قبل أسابيع معدودة نشر موقع إخباري إلكتروني معروف مضمون حوار جمع بين أحد صحافيي الجريدة وكاتب الدولة المكلف بالشغل. اللقاء كان مناسبة لتجاذب أطراف الحديث حول موضوع الدعم الاجتماعي الذي يحظى اليوم باهتمام شريحة واسعة من المغاربة. ولعل أهم ما احتفظت به ذاكرتي من بين كل عناصر الحوار تصريح للمسؤول الحكومي إياه جاء فيه ما معناه أن الدعم المادي العمومي الموجه لفئات مجتمعية بعينها ليس غاية وأن نجاح المشروع يقاس بتراجع عدد المستفيدين (رجاء وضع سطر تحت كلمة “تراجع”).
و في وقت لاحق، أدلى الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية بتصريح مماثل إلى حد ما جاء ضمن جواب كتابي موجه إلى نائبة برلمانية عن الفريق الحركي. في هذا التصريح شدد معالي الوزير هو الآخر على أن “الدعم المباشر ليس غاية نهائية، بل آلية انتقالية تهدف إلى توفير شروط الإدماج المستدام للأسر المستفيدة في الدورة الاقتصادية وتمكينها من المساهمة الفعلية في خلق القيمة”.
مما لا شك فيه أن تصريحات من هذا القبيل وبهذا المستوى لا “ينتجها” المسؤولون الحكوميون عندنا بالأطنان، إذ من النادر جدا أن يخرج وزير من الدرجة الأولى أو الثانية بكلام على هذا القدر من الرزانة والفصاحة والنضج والعمق. اللغة المعتمدة هنا ليست من خشب وليس في الخطاب ـ ونحن على مشارف محطة انتخابية جديدة ـ ما يؤشر على الترويج لأطروحات حزبية وسياسية معينة. الأمر هنا يتعلق بمشروع سوسيواقتصادي من المفروض نظريا أن يجسد نبل الدولة وأن توفر له كل أسباب الاستدامة مهما كانت ألوان أحزاب الأغلبية الحاكمة وذلك حتى يعلم المعوزون الحقيقيون من أفراد الشعب أنهم على باب الله لكن في وجود سند عمومي يضمن لهم حدا أدنى من مقومات الحياة ويحفظ لهم ماء الوجه ويعفيهم من استجداء المحسنين.
لكن، ما هو السبيل الأمثل لتحقيق مقاصد هذا المشروع النبيل ؟هل كل المغاربة مؤهلون لفهم المقصود بعبارة “تراجع عدد المستفيدين” الواردة بالتصريح الأول ؟ وهل الرصيد المعرفي واللغوي والثقافي للأسر المعنية يتيح لأفرادها استيعاب المقصود بفكرة “المساهمة الفعلية في خلق القيمة” الواردة بالتصريح الثاني ؟ وهل للمستهدفين المحتملين كامل الاستعداد للانخراط في هذا الورش الاجتماعي بكل مسؤولية ودون وجود أدنى نية في الإضرار به وبالتالي إفراغه من محتواه ؟ هل من المعقول أن يواكب صرف الدعم ارتفاع ملحوظ في عدد المتسولين ؟ هل من الأخلاق في شيء أن تضع يدك على مال عمومي بطرق مشبوهة أو بوثائق مزورة ؟ هذه فقط أسئلة ضمن أخرى أصبحت تفرض نفسها في سياق تفعيل هذه المبادرة الإنسانية المبتكرة.
إن استيعاب كنه المشروع وإطاره العام أمر ضروري حتى تسير جهود الدولة في الاتجاه الصحيح وحتى يكون للاستفادة ما يبررها. فالهدف من وجود الدعم ليس هو الاستجابة لحاجيات العمر كله (إلا في حالات محدودة)، بل الغاية هي الإسعاف في ظروف معينة وفي وقت معين (صعوبات اقتصادية استثنائية أو ظرفية دولية خاصة أو كوارث طبيعية أتت على الأخضر واليابس أو عطالة قسرية أو أوضاع اجتماعية مزرية).للأسف الشديد، الحياة علمتنا أن من يمسك ب “بزولة” مضمونة ودائمة من المستحيل تخليه عنها. حتى أعلى الدول وعيا وأقواها تعليما وأشدها انضباطا تعاني فيها برامج المساعدة الاجتماعية الأمرين بسبب الانحرافات المسجلة وارتفاع نسبة التجاوزات وصعوبة إثبات الأهلية من عدمها وغياب الحس المدني والوازع الأخلاقي عند الكثيرين. وعليه، فإن “الإدماج المستدام للأسر المستفيدة في الدورة الاقتصادية” سيظل مجرد غاية مثالية من الصعب تحقيقها على أرض الواقع، وتراجع أعداد المستفيدين المنتظر لن يحدث في الغالب داخل حدودنا ما دام أنه لم يحدث حتى في السويد وكندا. بهذه الطريقة ستظل دولتنا تسكب الماء على الرمال وستضيف إلى أمراضنا الاجتماعية الحالية أمراضا مستحدثة مع خلقها من حيث لا تدري لطبقة اجتماعية جديدة ستعيش على فتات ضرره النفسي والمعنوي أكبر بكثير من نفعه الاقتصادي. الدعم فيه خدش لصورة الآباء والأسر ويولد حتما الإحساس بالدونية بما أن التعويل عليه هو ضرب من ضروب التسول المقنع. لهذا السبب بالذات لا يجاهر الكثيرون بانخراطهم في برنامجه. ولهذا السبب أيضا ـ علاوة على قيمة الدعم الهزيلة ـ من المضحك حقا أن تعتبر الحكومة الحالية هذا الإنجاز بمثابة ثورة اجتماعية تستحق التطبيل.
هذا ليس تعبيرا عن تشاؤم دفين ومزمن، بل هو قراءة متأنية لواقع الحال خاصة عندما نعلم أن شريحة جد واسعة من المستفيدين لا يكتفون بأموال الدعم ـ وهي على أية حال أموال زهيدة تعادل قيمتها بالكاد ثلث الحد الأدنى للأجور في أحسن الحالات ـ بل ويواصلون الاجتهاد بشكل ملتو وسري لغاية تحسين مداخيلهم بطريقة أو بأخرى… وعصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة.
هذه هي العقلية السائدة التي لا تعير أي اهتمام لا لتصريح هشام صابري الذي اعتبر فيه تراجع عدد المستفيدين شرطا من شروط نجاح التجربة ولا لمضمون رد فوزي لقجع على سؤال الفريق الحركي والذي ركز فيه على ضرورة الانتقال من منطق المساعدة الاجتماعية إلى منطق التمكين الاقتصادي.
إن إطلاق الوعود بإرساء برنامج الدعم المباشر للأسر أو تطويره سلاح انتخابوي رهيب من الطبيعي أن يضمن به مستعملوه من الهيئات السياسية استمالة ملايين الناخبين، لكن من ينظر إلى المسألة من زاوية أخلاقية لا يمكن له إلا أن يصاب بالصدمة أمام هول هكذا وعود في بلد ينخره الفقر والجهل والفساد والهشاشة. العمل هو حجة وجودنا في هذه الحياة، وهذه حقيقة يقر بها حتى المعتوهون. الصين واليابان وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول العظيمة حققت نهضتها بسواعد أبنائها وأدمغتهم وليس بطوابير طالبي الإعانة… ولقد صدق من قال : “إذا أردت إفساد شعب فما عليك إلا أن تصرف له أجر عمل لم يقم به.”
نعم لدعم المعاقين وكبار السن والأرامل والمرضى المعوزين، أما من ما يزال يتمتع بكامل قواه الجسدية والنفسية والعقلية فهو مطالب ببناء نفسه بنفسه وتطوير مهاراته والاستفادة من فرص التكوين الأكاديمي أو المهني المتاحة والجري وراء لقمة عيشه في حدود ما تسمح به الشرائع السماوية وقوانين البلاد، والعاقل من الناس هو من يقول لك : لا تمنحني سمكة، بل علمني الصيد أو ناولني قصبة صيد.
حبذا إذن لو استثمرت معظم أموال الدعم في تحسين الخدمات الاجتماعية وفي تعزيز صندوق المقاصة حتى تبقى المواد الاستهلاكية الأساسية في متناول الجميع وفي مساعدة الجمعيات العاملة في مجال التكوين والارتقاء بأوضاع الشرائح الهشة من المجتمع … وتظل “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” البرنامج الأكثر نجاعة والأكثر واقعية والأكثر قابلية للتطوير. القروض الصغرى لا تخلو هي الأخرى من أهمية. صحيح أنها تطوق عنق المقترض بمسؤولية التسديد لكنها تقوي عضده وتفيده في نهاية المطاف إن هو أحسن تدبيرها. الجماعات الترابية لها هي أيضا القدرة على المساهمة في امتصاص الفقر ولو بالاكتفاء بتخصيص فضاء كبير ومفتوح ومنظم وآمن ل “الفراشة” حتى يتسنى لهم أن يمارسوا تجارتهم دون مضايقة أو خوف أو مطاردة.
مجمل القول، من الواجب ـ على غرار الكثير من المجتمعات العصرية ـ توفرنا نحن أيضا على نظام للدعم الاجتماعي شريطة ألا يخضع للتقلبات السياسية والحسابات الانتخابوية، وأن تكون آلياته مدروسة وشفافة حتى لا تسقط الدولة لا في فخ الإقصاء ولا في فخ الترخيص بالاستفادة غير المستحق، وأن تكون شروطه شبه تعجيزية حتى لا تعطى للكسالى وعديمي الضمير فرصة التفنن في ابتكار الحيل للاستمرار في الرضاعة من ثدي الدولة إلى ما لا نهاية وبالتالي التلاعب بمقدرات البلاد، وحتى لا يصبح تتبع صعود المؤشر الاجتماعي ونزوله هو هم المستفيدين الأبرز … وحتى يظل العمل هو مصدر الرزق الأساسي. كل من سولت له نفسه التلاعب بالمفاهيم الكبرى العابرة للزمن والحضارات فإنما يسعى إلى خراب المجتمع، وعمارة الأرض لا تتحقق أبدا بالأجساد “الميتة” والأدمغة المعطلة، وبالنوايا الحسنة فقط يكون التعاضد والتعايش. بطبيعة الحال، لن أكون سعيدا إذا كنت أعلم بأن ما يتقاضاه جاري الكسول أو الغشاش من دعم عمومي ما هو في نهاية التحليل سوى جزء من إفرازات عرقي وعرق باقي الخاضعين للضريبة.
نصيحة لوجه الله موجهة لمعظم فئات المجتمع : إذا كانت أفضل طريقة للإقلاع عن التدخين هي الامتناع منذ اليوم الأول عن تجريبه فإن أنجع وسيلة للإفلات من فخ الدعم الاجتماعي هي عدم الانخراط فيه أصلا. لن تقترب الطيور من يدك لأكل ما تحمله من حبوب. فهي تخشى فقدان حريتها حتى وإن كنت تنوي إطعامها لا غير.