في سلسلة من المقاربات، نحاول تفكيك أزمة الحقل الديني المغربي من جذورها البنيوية إلى تجلياتها الراهنة، مروراً بآليات إنتاج النخب وتداولها. فالمشكلة ليست طارئة، ولا تقتصر على أداء فردي، بل هي نتيجة تراكمات عقود، تشكّلت خارج المؤسسات ثم فرضت نفسها عليها، وأصبحت اليوم عائقاً أمام تجديد الفكر ومواكبة التحولات الكبرى، وعلى رأسها ثورة الذكاء الاصطناعي وما تطرحه من أسئلة وجودية ومعرفية.
أولاً: جذور الاختراق البنيوي والحل الديغولي
لم يبدأ الاختراق من داخل وزارة الأوقاف، بل كان نتيجة مسار طويل تشكّل خارج الدولة، في الجامعة والمجتمع، قبل أن يصل إلى المؤسسات. فمنذ نهاية السبعينيات، حين بدأت شعبة الدراسات الإسلامية تستقبل أعداداً متزايدة من الطلبة، لم تكن هذه الشعبة فضاءً معرفياً حقيقياً، بل ملجأً لمن ضاقت أمامهم المسارات العلمية، أو لمن يبحث عن هوية جاهزة، أو لمن ينتمي إلى الإسلام الحركي الذي وجد في هذا الفضاء فرصة ذهبية لبناء قاعدة بشرية واسعة. ومع مرور العقود، تحولت الشعبة إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج نفسها: نفس المناهج، نفس طرق التدريس، نفس الخلفيات الفكرية، ونفس الفئات الاجتماعية. وهكذا، حين وصلت الألفية الثالثة، كان المشهد قد اكتمل: أغلب خريجي هذه الشعبة ينتمون، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى الإسلام الحركي أو السياسي، أو إلى فئات لم تجد في التعليم العلمي أو التقني موطئ قدم.
عندها، وجد أحمد التوفيق نفسه أمام إرث بشري جاهز، لا يمكن إقصاؤه لشلل الدولة، ولا يمكن تركه دون ضوابط. فكان “الحل الديغولي”: استيعاب هذه الكتلة البشرية مع وضع خطوط حمراء صارمة، وعزل المخالفين عند تجاوز الحدود. وقد أنتجت هذه السياسة حالة من التوازن الهش، حيث أصبح الحقل الديني يُدار بـ “ولاءات مزدوجة”: ولاء للمؤسسة الرسمية، وولاء للخلفية التنظيمية أو المرجعية الأم.
ثانيا: تداعيات البنية على الأداء الراهن وإساءة صورة إمارة المؤمنين
هذا التداخل الهيكلي هو الذي يفسر ما نراه اليوم من عجز في المجالس العلمية عن النهوض بفرصة تاريخية، كتلك التي أعلن عنها أمير المؤمنين بجعل هذه السنة سنة للاحتفال بالسنة النبوية. فبدلاً من أن تتحول المناسبة إلى لحظة تجديد معرفي يربط المرجعية النبوية بالراهن، تحولت تدخلات رؤساء المجالس إلى مجرد اجترار للمضامين القديمة، وبهرجة شكلية من محاضرات وندوات ومؤتمرات، الهدف منها إثبات أنهم “نظموا أنشطة”، لا أنهم أنتجوا فكراً جديداً. هذا العجز ليس ناتجاً عن سوء نية فردي، بل عن بنية تجعل العالم مقيداً بين ضغوط متضاربة، فيضطر إما إلى الاجترار الآمن، أو إلى خطاب مزدوج يحمل إشارات ضمنية، وكلا الخيارين يُحوّل المجالس من فضاءات معرفية إلى ساحات لإدارة التوازنات الدقيقة.
وتتجلّى أزمة الأداء في مستويات واضحة: ضعف التكوين العلمي والمعرفي، غياب برامج للتكوين المستمر، هيمنة الشكلية والاحتفالية الجوفاء، وغياب أي تقييم جدي للأنشطة عقب نهايتها. هذا الغياب للتقييم يجعل الأنشطة مجرد بروتوكول فارغ، لا يُعرف إن كان قد حقق أهدافه أو أضاف شيئاً جديداً.
والخطورة هنا مضاعفة: فهذا الوضع لا يضعف فقط الخطاب الديني الرسمي، بل يُشكّل خطراً مباشراً على مؤسسة إمارة المؤمنين، لأنه يفرغ الشرعية من مضمونها، ويضعف المصداقية أمام المجتمع، ويفتح المجال أمام تيارات أخرى لتقديم نفسها كبديل. إنها إساءة متكاملة إلى المستوى الذي يجب أن تظهر به إمارة المؤمنين باعتبارها المرجعية الدينية العليا وضمان وحدة الأمة.
ثالثاً: إشكالية تجديد النخب – الدرس البورباكي والمجلس الأوروبي
لكن الأزمة لا تتوقف عند هذا الحد. فهناك بُعد آخر لا يقل خطورة، يتعلق بطبيعة النخب نفسها وآلية تداولها وتجديدها. وهنا يأتي “الدرس البورباكي” كمرآة نقيضة تعكس عمق المشكلة. فتجربة “مجموعة بورباكي” الرياضية التي انطلقت في ثلاثينيات القرن الماضي، لم تكن مجرد مشروع أكاديمي، بل كانت “هندسة مؤسسية” قائمة على مبدأ التجديد الحتمي. كان لزاماً على العضو أن يغادر المجموعة عند بلوغه سن الخمسين، فالمؤسسة كانت دوماً أهم من الأفراد. والأهم، أن مؤسسيها اعتمدوا الكفاءة معياراً وحيداً، فاستقطبوا العقول الشابة اللامعة دون اعتبار للولاءات أو التراتبيات التقليدية. هذا الانفتاح، المقرون بآلية التجديد الإجباري، جعل المجموعة تحافظ على “شبابها الفكري” وإنتاجها المتجدد، وهو ما يفسر حصول خمسة من أعضائها على “ميدالية فيلدز”، أرفع جائزة في عالم الرياضيات.
عندما ننتقل إلى الواقع المغربي، نجد نموذجاً مختلفاً جذرياً. فالمؤسسات المرجعية الكبرى في الدين والعلم، من “الرابطة المحمدية للعلماء” إلى “وزارة الأوقاف” و”المجلس العلمي الأعلى”، يقودها أشخاص تجاوزت أعمارهم السبعين والثمانين، بل وحتى التسعين عاماً. هذا ليس حكماً على الأشخاص، بل وصف لبنية تنظيمية تجعل من تجديد الفكر وتداول الخبرة وصناعة نخب جديدة أمراً بالغ الصعوبة. إنها ثقافة “السلطة العمرية” التي تحل محل “السلطة المعرفية”، وتُكرس نموذجاً يخلط بين طول البقاء في المنصب وقيمة الإنتاج الفكري، مما يؤدي إلى تكلس معرفي يضاعف من أزمة الجمود التي تعاني منها المؤسسات.
وهذا التكلس لا يقتصر على الداخل، بل يمتد إلى واجهات المغرب في الخارج. فـ “المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة”، الذي يُفترض أن يكون مؤسسة فكرية مرنة تواكب التحولات المتسارعة في أوروبا، يبدو وكأنه “يغرد خارج الزمن”. إذ يعيد إنتاج نفس النموذج القائم على نخب متقدمة في السن، في ظل غياب واضح لآليات التداول أو استقطاب الكفاءات الشابة التي تفهم لغة العصر وسياق “مواطني العالم” في المهجر. كيف لمؤسسة تمثل “المغرب المعرفي” في أوروبا أن تؤدي دورها الحيوي وهي أسيرة بنية عمرية تعيق التجديد؟
رابعا: سؤال المستقبل – هل يمكن لهذه النخبة أن تعبر بعصر الذكاء الاصطناعي؟
السؤال الأعمق اليوم لم يعد هو كيف نُدير هذا الإرث، بل: هل يمكن لهذه النخبة التي تشكّلت في هذه البنية، والتي تفتقر إلى آليات التجديد، أن تعبر بعصر الذكاء الاصطناعي؟
فالعصر الرقمي يطرح أسئلة لم يعرفها الفقه التقليدي: كراء الأرحام، اختلاط الأنساب، التعديل الجيني، الذكاء الاصطناعي المنتج للفتاوى، الروبوتات في الحياة اليومية، والأسئلة الوجودية حول ماهية الإنسان. هذه الإشكاليات تحتاج إلى تكوين متعدد التخصصات: قانون، فلسفة، بيولوجيا، إبستمولوجيا، وعلوم عصبية. فهل يمكن لنخبة تتخرج من شعبة كانت ملجأً لمن ضاقت بهم السبل، أو منصة للإسلام الحركي، وتُدار بمنطق “السلطة العمرية” لا “السلطة المعرفية”، أن تواجه هذه الأسئلة؟ وهل يمكنها أن تناقش أثر الذكاء الاصطناعي على الفتوى وهي لم تدرس فلسفة العقل ولا نظرية المعرفة؟
الخلاصة: بين نموذجين
إن الدرس البورباكي لا يخص الرياضيات وحدها، بل هو فلسفة في إدارة المعرفة: فالمعرفة لا تتجدد إلا بتجدد المؤسسات، والنخب لا تُصنع إلا بفتح الأبواب أمام الكفاءات الجديدة، والمؤسسات لا تتطور إلا حين تتجاوز سلطة الأفراد. بين نموذج يجعل التجديد شرطاً للوجود، ونموذج يجعل الاستمرارية العمرية قاعدة ثابتة، يفتح هذا النقاش باباً واسعاً حول مستقبل إدارة المعرفة في المغرب.
الحلّ اليوم لا يكون إلا بقطع الطريق مع هذا الإرث الهيكلي على مستوياته الثلاثة: البنيوي (بإعادة النظر في مناهج التكوين الجامعي)، الأدائي (بإرساء ثقافة التقييم ومحاربة الشكلية)، والتجديدي (باعتماد آليات للتداول الإجباري واستقطاب الكفاءات الشابة). فالمشكل لم يبدأ داخل الوزارة، لكن المستقبل لن يُصنع إلا إذا تغيّر مسار التكوين من جذوره، وتحررت النخب من سطوة الأعمار والولاءات، وإلا أصبحت إمارة المؤمنين رهينة لإرث لم تصنعه، ونخبة غير قادرة على قراءة زمنها، سواء في الداخل أو في الخارج.
فالمستقبل لا يُصنع بإعادة تدوير الوجوه، بل بفتح المجال أمام طاقات جديدة قادرة على حمل المشعل، والمضي بالمشروع نحو آفاق العصر.