الله العروي عن الدولة: فهم مشاكل الدولة شيء وتقديم نظرية لها شيء آخر، فقد كَثُر من فَكّر وقلّ من نظّر في الموضوع..!
ويقصد بالدولة هنا السلطة التي تأخذ بزمام الأمور.
لا أحد يختلف على أنه إذا ما زادت الجباية عن الحد المسموح به؛ في بلد ما هو نذير ووعيد بسقوطها. فالجباية في مفهومها العام (ضرائب، رسوم، واجبات..) تشكل المورد الأول لتمويل خزائن الدولة، والتي تُجبى من جيوب وتعب المواطنين. إلا أن لها من الأثر العكسي ما لا تحمد عقباه.
فمفهوم الجباية ورغم التطور الذي عرفته عبر التاريخ، من كونها ذلك السداد المادي من المحصول السنوي، إلى الاقتطاع المالي النقدي.. أشكالها المختلفة وطرق تحصيلها، بشكل إلزامي ووفق نصوص قانونية، أصبح اليوم من المفاهيم التقليدية المتجاوزة إلى كونه ذلك المقابل المعنوي اللامادي الذي يخدم السلم الاجتماعي بطريقة غير مباشرة، هكذا يجب أن يُنظَر للجباية على أنها وسيلة وليست غاية في حد ذاتها.
ولما صارت السياسة الجبائية في الوقت الراهن تلعب أدوارا بالغة الأهمية في امتصاص الأزمات المالية أو الاقتصادية (Amortisseur de crises)، وإعادة توزيع الثروة. هذه الأخيرة التي أصبحت مفهوما يؤجج المسامع، فأصبح العامة من الناس خاصة البسطاء: أين الثروة!؟
وأنت تقرأ في متون التقارير السنوية للمؤسسات الوطنية وأخرى أجنبية حول الوضعية المالية والاقتصادية للبلد. تكاد تجزم أن البلد في وضع رفاه. غير أن لغة الأرقام لغة خداعة.. ولا تعكس الواقع المعيش للمواطن؛ ساكنة أعالي الجبال أو في السهول. فالعبرة بـ: من المقصود من كل درهم مرصود!!
13٪ نسبة البطالة حسب التقرير السنوي الأخير لبنك المغرب؛
ثاني أعلى معدل للضريبة على الشركات بـ35٪ حسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛
ثلث الاقتصاد الوطني غير مهيكل وخارج ردرات الأجهزة الضريبية؛
ثلاث جهات فقط من 12 تساهم بما مقداره 58٪ من الناتج الداخلي الخام سنة 2023 (HCP).
ولما كان شأن الجباية من الاختصاصات الحصرية للبرلمان (السلطة التشريعية) فالمشرع الأول حقيقة هو الحكومة من خلال مشاريع القوانين. لذلك كان التوجه العام في المادة الجبائية وخلال السنوات الأخيرة وضع رزنامة من “إصلاحات” تهدف من جهة إلى توسيع الوعاء الجبائي؛ تخفيض العبء الضريبي (La pression fiscale) ثم ضمان الاستدامة المالية.. ولعل التقرير السنوي الأخير للمجلس الأعلى للحسابات قد أشار إلى ارتفاع المداخيل الجبائية بمعدل 14.5٪ ما بين 2023 و2024.
لكن كيف يمكن الحديث عن جبايات منصفة وعادلة بين المواطنين في ظل تباين مجالي جغرافي. فمعادلة الجباية المجالية والتي تأخذ بعين الاعتبار ظروف وخصوصية المجال؛ غير الجبايات المحلية «فالمفاهيم مختلفة اختلاف الشرق عن الغرب» لا محيد عنها في ضمان الاستقرار.
إن ضمان السلم والاستقرار الاجتماعيين لا يعادله ضمان استقرار واستدامة المالية العمومية للدولة. والقائمين في كابيني القرار الاقتصادي والمالي يجب أن يكونوا على بصيرة من الأمر. فالمشاكل السياسية التي تنشأ عن فئة؛ تيار فكري؛ حزب سياسي أو إيديولوجية معينة قد تخمد فتيل مطالبها بقرار وزاري. أو مجلس حكومي آني.
أما المطالب المجتمعية التي يكون مصدرها ذلك المواطن الذي ذاق ذرعا من جباية مفرطة؛ الذي يقبع في آخر الطابور من التنمية، تؤدي إلى انهيار الدولة كما أشار بن خلدون.