“الوضعية ذات الأهمية للأمن القومي” في سبتة: قراءة في الأساس القانوني والرهانات السياسية
وجهة نظر

“الوضعية ذات الأهمية للأمن القومي” في سبتة: قراءة في الأساس القانوني والرهانات السياسية

إن توجه الحكومة الإسبانية إلى إعلان “وضعية ذات أهمية للأمن القومي” في سبتة، عقب اجتماع مجلس الأمن القومي الإسباني لصباح اليوم 25 غشت 2026، برئاسة بيدرو سانشيز، ينبغي أن يقرأ قبل كل شيء في ضوء مقتضيات القانون الإسباني رقم 36/2015 الصادر في 28 شتنبر 2015 والمتعلق بالأمن القومي، لا في ضوء الخطاب السياسي وحده.

فالمادة 23 من هذا القانون تعرف “وضعية ذات أهمية للأمن القومي” باعتبارها وضعية تترتب عن أزمة ذات آثار خطيرة، وتتسم بأبعاد واسعة وبالاستعجال وتعدد القطاعات المتدخلة، بما يفرض تنسيقا معززا بين السلطات المختصة تحت قيادة الحكومة المركزية. غير أن الفقرة الثالثة من المادة نفسها تؤكد أن تدبير هذه الوضعية يتم بواسطة السلطات والوسائل العادية للإدارات العامة، وأنها لا يمكن، بأي حال، أن تؤدي إلى تعليق الحقوق الأساسية والحريات العامة. ولذلك، فهي لا تعادل حالة الإنذار أو الاستثناء أو الحصار، ولا تشكل حالة حرب، ولا تمنح الحكومة صلاحيات مطلقة خارج القيود الدستورية والقانونية.

كما أن المادة 15، في فقرتها “ج”، تسند إلى رئيس الحكومة اختصاص إعلان هذه الوضعية، في حين تحدد المادة 17 الطبيعة القانونية لمجلس الأمن القومي باعتباره لجنة حكومية مفوضة في مجال الأمن القومي، مهمتها مساعدة رئيس الحكومة في قيادة سياسة الأمن القومي ونظامه. وتوضح المادة 25، ولا سيما فقرتها الثانية، أن المجلس يتولى، بعد إعلان الوضعية، وظائف توجيه وتنسيق إدارة الأزمة، كما يقدم المشورة بشأن تعيين السلطة الوظيفية المكلفة بالتنسيق.

وعليه، فإن مجلس الأمن القومي لا يملك إعلان الوضعية بصورة مستقلة، ولا يحل محل رئيس الحكومة في ممارسة الاختصاص الذي منحه له القانون. فالمادة 24 تنص صراحة على أن الإعلان يتم بواسطة مرسوم ملكي يصدر عن رئيس الحكومة، ويجب أن يتضمن تحديد الأزمة، والمجال الجغرافي المشمول بها، ومدة سريانها، والسلطة الوظيفية المكلفة بإدارتها، والموارد البشرية والمادية التي ستتم تعبئتها. كما تلزم الفقرة الثالثة من المادة نفسها الحكومة بإبلاغ مجلس النواب فورا بالتدابير المتخذة وبمستجدات الأزمة. النص الرسمي للقانون الإسباني
ولذا، فإن الصياغة القانونية الدقيقة تقتضي القول إن الحكومة الإسبانية أعلنت توجهها إلى تفعيل هذه الآلية، في انتظار صدور المرسوم الملكي الذي ينشئ الوضعية رسميا ويرتب آثارها القانونية. أما اجتماع مجلس الأمن القومي، فوظيفته الاستشارية والتنسيقية لا تمنحه سلطة تأسيس مركز قانوني جديد بشأن سبتة.

إن الأهم في هذه الخطوة ليس بعدها الإجرائي، وإنما دلالتها السياسية؛ حيث إن مدريد تحاول إدراج سبتة داخل بنية الأمن القومي الإسباني، وتقديم وجودها في المدينة باعتباره جزءا من “السلامة الترابية لإسبانيا”. غير أن هذا التوصيف يظل موقفا إسبانيا أحاديا، لا يرتقي إلى مرتبة القاعدة الدولية الملزمة، ولا ينشئ بذاته حقا في السيادة، ولا يحسم وضعية إقليمية متنازعا بشأنها.

فالقانون الوطني، أيا كانت مكانته داخل النظام الداخلي للدولة، لا يملك أن ينشئ سندا دوليا للسيادة خارج الحدود، ولا أن يحول واقعا محل نزاع إلى حقيقة قانونية نهائية بمجرد إدراجه في منظومة الأمن القومي. وبعبارة أوضح، إن إخضاع سبتة للقانون الإسباني للأمن القومي ينظم طريقة إدارة إسبانيا للأزمة من داخل مؤسساتها، لكنه لا يمنحها أساسا جديدا للاحتجاج بالسيادة عليها في مواجهة المغرب أو المجتمع الدولي.

إن سبتة، في الموقف المغربي الثابت، مدينة مغربية محتلة، كما أن مليلية وباقي الثغور والجزر المغربية المحتلة تظل جزءا من المجال الترابي للمملكة. ولذلك، فإن نقل الوجود الإسباني في هذه المدن من مستوى الإدارة المدنية إلى مستوى الأمن القومي لا يغير طبيعته القانونية، ولا يضفي المشروعية على واقع الاحتلال، ولا يمكن أن ينتج أثرا منشئا للسيادة.

والمغرب، انطلاقا من مسؤوليته الإقليمية والتزامه بحماية الأرواح ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر، يستطيع أن يتعاون في تدبير قضايا الهجرة والأمن والإنقاذ، دون أن يعني ذلك بأي شكل من الأشكال التخلي عن حقوقه التاريخية والقانونية. فالتعاون الأمني لا يساوي الاعتراف بالسيادة، والتنسيق الإنساني لا يشكل تنازلا إقليميا، والهدوء الدبلوماسي لا يعني سقوط المطالب الوطنية.

كما أن تفعيل القانون رقم 36/2015 لا يعفي إسبانيا من احترام قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين، ولا يمنحها مبررا لتوسيع التدابير الأمنية على حساب القاصرين وطالبي اللجوء والضمانات القضائية. فالمادة 23 من قانونها الداخلي نفسها تضع حدا واضحا أمام أي تعليق للحقوق والحريات، وتفرض أن تظل التدابير المتخذة خاضعة لمبادئ المشروعية والضرورة والتناسب.

وعليه، فإن “وضعية ذات أهمية للأمن القومي” قد تعزز قدرة إسبانيا على تنسيق تدخلاتها داخل سبتة، لكنها لا تمنحها سندا جديدا للسيادة عليها. فالسيادة لا تنشأ بمرسوم داخلي، والنزاعات الإقليمية لا تحسم بالتوصيفات الإدارية، والاحتلال لا يتحول إلى حق بمجرد وضعه تحت حماية قانون وطني. وسيظل الموقف المغربي قائما على أساس واضح؛ مفاده التعاون في القضايا العملية والإنسانية، والتمسك في الوقت ذاته بالحق الوطني في استرجاع سبتة ومليلية وباقي الأراضي المغربية المحتلة.