لم أكن أبحث عن امتياز، ولا عن مقعد مضمون، حين فكرت في خوض الانتخابات المقبلة، كنت أبحث عن فرصة أضع فيها ما راكمته من تجربة في التواصل والعمل المدني والكتابة والتحليل في خدمة منطقة أعرفها، وأعرف جزءا من قضاياها وانتظارات ساكنتها.
كانت لدي رغبة حقيقية في الترشح، وكنت مستعدا لخوض تجربة انتخابية تقوم على التواصل المباشر مع المواطنين، خصوصا الشباب، وعلى محاولة إقناعهم ببرنامج ورؤية، بدل الاكتفاء بالشعارات الانتخابية المعتادة، لكن سرعان ما اصطدمت رغبتي بجانب آخر لا يظهر كثيرا في الخطاب السياسي حول المشاركة والانتخابات، وهو الكلفة المالية للترشح، وفي هذا الإطار، تواصلت مع أحد الأحزاب السياسية رغبة في الترشح باسمه، وكنت واضحا منذ البداية في أنني لا أملك القدرة على تحمل نفقات الحملة الانتخابية من مالي الخاص، وأن استعدادي لخوضها مرتبط بقدرة الحزب على توفير الدعم والوسائل الضرورية، خاصة أنني أنوي الترشح في دائرة تارودانت الشمالية، وهي دائرة شاسعة ومترامية الأطراف.
كنت أعتقد أن الحزب، باعتباره الإطار السياسي الذي سيقدم المرشح باسمه، يمكن أن يوفر الحد الأدنى من الإمكانات التي تسمح له بخوض حملة انتخابية حقيقية، لكن الجواب الذي تلقيته من مسؤولي الحزب بالجهة كان واضحًا ومباشرا، “ليس لدينا دعم، ابحث عن حزب آخر لديه الدعم”.
قد تبدو الإجابة عادية من الناحية التنظيمية، خصوصا إذا كان الحزب فعلا لا يتوفر على الإمكانات المالية اللازمة، لكنها بالنسبة إلي كشفت جانبا آخر من واقع المشاركة السياسية، فأنا لم أكن أفتقر إلى الرغبة في الترشح، ولا إلى الاستعداد للعمل، ولا إلى الرغبة في التواصل مع المواطنين، المشكلة كانت في القدرة على تحمل كلفة حملة انتخابية ستكون مرتفعة بالنسبة إلى شخص محدود الإمكانات المادية مثلي.
أمام هذا الواقع، استنتجت أن المواطن يمكن أن يكون مؤهلا قانونيا للترشح، وأن يمتلك الرغبة والكفاءة والحضور الاجتماعي، لكنه قد يجد نفسه عاجزا عن خوض المنافسة بسبب إمكاناته المالية، وهذا ما ينطبق بالضبط على تجربتي الشخصية.
أنا أعرف المنطقة، بل أنا جزء منها، أحمل همها وأتقاسم المعاناة مع أهلها، أعيش العطش الذي يعيشه أغلب سكانها، وأعاني معهم صعوبة التنقل عبر الطرق المهترئة، وأتقاسم معهم معاناة بعد الإدارات والخدمات الأساسية عنهم، وغياب أبسط مقومات العيش الكريم، أعرف الكثير من ساكنتها، ولدي تجربة في التواصل والعمل المدني، وقد كنت حاضرا ونشيطا إلى جانب المواطنين خلال فترة زلزال تارودانت والحوز، ولا سيما في تارودانت، وكنت ولا أزال فاعلا مدنيا يحمل هم الدوار، ويسعى إلى إيجاد سبل لتوفير أدنى شروط العيش الكريم، من الماء الصالح للشرب إلى الطريق المعبدة، إلى جانب ذلك، أنشط في مجال الكتابة وإبداء الرأي، وأتابع القضايا السياسية والاجتماعية، وهو ما منحني قدرة على التواصل والتحليل وطرح القضايا التي تشغل المواطنين والمواطنات، كنت أرى أن هذه العناصر يمكن أن تشكل رصيدا حقيقيا في أي تجربة انتخابية، لكنني اكتشفت أن امتلاك الرغبة والحضور والكفاءة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على دخول المنافسة بالشروط نفسها التي يدخل بها آخرون.
فالانتخابات تحتاج إلى تنقل، ولقاءات، وتواصل ميداني، ووسائل لوجستيكية، ومواد انتخابية، وفريق للعمل، وكل ذلك له تكلفة، ومن هنا يصبح المال عاملا مؤثرا في العملية الانتخابية، حتى وإن لم يكن شرطا قانونيا للترشح.
وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن المال يضمن الفوز، أو أن كل شخص ميسور قادر بالضرورة على كسب ثقة الناخبين، فالانتخابات تقوم أيضا على الثقة والسمعة والحضور والقدرة على الإقناع، والناخب ليس مجرد رقم يمكن التحكم فيه بالمال. لكن المشكلة تبدأ قبل الوصول إلى صندوق الاقتراع؛ فعندما تحول الإمكانات المالية دون ترشح بعض أصحاب الكفاءة والحضور، يجد الناخب نفسه أمام خيارات محدودة، وقد يضطر إلى الاختيار من بين من تمكنوا أصلا من خوض المنافسة، لا من بين جميع من كان يمكن أن يمثلوا انشغالاته.
وهنا تختل الموازين، فالمرشح الذي يمتلك إمكانات مالية يستطيع أن يتحرك أكثر، وأن يصل إلى عدد أكبر من المواطنين، وأن ينظم لقاءات أكثر، وأن يوفر وسائل تواصل وحضورا لا يستطيع مرشح محدود الإمكانات توفيرها، وهكذا لا يعود التنافس محصورا في البرامج والكفاءة والقدرة على إقناع الناخب، وإنما تدخل القدرة المالية بوصفها عاملا مؤثرا في الوصول إلى الناخب أصلًا.
والمفارقة أن هذا النقاش يأتي في ظل تخصيص الدولة موارد مالية مهمة لتمويل الحملات الانتخابية، فبالنسبة إلى الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، حددت مساهمة الدولة في تمويل الحملات التي تقوم بها الأحزاب السياسية في 400 مليون درهم، إضافة إلى 50 مليون درهم مخصصة للوائح الترشيح التي يقدمها مترشحون لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، وفق الشروط القانونية.
وجود هذا الدعم يعكس اعترافا رسميا بأن العملية الانتخابية تحتاج إلى موارد مالية، وأن تمويل الحملات لا يمكن أن يترك بالكامل لقدرات المرشحين الشخصية، لكن التحدي الحقيقي يبقى في كيفية استفادة المرشحين من هذه الإمكانات، ومدى قدرة الأحزاب على توفير شروط تنافسية معقولة لمن لا يملكون موارد شخصية كبيرة.
وتزداد أهمية هذا الأمر بالنسبة إلى الشباب الذين لطالما تمت المطالبة بإدماجهم في الحياة السياسية، ودعوتهم إلى الانخراط فيها، والمطالبة بتجديد النخب، فمن الصعب أن يتحقق ذلك في الوقت الذي نجد فيه بعض الشباب الراغبين في الانخراط في الحياة السياسية وخوض تجربة انتخابية يصطدمون منذ البداية بعائق مالي لا يستطيعون تجاوزه.
فالشاب الذي لا يملك ثروة، لكنه يملك الكفاءة والحضور والقدرة على التواصل مع الناس، يجب ألا تكون إمكاناته المالية سببا في إبعاده عمليا عن المنافسة السياسية.
وهذا لا يتعلق بالشباب عموما فقط، بل عشته شخصيًا، ففي حالتي، لم يكن العائق هو غياب الرغبة أو الاستعداد، كنت مستعدا لخوض الحملة والعمل ميدانيا والتواصل مع شباب المنطقة وساكنتها، وكنت أرى أن هناك حاجة حقيقية إلى وجوه جديدة تستطيع الاقتراب من المواطنين والاستماع إليهم والتعبير عن انشغالاتهم، لكن عندما يكون المرشح مطالبا بتوفير الموارد المالية بنفسه، فإن المسألة تتحول من منافسة سياسية إلى اختبار للقدرة على الإنفاق، وهذا لا ينسجم مع خطاب تجديد النخب والحياة السياسية.
فالأحزاب السياسية يفترض أن تكون فضاء لاستقطاب الكفاءات والطاقات الجديدة، وليس فقط الأشخاص القادرين على تمويل أنشطتهم الانتخابية بأنفسهم، وإذا كان من الطبيعي أن يتحمل المرشح جزءا من المسؤولية السياسية والتنظيمية لحملته، فمن الضروري في المقابل أن يكون هناك تصور واضح لدور الحزب في توفير الدعم والتنظيم والتأطير، خصوصا بالنسبة إلى المرشحين الشباب الذين يمتلكون حضورا ميدانيا وقدرة على التواصل، لكنهم لا يملكون إمكانات مالية كبيرة.
تجربتي هذه مع الترشح جعلتني أنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، قبل التفكير في الترشح، كنت أعتقد أن المعركة الأساسية ستكون في القدرة على إقناع المواطنين، وطرح برنامج مقنع، والتواصل معهم وكسب ثقتهم، لكن التجربة أظهرت لي أن هناك معركة أخرى تسبق كل ذلك، وهي القدرة على توفير شروط خوض المنافسة نفسها.
وهنا لا أتحدث عن تجربتي باعتبارها حالة استثنائية، ولا أتهم حزبا بعينه، وإنما أطرحها باعتبارها تجربة شخصية كشفت لي جانبا من الإشكال الذي قد يواجهه كثير من أصحاب الكفاءة والحضور الاجتماعي ممن لا يملكون إمكانات مالية كبيرة.
فالترشح للانتخابات يجب ألا يكون امتيازا للأثرياء، كما لا ينبغي أن يصبح المال معيارا غير معلن لاختيار من يستطيع دخول المنافسة ومن يضطر إلى الانسحاب منها، والديمقراطية لا تعني فقط أن يكون باب الترشح مفتوحا من الناحية القانونية، وإنما تعني أيضا أن تكون فرص المنافسة نفسها أكثر عدالة.
ومن تجربتي الشخصية، أعتقد أن النقاش حول الانتخابات المقبلة يجب ألا يقتصر على عدد المقاعد أو أسماء المرشحين والتحالفات، بل يجب أن يمتد أيضا إلى تمويل الحملات، ودور الأحزاب في دعم مرشحيها، ومدى قدرة المنظومة الحالية على إعطاء فرصة حقيقية للكفاءات التي لا تملك المال، لأن خسارة الانتخابات بسبب عدم إقناع الناخبين أمر طبيعي في الديمقراطية، أما الانسحاب من المنافسة قبل بدايتها بسبب العجز عن تحمل تكاليفها، فذلك يستحق أن نتوقف عنده طويلًا.
وفي الختام، أظهرت لي تجربتي هذه أن المال قد لا يكون شرطا مكتوبا للترشح، لكنه يمكن أن يتحول في الواقع إلى شرط أساسي للقدرة على المنافسة.