منتدى العمق

حين تتغير الانتماءات الحزبية قبيل الانتخابات… على أي أساس يثق الناخب؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدأ المشهد السياسي في تسجيل حركة متزايدة في صفوف بعض الفاعلين والمرشحين، من خلال انتقالات من حزب إلى آخر، وأحيانا بين تنظيمات ذات مرجعيات وتوجهات سياسية مختلفة. وقد تزداد دلالة هذه الظاهرة عندما تحدث في فترة لا تفصل عن موعد الاقتراع سوى أسابيع قليلة، بما يجعل التوقيت نفسه عنصرا جديرا بالتحليل السياسي.

لا يتعلق الأمر هنا بمصادرة حق السياسي في تغيير انتمائه، وإعادة النظر في المواقف، ومغادرة تنظيم والانضمام إلى آخر، كلها أمور يمكن أن تكون لها أسباب سياسية وتنظيمية مشروعة، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الانتقالات إلى موجة متكررة مرتبطة زمنيا بالاستحقاق الانتخابي. عندها يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام مراجعة حقيقية للقناعة السياسية، أم أمام إعادة تموقع تفرضها حسابات المرحلة؟

 

لا يمكن الجزم بدوافع كل حالة، كما لا يمكن اختزال كل انتقال في البحث عن المصلحة الشخصية. لكن السياسة لا تقرأ بالنوايا فقط، فالسلوك السياسي يقرأ أيضا من خلال سياقه وتوقيته واتجاهه والمرجعيات التي ينتقل بينها الفاعل، والانتقال من توجه سياسي إلى توجه مغاير، خصوص في فترة انتخابية قصيرة، يطرح أسئلة تتجاوز الشخص إلى طبيعة العلاقة بين المرشح والحزب والناخب.

فالانتماء الحزبي ليس مجرد عنوان يكتب بجانب اسم المرشح. إنه، في النظام التمثيلي جزء من الهوية السياسية التي يقدم بها نفسه للمواطن، والناخب حين يختار مرشحا لا يختار شخصا معزولا عن مشروع سياسي، وإنما يتعامل أيضا مع الحزب والبرنامج والخطاب والمرجعية التي يمثلها. لذلك، فإن تغير هذه العناصر في اللحظة الأخيرة قد يضعف القدرة على بناء اختيار انتخابي مستقر ومبني على وضوح سياسي.

 

والسؤال يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بشخص ظل لسنوات يدافع عن اختيارات حزب معين، ثم وجدناه قبيل الانتخابات ضمن حزب آخر، وربما ضمن توجه سياسي مختلف تمامًا، هنا لا يتعلق الأمر فقط بسؤال: لماذا انتقل؟ وإنما أيضًا: ماذا بقي من القناعة السياسية التي كان يقدم نفسه من خلالها؟

هذه الوضعية لا تؤثر على صورة المرشح وحده، وإنما يمكن أن تمتد إلى صورة الحزب باعتباره مؤسسة للوساطة والتأطير السياسي، فإذا أصبح الانتقال بين الأحزاب ممارسة متكررة كلما اقتربت الاستحقاقات، فقد تتراجع قيمة الانتماء السياسي لصالح منطق أكثر براغماتية تحكمه فرص المنافسة وموازين القوة الانتخابية. وفي هذه الحالة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الأحزاب تنتج مشاريع سياسية ونخبا جديدة، أم أنها تتحول تدريجيا إلى فضاءات لاستقطاب الأشخاص الأكثر قدرة على خوض المنافسة الانتخابية.

 

وهنا تحديدًا تظهر مسألة الثقة السياسية، فالمواطن لا يفقد الثقة فقط عندما يختلف مع برنامج أو أداء سياسي، وإنما قد يفقدها عندما يصبح عاجزا عن تفسير السلوك السياسي للفاعل الذي يطلب منه صوته. وبالنسبة إلى الشباب، تبدو المسألة أكثر حساسية، لأننا نطالبه بالمشاركة، وبناء اختياراته على البرامج، والإيمان بأن صوته قادر على التأثير، بينما قد يرى أمامه انتماءات حزبية تتغير في اللحظة التي تقترب فيها الانتخابات.

وهذا لا يعني أن الشباب سيرفض السياسة بالضرورة، بل قد يعني أن شروط الثقة نفسها أصبحت أكثر صعوبة، فجيل أكثر اطلاعا على النقاش السياسي، وأكثر قدرة على مقارنة المواقف وتتبع التحولات، لن يكتفي بمعرفة اسم الحزب أو المرشح، بل سيطرح أسئلة حول المسار والمواقف والاستمرارية والقدرة على الالتزام.

*باحثة في العلوم السياسية