في المغرب، لم يعد المواطن في حاجة إلى مزيد من الوعود، ولا إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى خطابات مليئة بالمصطلحات التقنية التي يصعب ترجمتها إلى واقع ملموس.
المواطن يريد شيئاً أبسط من ذلك بكثير: أن يعيش بكرامة، وأن يجد عملاً، وأن يحصل على تعليم جيد، وأن يجد العلاج عندما يحتاج إليه، وأن يشعر بأن الإدارة موجودة لخدمته لا لتعقيد حياته.
هذه ليست مطالب استثنائية، وليست أحلاماً مثالية. إنها في جوهرها الوظائف الأساسية للدولة والسياسات العمومية.
المواطن لا يعيش داخل التقارير الحكومية
الحكومة قد تعلن عن ارتفاع مؤشر، أو إطلاق برنامج، أو توقيع اتفاقية، أو تخصيص ميزانية ضخمة لقطاع معين.
لكن المواطن لا يعيش داخل التقارير.
هو يعيش في الحي، في المدرسة، في المستشفى، في السوق، وفي طابور الإدارة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط: كم أنفقنا؟ وكم مشروعاً أطلقنا؟
بل: ماذا تغير في حياة المواطن؟
إذا أنفقنا الملايين على برنامج للتشغيل ولم يجد الشاب عملاً، فهناك مشكلة.
إذا أنجزنا مشروعاً تربوياً ولم تتحسن جودة التعليم، فعلينا أن نسأل عن أثره.
إذا توسعت التغطية الصحية بينما لا يزال المواطن ينتظر طويلاً للحصول على العلاج، فعلينا أن نعيد النظر في طريقة قياس النجاح.
الأرقام مهمة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن الواقع.
الشباب لا يريدون “تدبير الانتظار”
من أكبر التحديات التي تواجه المغرب اليوم قضية الشباب.
جيل كامل يحمل شهادات وطموحات وقدرات، لكنه يجد نفسه أمام سوق عمل صعب، وتكاليف معيشة متزايدة، ومسارات غير واضحة.
الشاب لا يريد أن يسمع كل مرة عن “برنامج جديد”.
يريد أن يعرف: أين هي الفرصة؟
يريد تكويناً يؤدي إلى عمل، وتمويلاً لمشروع قابل للحياة، ومواكبة حقيقية، واقتصاداً قادراً على خلق فرص شغل مستدامة.
والأهم من ذلك، يريد أن يشعر بأن مستقبله في المغرب ممكن.
الطبقة المتوسطة أيضاً تحتاج إلى الإنصات
الحديث عن الفئات الهشة والفقر مهم، لكن هناك فئة أخرى ينبغي ألا تغيب عن النقاش: الطبقة المتوسطة.
الموظف، والأستاذ، والتقني، والحرفي، وصاحب المقاولة الصغيرة، والمهني المستقل…
هؤلاء أيضاً يواجهون ضغطاً متزايداً في تكاليف الحياة، ويحتاجون إلى سياسات تحافظ على قدرتهم الشرائية وتوفر لهم الاستقرار.
فإذا تآكلت الطبقة المتوسطة، فإن آثار ذلك لا تكون اقتصادية فقط، وإنما اجتماعية أيضاً.
التنمية ليست بناءً إسمنتياً وبحكم التجربة في مجال التنمية، أعتقد أن علينا أن نراجع أيضاً الطريقة التي ننظر بها إلى مفهوم التنمية.
التنمية ليست فقط طريقاً جديداً، أو بناية جديدة، أو تجهيزاً جديداً.
التنمية هي الإنسان أولاً.
إذا لم يستطع المواطن أن يحسن دخله، وأن يحصل أبناؤه على تعليم جيد، وأن يستفيد من الخدمات الأساسية، وأن يشارك في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فإننا أمام إنجازات مادية، لكننا لم نصل بعد إلى التنمية التي يطمح إليها الناس.
وهنا يجب أن ننتقل من سؤال: “كم أنجزنا؟”
إلى سؤال أكثر أهمية: “ماذا تغير؟”
نحتاج إلى حكومة تسمع أكثر مما تتحدث
الحكامة الجيدة لا تعني فقط اتخاذ القرارات، وإنما القدرة على الاستماع قبل اتخاذ القرار.
الجمعيات، والباحثون، والمهنيون، والمقاولون الصغار، والشباب، والنساء، والفاعلون المحليون، جميعهم يمتلكون معرفة حقيقية بالمشاكل اليومية.
ولذلك فإن إشراكهم في صناعة السياسات العمومية ليس ترفاً، وإنما وسيلة لتحسين القرار نفسه.
فالقرار الذي يصنع في المكاتب دون الاستماع إلى من يعيش المشكلة قد يكون جيداً على الورق، لكنه يفشل عند التطبيق.
والمحاسبة ليست عداءً للحكومة
من الطبيعي أن تنتقد الحكومة.
ومن الطبيعي أيضاً أن يعترف المواطن بالإنجازات عندما تتحقق.
النقد ليس معارضة من أجل المعارضة، كما أن الإشادة ليست واجباً سياسياً.
المطلوب هو تقييم السياسات بناءً على النتائج.
الحكومة التي تنجح يجب أن تحصل على الاعتراف، والحكومة التي تخطئ يجب أن تسمع النقد، والأهم أن تكون لديها القدرة على تصحيح المسار.
هذه هي الديمقراطية الحقيقية.
كفى كلاماً… لنقيس الأثر
ربما حان الوقت لكي تصبح لدينا ثقافة جديدة في تقييم السياسات العمومية:
لا نسأل فقط عن عدد البرامج.
لا نسأل فقط عن حجم الميزانيات.
لا نسأل فقط عن عدد الاتفاقيات.
بل نسأل: كم وظيفة مستدامة خلق البرنامج؟ كم شاباً خرج من الهشاشة؟
كم أسرة تحسنت ظروفها فعلاً؟ كم تلميذاً تحسن مستواه؟
كم مريضاً أصبح يحصل على خدمة صحية أفضل؟
كم مقاولة صغيرة استطاعت أن تستمر وتنمو؟
هذه هي المؤشرات التي يجب أن تهم المواطن.
المغرب يملك الإمكانيات… لكنه يحتاج إلى الثقة في الإنسان
المغرب بلد يمتلك إمكانيات بشرية ومادية ومؤسساتية مهمة.
لكن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون أيضاً في الإنسان، وفي المبادرة، وفي الشباب، وفي الكفاءات المحلية.
لا يمكن أن نبني مغرب المستقبل بعقلية تجعل المواطن مجرد “مستفيد” من البرامج.
نحتاج إلى أن يصبح المواطن شريكاً في التنمية وصانعاً لها.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المقاولة الصغيرة، والجمعيات الجادة، والمبادرات المحلية، والباحثين، والمهنيين، وكل شخص يخلق قيمة مضافة في مجتمعه.
الخلاصة
المواطن المغربي لا يطلب المستحيل.
إنه يريد دولة قوية وعادلة، ومؤسسات فعالة، وحكومة صادقة في خطابها، واضحة في أهدافها، وقادرة على تحويل الميزانيات والبرامج إلى نتائج ملموسة.
لقد انتهى زمن إقناع المواطن بمجرد الإعلان عن المشروع.
اليوم، المواطن يريد أن يرى المشروع، ويستفيد منه، ويشعر بأثره.
ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الحكومة ليست معقدة:
لا نريد المزيد من الكلام عن التنمية… نريد أن نعيش التنمية.
ففي نهاية المطاف، لا يقاس نجاح الحكومة بما تقوله عن نفسها، وإنما بما يستطيع المواطن أن يقوله عن حياته.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.