يطرح المفكر المغربي الدكتور سعيد شبار، الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية، في دراسته المحكّمة “إشكالية الدين والتدين” الصادرة عن مركز دراسات المعرفة والحضارة سنة 2026، سؤالاً قديماً متجدداً: لماذا تبقى الفجوة بين “الدين” بوصفه مثالاً مطلقاً، و”التدين” باعتباره ممارسة بشرية قاصرة فجوة مستعصية على الرأب رغم كل ما بُذل من جهد فقهي وفلسفي عبر التاريخ؟
الجواب الذي يقترحه الكاتب لا يكتفي بالوصف، ذلك أنه يذهب إلى تفكيك جذور الإشكال في الفلسفة والأديان المقارنة قبل أن يقترح مخرجاً من داخل المنظومة المعرفية الإسلامية.
يبدأ الكاتب من ملاحظة ميدانية تتحدث عن أنه كلما ازداد الجهل بطبيعة العلاقة الجدلية بين طلب الدين واستجابة المتدين اتسعت الهوة بينهما، فالخطأ الشائع، كما يشخّصه، هو الظن بأن الدين ينحصر في أمر أو نهي، وأن التدين ينحصر في الامتثال الحرفي لذلك الأمر أو النهي؛ بينما هو في حقيقته نسق معرفي وقيمي وأخلاقي معقّد لا يستوعبه إلا القلة ممن جمعوا -كما يذكر الكاتب- بين روح الإيمان وفلسفة التشريع ومقاصده، من أمثال الغزالي والشاطبي وابن رشد والعز بن عبد السلام، ومن هذا الضمور المعرفي، كما يرى، تولدت ظاهرتان متلازمتان: غلوّ من يتوهمون احتكار الحقيقة الدينية والنطق باسمها، وازدواجية سلوكية لدى آخرين يفصلون بين العبادة الشعائرية والاستقامة في المعاملة فيؤدون الصلاة في المسجد ثم يغشّون في السوق، وهي مفارقة يوردها الكاتب بوصفها عرضاً لخلل أعمق يتحدد في تحوّل عادات إلى عبادات، وعبادات إلى مجرد طقوس اجتماعية مفرغة من مضمونها الأخلاقي.
الدراسة تقوم على مقاربة مقارنة؛ حيث لا يكتفي الكاتب بعرض الإشكال من الزاوية الإسلامية وحدها، وإنما يستدعي محطات كبرى من الفلسفة والفكر الديني الغربي ليبيّن أن ثنائية “المثال/الواقع” هاجسٌ إنساني عام لم تُوفَّق أغلب المدارس في تجاوزه؛ فأفلاطون تخيّل في “الجمهورية” مدينة فاضلة قائمة على الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة، غير أن أثينا الواقعية بقيت بعيدة عن ذلك المثال رغم رقيها الفكري، والقديس أوغسطين قسّم العالم بين “مدينة الله” و”مدينة الأرض”، بيد أن مدينته السماوية لم تُصلح واقع روما السياسي والأخلاقي، وحتى الفارابي، الذي حاول تكييف النموذج الأفلاطوني مع الحضارة الإسلامية في تصوره للمدينة الفاضلة، ظلّ في نظر الكاتب حبيس التنظير دون آلية واضحة للتمثّل الواقعي. الخلاصة التي يخرج بها الدكتور شبار من هذه الجولة أن أغلب هذه المذاهب فصلت بين عالمين -روحاني مثالي ومادي واقعي- بدل أن تجد بينهما جسراً تكاملياً، باستثناء محاولات قليلة لعقلنة اللاهوت قام بها موسى بن ميمون وتوما الأكويني متأثرين -كما يشير- بابن رشد في مشروعه الجامع بين الحكمة والشريعة.
فيما يخصص الكاتب مساحة لافتة لتتبع كيف حاول الفكر الغربي الحديث “تحرير” الأخلاق من مرجعيتها الدينية الكنسية عبر إسنادها إلى العقل عند كانط، أو إلى المجتمع عند دوركهايم الذي رأى أن كل جماعة تصنع “دينها” وطقوسها الخاصة دون مرجعية متعالية، أو إلى العقلنة الاقتصادية عند ماكس فيبر الذي ربط الأخلاق البروتستانتية الكالفينية بنشأة الرأسمالية، وصولاً إلى نيتشه وثورته على القيم التقليدية باعتبارها -في نظره- أدوات هيمنة طبقية، غير أن الدكتور شبار يرى أن هذا المسار، رغم إيجابيته النسبية في احتكامه إلى مرجعيات كلية بديلة كالعقل والعلم والمجتمع، انتهى في العقود الأخيرة إلى ما يسميه عالم الاجتماع زيغمونت باومان “الحداثة السائلة”، حيث ذابت المعايير الصلبة أمام طغيان النزعة الفردانية والاستهلاكية واللذة اللحظية، وهنا تكمن أطروحة الكاتب الضمنية: أن علمنة الأخلاق، حين تُقصي كل مرجعية غيبية لا تنتهي بالضرورة إلى تحرر أرحب فقد تنتهي إلى فراغ قيمي أشد قسوة من سلطة الكنيسة التي ثارت عليها.
في مقابل منطق الفصل أو الإلغاء بين المطلق والنسبي يقترح الكاتب أن النموذج المعرفي الإسلامي يقوم على منطق مغاير هو “الوصل” و”التكامل” عبر مفهوم فقهي أصولي هو “التكليف بالمقدور”؛ أي أن المطلوب من الإنسان ليس مطابقة المثال الديني مطابقة تامة، وإنما بذل الوسع والطاقة في التمثل، استناداً إلى آيات قرآنية معروفة تقرر أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ويستدل الدكتور شبار بحديث النفر الثلاثة الذين أرادوا الانقطاع عن الدنيا (ترك النوم والطعام والزواج) فردّهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاعتدال، وبحديث “الدين يسر”، ليؤسس لفكرة أن الغلو والتنطع خروج عن الفطرة بقدر ما هو خروج عن روح الدين ذاته، وهو هنا يستحضر عبارة الشاطبي في “الموافقات” حول تفاوت الناس في استيعاب الأحكام بحسب قدراتهم وأحوالهم، ليقرر أن التدين مراتب لا مرتبة واحدة.
ومن أكثر ما يستحق التوقف في الدراسة مساجلة الكاتب لتيار في الدراسات الدينية والاجتماعية -يستحضر منه تحديداً المفكر عبد الجواد ياسين وتمييزه بين “الدين في ذاته” و”الدين في الممارسة الاجتماعية”- يذهب هذا التيار، بحسب قراءة الدكتور شبار له، إلى أن تحول الدين إلى تدين اجتماعي يُفقده صفة الإطلاق فيصبح المطلق مجرد نسبي بين نسبيات أخرى تصنعها الجماعات. يرفض الكاتب هذا الخلط بين “نقد التمثل” و”نقد المثال” معتبراً أن قصور الممارسة البشرية لا يُسقط صلاحية المرجعية المعيارية التي تظل، رغم كل تمثل قاصر، معياراً حاكماً يُقاس عليه الصواب والخطأ، وهذه المسألة، وإن كانت تبدو نظرية، تحمل أبعاداً راهنة فهي تمس بشكل مباشر النقاش الدائر اليوم حول علاقة النص الديني بالتحولات الاجتماعية، وحول من يملك سلطة تفسير “الدين في ذاته”.
في القسم الأخير من الدراسة، وهو الأطول، يخصصه الدكتور شبار لمسألة العلاقة بين الإيمان والعمل الصالح مستعرضاً خلافاً كلامياً تاريخياً بين الخوارج الذين كفّروا مرتكب الكبيرة، والمرجئة الذين فصلوا تماماً بين الإيمان والعمل، ومذهب أهل السنة الذي جعل العمل “شرط كمال” في الإيمان يزيد وينقص، ويعرض الكاتب بتفصيل لافت شروح كبار الحفّاظ، من النووي إلى ابن حجر العسقلاني مروراً بالطبري والخطابي وابن بطال وابن حزم والمازري والقاضي عياض، حول حديث “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن”، مبيّناً أن جمهور العلماء أوّلوا الحديث بنفي كمال الإيمان لا أصله. هذا الاستطراد الفقهي المكثف، وإن بدا تقنياً، يخدم غرض الدراسة في تفكيك الخطاب التكفيري المعاصر من الداخل عبر استحضار إجماع تاريخي على أن مرتكب المعصية “عاصٍ” لا “كافر”، وأن باب التوبة مفتوح.
خلاصة القول، إن قيمة هذه الدراسة تكمن في كونها لا تكتفي بالتشخيص الأخلاقي المعتاد لظاهرة “ازدواجية المتدينين” فهي تشتبك مع جذورها الفلسفية والكلامية والاجتماعية عبر حضارات وأزمنة مختلفة، من أثينا القديمة إلى الحداثة السائلة، غير أن القارئ الناقد قد يتساءل: هل تكفي إعادة التذكير بمفهوم “التكليف بالمقدور” لسد هذه الهوة عملياً، في ظل واقع مؤسسي وتربوي وإعلامي ما يزال بعيداً -كما يعترف الكاتب نفسه في خاتمته- عن ترجمة هذه الرؤية إلى برامج تنشئة وتعليم دينيين؟ هنا يمكن الوقوف في الدراسة على التوصيات العملية التي تطرحها الدراسة في فقرتها الأخيرة (تحرير العبادات من العادات، اعتبار الالتزام بالقانون تديناً، تجنب الغلو)، على أن الدراسة، بحكم طبيعتها الأكاديمية، أقرب إلى بناء إطار نظري متكامل منه إلى خطة تنفيذية، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات لاحقة لترجمة هذا الإطار إلى الحقلين التربوي والدعوي.
*كاتب باحث