قد تبدو المرتبة 76 عالمياً التي احتلها المغرب في مؤشر «ليغاتوم» للازدهار لعام 2026 رقماً يستحق الاحتفاء، لكن الأرقام حين تُقرأ من الداخل لا من الواجهة، تكشف مفارقة أكثر قسوة: المغرب في المرتبة 76 في الازدهار العام، لكنه يتراجع إلى 103 في التنمية، ثم يهبط إلى 122 في التعليم من أصل 161 دولة.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بتصنيف دولي عابر، بل يصبح سؤالاً عن الإنسان الذي يفترض أن يحمل التنمية نفسها.
كيف يمكن لبلد يطمح إلى اقتصاد صناعي ورقمي وتنافسي، وإلى موقع متقدم في الاقتصاد العالمي، أن يظل في المرتبة 122 في التعليم؟
وكيف يمكن بناء اقتصاد المعرفة إذا كانت المنظومة التي يفترض أن تنتج المعرفة والمهارات والكفاءات تعاني هذا التأخر؟
1- الرقم 122 ليس مجرد ترتيب… إنه إنذار تنموي:
المغرب يحتل المرتبة 76 في الازدهار، و103 في التنمية، و122 في التعليم.
أي أن التعليم يتأخر عن الترتيب العام بـ 46 مرتبة، وعن ترتيب التنمية بـ 19 مرتبة.
وهذا الفارق ينبغي ألا يُقرأ باعتباره مجرد مسألة إحصائية، فهو يكشف اختلالاً في قلب النموذج التنموي:
قد تتقدم بعض مؤشرات البنية الاقتصادية، لكن القاعدة البشرية التي يفترض أن تستدام بها التنمية لا تزال متأخرة.
فالتعليم ليس قطاعاً اجتماعياً يوضع في هامش الحسابات الاقتصادية، ولا مجرد خدمة تقدمها الدولة للمواطنين، إنه المعمل الذي ينتج رأس المال البشري.
والاقتصاد الذي لا يملك تعليماً جيداً لا يملك، في نهاية المطاف، إلا قدرة محدودة على إنتاج المهارات، والابتكار، والتكنولوجيا، والقيمة المضافة.
2- المشكلة ليست كم تلميذاً يدخل المدرسة… بل كم إنساناً يخرج منها:
قد يكون من السهل مواجهة هذه الأرقام بتعداد المدارس والجامعات وبرامج الإصلاح ومشاريع الرقمنة وارتفاع معدلات التمدرس، لكن هذا يحاول الإجابة عن سؤال مختلف.
السؤال الحقيقي ليس: كم وسعنا الولوج إلى المدرسة؟
بل: ماذا تعلم الطفل داخلها؟ وماذا حمل معه حين غادرها؟
منهجية “ليغاتوم” نفسها لا تختزل التعليم في البنية المدرسية أو نسب الولوج، بل تنظر إلى الولوج والنتائج والجودة في مختلف مراحل التعليم، إضافة إلى مهارات السكان البالغين.
وهنا تظهر المعضلة المغربية بكل وضوح:
هل يستطيع التلميذ القراءة والفهم والتحليل؟
هل يمتلك المهارات الأساسية التي تؤهله للتعلم المستمر؟
هل يتقن الأدوات الرقمية؟
هل يستطيع حل المشكلات والتفكير النقدي؟
هل تنتج الجامعة باحثاً ومهندساً وطبيباً ومبتكراً، أم تنتج في كثير من الحالات حاملي شهادات يبحثون طويلاً عن موطئ قدم في سوق شغل لا يستوعبهم؟
إذا كان النظام التعليمي يوسع الولوج لكنه يعجز عن إنتاج المهارات بالقدر المطلوب، فإننا لا نكون أمام نجاح تعليمي كامل، بل أمام توسيع للمنظومة من دون ضمان كافٍ لجودة مخرجاتها.
3- الهدر المدرسي؟ إنه الوجه الآخر لفشل المدرسة في الاحتفاظ بأبنائها:
لا يمكن قراءة المرتبة 122في التعليم من دون التوقف عند الهدر المدرسي، فكل طفل يغادر المدرسة قبل استكمال مساره التعليمي ليس مجرد رقم في إحصاءات الوزارة، بل رأس مال بشري يتوقف بناؤه قبل أن يكتمل، وفرصة تنموية تُفقد في وقت مبكر.
صحيح أن المغرب حقق تقدماً ملموساً في الحد من الانقطاع عن الدراسة، وأن الدولة أطلقت برامج مثل مدارس الريادة والفرصة الثانية لمحاولة معالجة بعض اختلالات المنظومة وإعادة إدماج المنقطعين، إذ تشير اليونسكو إلى أن نحو270 ألف متعلم يغادرون المدرسة سنوياً، بينما استفاد حوالي 18 ألف شاب من برامج الفرصة الثانية خلال 2024/2025، وأعيد إدماج 72% منهم في التعليم النظامي أو التكوين المهني أو سوق العمل.
لكن هذه الأرقام، بدل أن تكون ذريعة للاحتفال، تطرح سؤالاً أعمق: هل نعالج أسباب الهدر أم ندير نتائجه؟
فـ”الفرصة الثانية” تظل مهمة لأنها تمنح المنقطعين منفذاً للعودة إلى التعلم أو التكوين، لكنها تأتي بعد وقوع الانقطاع، أما التحدي الحقيقي فهو أن لا يصل الطفل أصلاً إلى لحظة مغادرة المدرسة. وكذلك فإن مدارس الريادة قد تحقق تحسناً في التعلمات داخل المؤسسات المستفيدة، لكنها لا يمكن أن تُقدَّم وحدها باعتبارها حلاً شاملاً لأزمة التعليم، ما دامت اختلالات الإنصاف المجالي، وظروف التعلم، وجودة التكوين، والانتقال من المدرسة إلى سوق الشغل ما تزال مطروحة.
وهنا تكمن المفارقة: قد ننجح في إعادة بعض المنقطعين إلى المسار، لكن النجاح الأكبر هو أن نمنع انقطاعهم من البداية، فالسياسة التعليمية لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد من استدركوا المسار، بل أيضاً بقدرتها على ضمان مدرسة جيدة ومنصفة تحتفظ بالمتعلمين وتمنحهم تعلماً ذا معنى وفرصة حقيقية لبناء مستقبلهم.
لذلك، فإن المرتبة 122 لا تطرح فقط سؤال عدد المدارس أو عدد المستفيدين من البرامج، بل سؤالاً أكثر جوهرية: لماذا ما زال النظام التعليمي ينتج، رغم عقود من الإصلاح، هذا الحجم من الانقطاع والحاجة إلى “فرصة ثانية”؟
لكن مجرد وجود هذه البرامج يطرح سؤالاً أكبر:
لماذا نحتاج إلى برامج لإعادة الطفل إلى المدرسة بعدما عجزت المدرسة الأولى عن الاحتفاظ به؟
المطلوب ليس فقط أن نعيد المنقطع إلى الفصل، وإنما أن نسأل عن الأسباب التي دفعته إلى الخروج منه: الفقر، وبعد المؤسسة، وصعوبة التعلم، وضعف المواكبة، أو شعوره بأن المدرسة لم تعد طريقاً مضموناً إلى مستقبل أفضل.
فالهدر المدرسي لا يهدر سنوات الدراسة فقط، إنه يهدر الاستثمار العمومي، ووقت الأسرة، وفرصة الشاب، وجزءاً من قدرة الاقتصاد المستقبلية.
4- من يهدر الإنسان لا يستطيع أن يتحدث طويلاً عن الرأسمال البشري:
وهنا نصل إلى مفارقة أشد قسوة.
الدولة تستثمر سنوات طويلة في الطفل، ثم قد تفشل في الاحتفاظ به داخل المدرسة.
وتستثمر سنوات أخرى في الطالب الجامعي، ثم قد تفشل في توفير شروط تحويل علمه إلى إنتاج.
وتنفق على تكوين الطبيب والمهندس والباحث والتقني، ثم تجد نفسها أمام موجة من الكفاءات التي تبحث عن مستقبلها خارج الحدود.
وهكذا يصبح المغرب أمام مفارقة مؤلمة: يهدر جزءاً من أبنائه قبل التخرج، ثم يخسر جزءاً من خريجيه بعد التخرج، وهذه ليست مجرد خسارة تعليمية، إنها نزيف في رأس المال البشري.
5- حين يحتج من يصنع التعليم.. يكون السؤال عن السياسة التعليمية نفسها:
لا يمكن الحديث عن جودة التعليم من دون الحديث عن وضع الأسرة التعليمية بمختلف مستوياتها: من المدرس في الابتدائي إلى الأستاذ الباحث في الجامعة.
فكيف نطلب من المدرس أن يصنع جيلاً واثقاً ومبدعاً، بينما يعيش هو نفسه تحت ضغط مهني واجتماعي وإداري متزايد؟
وكيف نطالب الأستاذ الجامعي بإنتاج المعرفة والبحث والابتكار، إذا كان الباحث نفسه يواجه بيئة جامعية مثقلة بالمشكلات، وضعف الموارد، وتعقيدات التدبير؟
الأخطر من ذلك هو أن يتحول الاحتجاج المهني إلى مشكلة أمنية أو تأديبية بدل أن يكون مناسبة للحوار وإصلاح الاختلال.
وقد وثقت منظمة العفو الدولية اعتقال 33 مدرساً خلال احتجاجات مهنية في الرباط، واحتجازهم 48 ساعة قبل توجيه اتهامات إليهم وإطلاق سراحهم، في أبريل 2021، المشكلة ليست في 48 ساعة من الحجز، بل في متابعة قضائية امتدت أشهراً بعدها، ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن كل احتجاج أو كل ممارسة نقابية، وإنما بالسؤال الجوهري:
هل تُصلح الدولة منظومتها التعليمية بالحوار مع من يشتغلون داخلها، أم بإدارة الاحتجاج بمنطق العقوبة؟
فالمدرس الذي يشعر بأن صوته لا يُسمع، وأن مطالبه لا تناقش إلا تحت الضغط، وأن الاحتجاج قد يقوده إلى التوقيف أو المساءلة، لن يكون بالضرورة في أفضل حالة نفسية ومهنية لبناء مدرسة الإبداع والثقة والفرصة الثانية غيرها من التسميات.
لا يمكن بناء مدرسة حديثة بعقلية تخاف من صوت المدرس وتدير الحوار بمنطق الضبط والتحكم.
6- من يقمع السؤال التعليمي يضعف التعليم نفسه:
التعليم الجيد يحتاج إلى فضاء من الحرية الأكاديمية والنقاش المهني والنقد والتجريب.
والجامعة، على وجه الخصوص، لا يمكن أن تكون مجرد فضاء لتلقين المعرفة، عليها أن تكون فضاءً لإنتاجها ومساءلة الأفكار والسياسات والبحث عن البدائل.
لذلك فالتضييق على الأسرة التعليمية لا يضر بحقوق الموظفين والمهنيين فقط، بل يضر في النهاية بجودة المؤسسة التعليمية نفسها.
فالمعلم الذي يخاف من التعبير، والباحث الذي يتردد في نقد السياسات، والطالب الذي لا يتعلم كيف يسأل ويناقش، لا يمكن أن يكونوا جميعاً جزءاً من منظومة تنتج مجتمعاً مبدعاً وقادراً على الابتكار.
وهنا تتصل قضية التعليم بقضية أوسع: هل نريد مواطناً يحفظ ويطيع، أم مواطناً يتعلم ويفكر ويناقش ويبدع؟
7-المفارقة الأكبر: 54 في الحرية الاقتصادية… و122 في التعليم:
تزداد المفارقة وضوحاً حين نضع رقمين جنباً إلى جنب:
54 في الحرية الاقتصادية مقابل 122 في التعليم، بفارق يبلغ 68 مرتبة.
يمكن للمغرب أن يجذب المستثمر، ويهيئ المنطقة الصناعية، ويبني الطريق والميناء، ويقدم الحوافز، ويفتح الأسواق.
لكن ماذا سيفعل المستثمر عندما يبحث عن الكفاءات؟
يمكن جلب الآلة، ويمكن شراء التكنولوجيا، كما يمكن استيراد البرمجيات، لكن لا يمكن استيراد رأس المال البشري الوطني الجاهز عندما يفشل النظام التعليمي في إنتاجه.
والأكثر عبثية أن الدولة قد تدفع من المال العام سنوات طويلة لتكوين طبيب أو مهندس أو باحث، ثم يجد هذا الخريج أن أفضل فرصة لاستخدام علمه وتطوير مساره توجد في الخارج.
8- هجرة الكفاءات، حين تتحول المدرسة والجامعة إلى مصنع لتصدير العقول:
هجرة الكفاءات ليست مجرد ظاهرة مرتبطة برغبة بعض الشباب في تحسين دخلهم، إنها في جوهرها سؤال عن قدرة الدولة على الاحتفاظ بما أنتجته منظومتها التعليمية.
فالطبيب الذي يغادر، والمهندس الذي يهاجر، والباحث الذي يبحث عن مختبر خارج البلد، وخريج المعهد الذي يختار الهجرة بدل الانتظار الطويل في سوق العمل، يمثلون جميعاً استثماراً بشرياً يخرج من الدورة الاقتصادية الوطنية.
والسؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: لماذا يهاجرون؟ بل:
ماذا فعلنا حتى يصبح مستقبل الكفاءة المغربية أكثر جاذبية خارج المغرب من داخله؟
عندما يجد الطبيب في الخارج شروطاً مهنية أفضل، ويجد المهندس سوقاً أكثر قدرة على استثمار تخصصه، ويجد الباحث مختبراً وتمويلاً وحرية أكاديمية أكبر، فإن المشكلة لا تكون في “حب الهجرة” فقط، بل في قدرة البلد على خلق بيئة تحتضن كفاءاته.
وهنا تتحول هجرة العقول إلى نزيف مزدوج: نخسر الإنسان، ونخسر أيضاً القيمة التي كان يمكن أن ينتجها داخل الاقتصاد الوطني.
9- نُكوّنهم… وغيرنا يحصدهم، الوجه الآخر للمرتبة 122:
إذا كانت المرتبة 122 في التعليم تكشف ضعف إنتاج رأس المال البشري، فإن نزيف الكفاءات يكشف مفارقة أشد قسوة: حتى حين ينجح المغرب في تكوين الكفاءات، فإنه يعجز عن الاحتفاظ بجزء منها.
بحسب وزير الصحة والحماية الاجتماعية الأسبق خالد آيت الطالب فأن المغرب يكوّن 1500 طبيب سنوياً يفقد منهم 600 بسبب الهجرة (ما يعادل نسبة %40)، وأن الظاهرة لا يمكن إيقافها وإنما تقليص نسبتها.
هؤلاء يغادرون فور نيل شهاداتهم مما يُحدث عجزاً في الموارد البشرية بالقطاع.، فيما يقدَّر عدد الأطباء المغاربة الذين يمارسون خارج البلاد بنحو14 ألفاً. كما صرّح وزير التعليم العالي بأن كلفة تكوين الطبيب الواحد تصل إلى نحو مليون درهم، أي أن مغادرة 600 طبيب سنوياً تعادل، حسابياً، نحو600 مليون درهم من كلفة التكوين المتراكمة، دون احتساب الخبرة والخدمات والقيمة الاقتصادية التي كان يمكن أن ينتجوها داخل المغرب.
هذا الرقم قابل للتحديث، فقد أوردت صحيفة لوموند مؤخراً أن المغرب يفقد نحو 700 طبيب سنوياً، أي ما يعادل ثلث خريجي كليات الطب، فيما تقدّر وزارة الصحة الخصاص بحوالي 28 ألف طبيب.
ولا يتوقف النزيف عند الأطباء، فالبنك الدولي يقدر فقدان المغرب لنحو 8 آلاف إطار عالٍ سنوياً، بينهم حوالي 600 مهندس، كما أشار إلى أن 26.1% من المغاربة ذوي التعليم العالي في سن العمل كانوا يعيشون في دول منظمة التعاون والتنمية سنة 2020.
المشكلة إذن ليست فقط أن التعليم المغربي الذي يحتل المرتبة 122، بل أن جزءاً من الكفاءات التي ينجح في تكوينها يجد مستقبله خارج البلد.
وهنا تظهر المفارقة التنموية الصارخة:
نستثمر سنوات في تكوين الإنسان، ثم تفشل السياسات الاقتصادية والمؤسساتية في توفير البيئة التي تحتفظ به وتحوّل كفاءته إلى قيمة داخل الوطن.
فنزيف الأطباء والمهندسين والباحثين ليس مجرد ظاهرة هجرة، إنه كلفة فرصة ضائعة، وعلامة على خلل يمتد من التعليم والتكوين إلى سوق الشغل والبحث العلمي والحكامة.
10- من هدر التلميذ إلى هجرة المهندس والطبيب… سلسلة واحدة:
قد يبدو الهدر المدرسي وهجرة الأطباء والمهندسين موضوعين منفصلين، لكن عند النظر إليهما من زاوية التنمية، نجد أنهما يمثلان طرفي السلسلة نفسها:
في البداية، لا ننجح دائماً في الاحتفاظ بكل أبنائنا داخل المدرسة، ثم نصل إلى الجامعة والمعاهد، ثم ننتج خريجين يبحثون عن العمل، ثم يجد بعضهم سوقاً محدوداً أو ظروفاً مهنية لا تستجيب لطموحه، ثم يغادر جزء منهم.
وهكذا يصبح البلد أمام مفارقة شديدة القسوة:
يهدر جزءاً من رأس ماله البشري في بداية الطريق، ويُصدّر جزءاً آخر في نهايته، فكيف يمكن لمثل هذه المنظومة أن تحقق قفزة مستدامة في التنمية؟
11- الإصلاحات المتعاقبة: لماذا لا تتحول الأوراق إلى نتائج؟
المشكلة ليست أن المغرب لم يضع خططاً لإصلاح التعليم.
على العكس، تعاقبت الرؤى والبرامج والمخططات والإصلاحات والاستراتيجيات، لكن كثرة الإصلاحات لا تعني بالضرورة نجاحها، فكما أن كثرة العلاجات تدل على أمراض مزمنة في الجسد، كذلك كثرة الإصلاحات تعني فشل المشاريع والمخططات وعطب المنظومة ككل.
والدليل الأهم ليس عدد الوثائق التي كتبتها الإدارات، وإنما ما الذي تغير فعلياً داخل القسم والمدرسة والجامعة والمختبر وسوق العمل؟
فإذا بقي الهدر المدرسي قائماً، وبقيت جودة التعلمات موضع قلق، وبقيت الفوارق المجالية والاجتماعية، وبقي المدرس يشعر بالتهميش وعدم الإنصاف، وبقي الباحث يعاني من ضعف شروط البحث، وبقي الطبيب والمهندس والباحث يفكر في الهجرة، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
هل المشكلة في غياب الإصلاح، أم في غياب القدرة السياسية والمؤسساتية على إنجاح الإصلاح؟
وهنا تبرز قضية ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالإصلاح الذي لا تُقاس نتائجه، ولا يُحاسب المسؤول عن تعثره، يمكن أن يتحول إلى دورة لا تنتهي: تشخيص، ثم استراتيجية، ثم برنامج، ثم ميزانية، ثم تقييم، ثم استراتيجية جديدة…
12- الفساد والاستبداد، حين يصبح إصلاح التعليم أكبر من مجرد تغيير المناهج:
لا يمكن لأي إصلاح تعليمي أن ينجح إذا بقيت البيئة المؤسسية التي تحكمه عاجزة عن ضمان الحكامة والشفافية والمساءلة، فالفساد لا يسرق المال فقط، إنه يسرق فعالية المؤسسات.
والاستبداد لا يقمع المعارض فقط، إنه يضعف آليات التصحيح الذاتي داخل الدولة، لأن المؤسسات التي تخشى النقد تميل إلى إخفاء الفشل بدلاً من الاعتراف به، وإلى تبرير النتائج بدلاً من مراجعة السياسات.
وهذا تحديداً ما يجعل التعليم اختباراً حقيقياً للحكامة، فالمدرسة تحتاج إلى قرار رشيد، والجامعة تحتاج إلى استقلالية ومساحة للبحث، والباحث يحتاج إلى تمويل وحرية، والطالب يحتاج إلى تكافؤ الفرص، والأسرة تحتاج إلى الثقة في المدرسة، والمجتمع يحتاج إلى مؤسسات تسمع النقد وتصحح الأخطاء.
إذا غابت هذه الشروط، يمكن أن تتغير المناهج عشرات المرات، لكن جوهر الأزمة سيبقى قائماً.
13- لا يمكن أن نطلب من التعليم صناعة التنمية ثم نحاسبه وحده على فشلها:
من السهل أن نلوم المدرس على النتائج، ومن السهل أن نلوم التلميذ على ضعف التحصيل، ومن السهل أن نلوم الأسرة على الهدر…
لكن السؤال الأهم هو: من يضع السياسات؟ ومن يحدد الأولويات؟ ومن يراقب تنفيذها؟ ومن يحاسب عندما تفشل؟
لا يجوز تحميل المدرس وحده نتائج نظام تعليمي تصنعه قرارات سياسية وإدارية ومالية تمتد من الوزارة إلى الأكاديمية إلى المؤسسة.
ولا يجوز مطالبة الجامعة بإنتاج البحث العلمي من دون توفير شروطه.
ولا يجوز مطالبة الطبيب بالبقاء في البلد بينما لا توفر المنظومة المهنية والاجتماعية ما يجعله يرى في البقاء خياراً قابلاً للحياة.
ولا يجوز مطالبة الشباب بالثقة في المدرسة والجامعة وسوق العمل بينما يرون أمامهم نماذج متكررة من الفشل دون محاسبة واضحة.
المسؤولية عن أزمة التعليم ليست مسؤولية القسم وحده، إنها مسؤولية منظومة كاملة.
14- المرتبة 122… ليست نهاية القصة بل بداية السؤال الحقيقي:
إن أخطر ما في المرتبة 122 ليس أنها تكشف ضعفاً في التعليم فقط، بل أنها تكشف فجوة بين الطموح التنموي والإنسان الذي يفترض أن يحمل هذا الطموح.
المغرب يريد صناعة متقدمة، يريد اقتصاداً رقمياً، يريد الذكاء الاصطناعي، يريد البحث العلمي، يريد الاستثمار العالمي، يريد التنافس في الأسواق الدولية…
لكن كل ذلك يبدأ من نقطة واحدة: المدرسة.
ومن المدرسة إلى الجامعة، ومن الجامعة إلى المختبر، ومن المختبر إلى الصناعة، ومن الصناعة إلى القيمة المضافة، ومن القيمة المضافة إلى وظائف جيدة ودخل أفضل وتنمية مستدامة…
إذا انقطعت السلسلة في بدايتها، فلن تعوضها الطرق والموانئ والملاعب والمناطق الصناعية …
لا يمكن أن نبني اقتصاد المستقبل بعقل تصنعه مدرسة متأخرة، ولا أن نبني مجتمع المعرفة ونحن نهدر أبناءنا في الطريق ونفقد كفاءاتنا عند نهايته.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه المرتبة 122 ليس: كيف نرفع ترتيب المغرب في مؤشر دولي؟
السؤال هو:
كيف نوقف هدر الإنسان المغربي؟
كيف نمنع الطفل من مغادرة المدرسة؟
كيف نعيد للمدرس كرامته واستقراره ومكانته؟
كيف نجعل الجامعة فضاءً حراً لإنتاج المعرفة؟
كيف نمول البحث العلمي بما يكفي ليصبح منتجاً لا مجرد عنوان؟
كيف نخلق اقتصاداً يحتضن الطبيب والمهندس والباحث وخريج المعهد بدل أن يدفعهم إلى البحث عن مستقبلهم في الخارج؟
وكيف نجعل من المساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة جزءاً من إصلاح التعليم، حتى لا تتحول كل استراتيجية جديدة إلى مجرد محطة أخرى في أرشيف الإصلاحات المتعثرة؟
فالمدرسة ليست قطاعاً ينتظر التنمية حتى تتحسن.
المدرسة هي التي تصنع الإنسان الذي يصنع التنمية.
وإذا كان المغرب قد احتل المرتبة 76 في الازدهار، و103 في التنمية، و122 في التعليم، فإن الرسالة الأهم ليست في ترتيب المغرب بين الدول، وإنما في السؤال الذي تخفيه هذه الأرقام:
أي تنمية يمكن أن تستمر إذا كان رأس مالها البشري يُهدر في الداخل ويهاجر إلى الخارج؟
إن معركة التعليم، في نهاية المطاف، ليست معركة وزارة ولا ملفاً قطاعياً.
إنها معركة ضد الهدر، والفساد، وضعف الحكامة، وغياب المساءلة، وكل السياسات التي تجعل الإنسان المغربي آخر ما يُستثمر فيه وأول ما يُطلب منه دفع ثمن الفشل.
فإما أن تصبح المدرسة نقطة انطلاق لمغرب يصنع المعرفة والكفاءة والابتكار، وإما أن نظل نبني اقتصاداً حديثاً فوق قاعدة بشرية لم تحصل بعد على التعليم الذي يليق بالمستقبل.