يردد اهل تافيلالت في غنائهم العبارتين أعلاه، ففي الأولى عتاب على الرحيل، وفي الثانية بوح بضرورة الرحيل فالمكان لم يعد ملائما. بين العتاب والبوح أبدي بوجهة نظري حول موجات الهجرة غير القانونية التي شهدها ثغري سبتة ومليلية المحتلتين 30 يوليوز 2026.
في التفاعل مع القضايا الراهنة كثيرا ما تواجهنا تعقيدات السياقات وكثرة التحاليل وتباين زوايا النظر، وخلفيات المحللين، وفي هذا إغناء قد تتضح معه الرؤية خاصة مع فيض نشرات الاخبار و “اللايفات”، لكن في المقابل الإغناء نفسه قد يربك الفهم ويجعله عسيرا، فبين الوضوح والضبابية تتموضع مناعة المتلقي الفكرية وحسه النقدي، لتفكيك الاحداث وفهمها. سأحاول النبش في دوافع تحرك هذه الجموع من منطلق فهم شخصي يحتمل الخطأ والصواب ولا يدعي الصحة ولا الالمام الشامل.
لم تكن الهجرة يوما استثناء في تاريخ المغرب فهي دينامية مستمرة، فعبر تاريخه الطويل تحركت القبائل تارة طواعية وتارة بشكل قسري وأحيانا فردية وأخرى جماعية، حتى استحالت الرحلة فن مغربي بامتياز، وصولا إلى هجرات اليد العاملة، ثم هجرات الأطر والادمغة ثم هجرة الشباب البكر الغير مؤهل.
في تقديري احداث الهجرة الأخيرة نحو سبتة ومليلية المحتلتين من ورائها شجرتين كبيرتين (دون تعميم)
-شجرة القهر: جذعها الرئيسي الفساد السياسي بكل تجلياته (تعثر التنزيل السليم لدستور 2011، تواضع جهود المحاسبة، توجيه الانتخابات، التلاعب في التقطيع الانتخابي، زواج المال والسلطة، التوزيع غير العادل للثروة، تعدد البرامج والمخططات وهزالة أثرها المباشر على يومي المواطن …).
تتفرع عن هذا الجذع فروع كثيفة متلونة ومتشعبة يصعب فصل بعضها عن البعض فتصير المناطق الرمادية و المظلمة كثيرة ، منها تضارب المصالح، الترحال السياسي، خرق مبدأ تكافؤ الفرص، الزبونية، المحسوبية، الرشوة، انتقائية القوانين، المناصب على المقاس، الصفقات على المقاس، صراع لوبيات المصالح حول المال العام…من ثمار هذه الشجرة نشير إلى: تشكل نفور عام من العمل السياسي، الاتيان على ما تبقى من رصيد الثقة في المؤسسات، بروز نوع من المسؤولين و المواطنين همهم الغنيمة و تشكيل شبكات المصالح المتبادلة، توزيع متفاوت للمجهود التنموي بين جهات و أقاليم الوطن، ظهور مواطنين و مواطنات واعون بتشخيص حالة الإحباط العام و عاجزين عن المبادرة السياسية، بروز تقسيم طبقي العامل الحاسم فيه المال والقرب من دوائر القرار، مثقف معزول و مغيب، طوابير العاطلين ، اتساع دائرة الفقراء، …هذه الشجرة تتغذى جذورها من تراكمات تاريخية جمة… و تحولات اجتماعية متسارعة…لكنها تنتعش بشكل كبير بمخصبات ( حين تغيب الدولة في عز طلب حضورها في القضايا الكبرى : الكوارث الطبيعية، أضاحي عيد الأضحى، الحرص على نزاهة الانتخابات، حماية المال العام، تضارب المصالح، صعوبة الولوج إلى الخدمات الاساسية ،الغلاء الفاحش ،البون الشاسع بين الشعارات و الواقع المعاش،… و في القضايا الصغرى : فوضى السياحة الداخلية بكل تفاصيلها، الارتباك في تدبير قطاعات النظافة و النقل الحضري و الانارة العمومية، فوضى المحطات الطرقية في الأعياد، ارتباك الدخول المدرسي و الجامعي، مزاجية بعض المسؤولين و الموظفين، قوانين متقادمة تحتاج للتحيين، خرق مدونة الشغل… شبهات الفساد في توزيع الدعم العمومي المساعدات الغذائية، الاعلاف…)
هذه الشجرة (البِنْية) بجذعها الخشن والقوي وفروعها الكثيفة والمتداخلة وثمارها المرة والشائكة وجذورها العميقة، تولد سلوكيات يومية مبنية على تراتبية القوة من الجذع نحو الفرع سلوكيات مغلفة بعنف رمزي نسميها (الحكرة) يصير فيها الوطن حلبة صراع على المواقع، ويومي المواطن تأهب مستمر للمواجهة من الصباح إلى المساء. مع ما يرافق ذلك من اهدار للجهد والوقت وتخريب لمنظومة القيم وتآكل للمادة اللاحمة التي تجمعنا (تامغربيت)، والأكيد تضخم كلفة الإصلاح.
– شجرة اللاتأطير: هي في الحقيقة شجيرات عديدة تشكل غابة (مع استحضار مدلول الغابة في المخيال الجمعي الشعبي والذي يحيل على الفوضى) فوضى انحسار فعل التأطير وتعدد المرجعيات، فضلا عن وجود ديمغرافية فتية واسعة كمادة اولية للتأطير، من هذه الشجيرات:
أُسْرة استنزفتها الحاجيات الاقتصادية و تحمل نفقات تدني الخدمات العمومية، فقلصت من دورها التربوي مكرهة ، علاوة على التفكك الاسري و ما له من تبعات ، مدرسة عمومية مهترئة انهكتها الإصلاحات المتتالية وصراع الأيديولوجيات مع غياب رؤية استراتيجية مجمع عليها، أحزاب و نقابات مناسباتية غالبيتها مجتثة عن المجتمع لم تستطع التخلص من منطق الزاوية (الشيخ والمريد) ولم تقو على البناء الحزبي العصري، الولاء فيها للزعيم و للأسرة و للمصلحة و ليس للخط النضالي… قيادات لم تتدرج في تنظيمات الحزب …برامج ظرفية…، من الشجيرات أيضا منظومة إعلامية عمومية غارقة في تزيين الواجهة ، و اجترار السرديات الرسمية ، منظومة اختزلت أدوارها في الترفيه، التضييق على الاعلام الخاص و الرأي الاخر…، ثم شجيرة المؤسسات التأطيرية من دور الشباب و دور الثقافة حيث المباني المهترئة، قلة الأطر و الموظفين، ضعف التجهيزات او عدم ملائمتها، ضعف جاذبية هذه المؤسسات…، إلى جانب شجيرة التأطير الديني المتهالك و الذي لم يساير التحولات المجتمعية المتسارعة، فرض نمطية مبالغ فيها في خطب الجمعة…،ثم مجتمع مدني محدود بموارد هزيلة وضبابية في التصورات …
تتشابه ثمار هذه الشجيرات ومنها: أطفال وتلاميذ تائهون بين قيم الأسرة وقيم المدرسة وقيم الشارع، والقيم العابرة للحدود عبر الشاشات…، خريجون بشهادات فارغة، منتخبون وسياسيون همهم الغنيمة، اعلام ممسوخ يرسخ التفاهة والتسطيح، نفور من وسائل الاعلام الرسمية، اعلاميون يكتبون تحت الطلب، بورجوازية هاجسها الأساسي تحقيق الربح المادي والمعنوي، جمعيات انتهازية تشتغل تحت الطلب، انتشار التدين المغشوش و و جاهة التدين الطقوسي، …تصحر قيمي شديد.، فضاء عام تسوده الفوضى و التطفل و الاحتيال، تقلص دائرة المشترك القيمي…
تنتعش هذه الشجيرات بمخصبات منها فيض قنوات التأطير الافتراضية (وسائل التواصل الاجتماعي، قنوات المؤثرين وصناع المحتوى…)، صناعة (بقصد او بغيره) قدوات من نجوم الفن والرياضة والوهم…
شجيرات “اللاتأطير” هاته تغذي باستمرار شجرة القهر في مشهد بئيس حيت تتم إعادة الإنتاج وفق نفس القوالب، مما يقوي عوامل الطرد وبفعل التراكم (فشل دراسي، فقدان الشغل، ضياع حق، تعنت اداري، عدم الاستفادة من الحق في التطبيب، شطط في استعمال السلطة، غلاء فاحش…) تتطور فكرة المغادرة /الهجرة /الهروب… إلى قرار ثم إلى فعل.
للحد من عوامل الطرد و تحصين المنجزات لابد لزاما من:
-اقتلاع شجرة القهر وإعادة تشكيل صورة المواطن كمواطن له حقوق وعليه واجبات، مواطن يحس بالكرامة ويتنفس الحرية ويثق في العدالة…
– تشذيب شجيرات “اللاتأطير” من الفروع والاغصان الزائفة وإحياء بذرة التأطير فيها وفق مشروع وطني متفاوض بشأنه.