بين مسطرة القاضي ومخاتلة السياسي: قراءة في خلفيات القرار الدستوري رقم (277/26)
وجهة نظر

بين مسطرة القاضي ومخاتلة السياسي: قراءة في خلفيات القرار الدستوري رقم (277/26)

تستند قراءتنا المتأنية لمخرجات القرار الدستوري رقم (26/277) إلى أطروحة مركزية؛ مفادها أننا بصدد حوار سياسي مؤسساتي يُسائل الواقع الحالي، ويقتضي إعادة ترتيب المسؤوليات السياسية الناجمة عن هذا الوضع المثير للاهتمام قانونيا وسياسيا. في هذا الصدد، نجادل بفرضية أساسية مفادها أن القاضي الدستوري —ورغم مناطه الدستوري المتمثل في حماية الشرعية وكفالة سمو الدستور— يعتبر فاعلا يتفاعل داخل سياقات سياسية واجتماعية وازنة؛ مما يحفزه على التجاوب —ولو بطريقة غير مباشرة— مع التحولات الواقعية والتوازنات السياسية الضاغطة.

وتتقوى هذه الأطروحة بالظروف السياسية المحيطة بإحالة شابَها عيب إجرائي (نقصا كان أم خطأ)، صدرت عن جهة يُفترض فيها استيفاء السلامة الإجرائية والتحوط من الخطأ، إن لم نقل تحري العصمة من الخطأ. ولا نقصد بالجهة المسؤولة هنا الإدارة البرلمانية، بل الجهة التي تُحمَّل المسؤولية الدستورية والسياسية عن هذه الإحالة، والمتمثلة في رئاسة مجلس النواب. 

يتجاوز إخلال جهة الإحالة —ممثلة برئاسة مجلس النواب— بالضوابط الإجرائية الحدود الشائعة للتعثر المسطري العابر، ليطرح استفهامات سياسية عميقة؛ إذ يُستبعد أن يقع فاعل من قيمة رئيس مجلس النواب تراكمت خبرته البرلمانية عبر أربع ولايات تشريعية ترأس خلالها المجلس لولايتين في خطأ إجرائي جليّ، مما يُرجح فرضية المخاتلة السياسية على احتمال السهو العارض. وقد تجلى هذا الخلل الشكلي في إحالة نص القانون المعتمد دون إرفاق ما يثبت التصويت النهائي لكلا المجلسين، حيث اقتصرت الإحالة على تصويت مجلس النواب مع إغفال تصويت مجلس المستشارين؛ وهو ما اصطدم بقاعدة صريحة تأبى الاستثناء، مفادها اشتراط الموافقة البرلمانية الكاملة والفعليّة لانعقاد اختصاص الرقابة، الأمر الذي وضع المحكمة الدستورية أمام مانع إجرائي حال دون بتّها في مدى دستورية النص أو إبطاله.

ورغم أن قرار المحكمة الدستورية (26/277) المتعلق بالقانون المنظم لمهنة المحاماة يبدو متماسكا شكليا، ومتطابقا مع أحكام الفصل 132 من الدستور والمادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، فإن الإحاطة بأبعاده السياسية تقتضي سَبْرَ غور سياقه السياسي، واستقراء رسائله الضمنية إلى الفاعلين المؤسساتيين. وتتجلى هذه الرسائل عبر ثلاثة مؤشرات دالة: امتناع المحكمة عن طلب استدراك النقص الإجرائي، واستنفادها الأجل الدستوري كاملاً (ثلاثون يوماً) في مسلك قضائي غير مسبوق، فضلاً عن توظيفها صيغة «تعذر البت على حاله» ذات الحمولة الدلالية المكثفة؛ وهي مؤشرات تضافرت لتعبر عن نزوع القاضي الدستوري نحو إعادة ضبط التوازنات، وتحديد المسؤوليات السياسية، وإعادة توزيع الأدوار المؤسساتية.

  • جهة الإحالة وسؤال “المخاتلة السياسية”

إن الاقتصار على تحليل منطوق القرار بمنأى عن قراءة خلفيات الإحالة، والجهة التي تقدمت بها، وطبيعة الشوائب والأخطاء المسطرية التي شابها، يظل تحليلا قاصرا وأحادي البُعد؛ إذ يسقط من حسابه موازين القوى السياسية والعدسة الواقعية التي يرى القاضي الدستوري من خلالها دوره في ضبط التوازنات المؤسساتية. وإذا كان من حق المتابع والملاحظ تسليط الضوء على استغراق المحكمة الدستورية أجل الثلاثين يوما كاملا لإصدار قرار كان بمقدورها البت فيه في وقت أسرع بالنظر لطابعه الإجرائي/الشكلي، فإن الأجدر والأولى بالتحليل هو البدء بمساءلة المؤسسة التشريعية، وبالأخص “جهة الإحالة”.

إن السقوط في خطأ إجرائي شكلي يمس بالمسلمات المسطرية للإحالة وبالمبادئ السياسية المستقرة، لا يمكن اعتباره زلة عفوية أو مجرد سهو عارض؛ بل هو خطأ إجرائي حاسم يُجرّد الإحالة من قيمتها القانونية ويُفرغها من محتواها الموضوعي. وهنا يبرز معطى “المخاتلة السياسية” وتتأكد المساءلة السياسية والأخلاقية عبر سؤالين جوهريين:

  • من يتحمل مسؤولية هذا التعثر أو “العبث” الإجرائي؟
  • ولماذا لم تُبادر الجهة صاحبة الإحالة إلى تصحيح مسارها وتدارك خطئها ذاتيا؟
  • كيف يُفسَّر استمرار غياب أي مبادرة —حتى الآن— من جهة الإحالة لتصحيح الملف وإعادة عرضه وفق القواعد السليمة والنص القانوني مكتمل الأركان، لا سيما بعد صدور القرار الدستوري؟

وهنا يُفترضُ أنه لو توفرت الإرادة السياسية الصادقة والنية الحسنة لتفعيل الرقابة الدستورية بجدية على قانون المحاماة، لكان بمقدور جهة الإحالة (رئيس مجلس النواب) تحمّل المسؤولية الكاملة عن خطئها، وإعادة إرسال إحالة جديدة مستوفية للشروط الإجرائية والشكلية فور التفطّن للخلل أو غداة صدور القرار مباشرة. غير أن النكوص أو التقاعس عن اتخاذ هذه الخطوة يطرح أكثر من علامة استفهام حول المقاصد الحقيقية الموجهة لهذا الملف، وما إذا كانت الإحالة مجرد أداة سياسية للمناورة و«إبراء الذمة»، بدلاً من كونها حرصا قانونيا أصيلا على صيانة الشرعية الدستورية.

وفي هذا السياق، تتجلّى الرسالة الأولى التي ينطوي عليها القرار؛ وكأن المحكمة الدستورية —بلغتها الخفية— تتساءل: لماذا تُطالَبُ المحكمة الدستورية بالمبادرة لتصحيح الملف في غياب أي مقتضى قانوني يُلزمها بذلك؟ ويبدو أن المحكمة قد أدركت أن الأمر يتجاوز الخطأ المادي أو السهو السطحي، فوجّهت رسالة مؤسساتية شديدة الوضوح مفادها: إن المحكمة الدستورية ليست «غرفة تشريعية ثالثة»، ولن تقبل بإلقاء اللوم عليها أو رمي «الكرة السياسية» في ملعبها، وعلى كل مؤسسة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة.»

  • أبعاد أجل الثلاثين يوما وحجم المسؤولية المؤسساتية

بالرجوع إلى الممارسات المستقرة للقضاء الدستوري المغربي في مجال الرقابة الاختيارية على دستورية القوانين العادية —والتي تغطي تقريبا 26 أو 27 حالة سابقة تتعلق بالرقابة الاختيارية— يتضح أن المجلس/المحكمة الدستورية لم يعتادا استهلاك الأجل الكامل المحدد في 30 يوما. فقد كان زمن البت يتراوح غالبا بين 15 و20 يوما، ولم يبلغ 25 يوما إلا في حالات معدودة. أمام هذه الممارسة القضائية الجديدة،

يفرض السؤال نفسه: ما الرسالة التي أرادت المحكمة الدستورية إبلاغها من خلال استنفاد الأجل الكلي (30 يوما كاملة)، لإنتاج قرار كان بمقدورها حسمه شكليا في يومين فقط؟” هل أخطأت المحكمة الدستورية التقدير؟ 

الواضح أن المحكمة الدستورية لم تُخطئ التقدير؛ فمن جهة أولى؛ المقتضيات الدستورية والقانونية صريحة وواضحة (الفصل 132 من الدستور، والمادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية)؛ إذ أرجعت المحكمة العيب إلى خلل إجرائي شكلي تمثل في إرفاق رئيس مجلس النواب للإحالة بتقرير اللجنة البرلمانية بدلا من النص النهائي للقانون كما صادق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية. وهو مانع مسطري عارض لا يعني عدم القبول النهائي؛ إذ تشترط المحكمة وجود نص تشريعي مكتمل الأركان لمباشرة رقابتها الدستورية، مستبعدة الوثائق التحضيرية وتقارير اللجان من نطاق هذه الرقابة. 

ومن جهة ثانية: تُعدّ تقنية «تعذّر البت في الإحالة على الحال» ممارسة اجتهادية متجذّرة ومألوفة في القضاء الدستوري المغربي حيث دأب القاضي الدستوري، في مجموعة من القرارات السابقة، على ربط هذا الامتناع بوجود غموض قد يكتنف مضامين النصوص، أو نقص وشغور في الإجراءات والوثائق المرفقة بملف الإحالة (كعدم تضمين المساطر الشكلية الجوهرية أو إسقاط بعض المواد)، مما يُحيل بين المحكمة وبين فحص الدستورية موضوعيا؛ وهي تقنية مقارنة لا تعني الملاءمة ولا عدمها، بل تُصنَّف كعائق إجرائي مؤقت يُبقي النص المحال قائما ويفتح الباب أمام الجهات المُحوّلة دستوريا لتدارك الخلل الإجرائي وإعادة الإحالة بملفٍ مكتمل الأركان.”

وإذا كان لا يوجد نصٌّ صريح يفرض على المحكمة الدستورية المطالبة بتصحيح المسطرة —ولو أن الأخذ بهذا المذهب كان سيُعدّ اجتهادا محمودا— فإن حقها يظل مكفولا في غياب أي إلزام دستوري بذلك. وهنا تتبدّى لنا فرضية ثانية تنطوي على رسالة ثانية جليّة؛ إذ إن المحكمة استنفدت المهلة القانونية كاملة، إفساحا للمجال —في تقديرها— أمام الجهة صاحبة الإحالة لتدارك عيبها المسطري تلقائيا بإرسال نسخة طبق الأصل مصادق عليها من تصويت مجلس المستشارين.، فضلا عن تحميل البرلمان/جهة صاحبة الإحالة المسؤولية السياسية الكاملة عن خطئها المكشوف. 

وما يؤكد هذا الطرح أن جهة الإحالة كان بمقدورها إعادة مراسلة المحكمة الدستورية على وجه الاستعجال فور صدور القرار مرفقا بالنص الأصلي، غير أن عدم اتخاذه هذه الخطوة يُرجّح فرضية الاعتبارات السياسية والمخاتلة السياسية وغياب الإرادة الفعلية لإخضاع هذا القانون المعني لرقابة دستورية حقيقية.

  • حول مستقبل قانون المحاماة بعد قرار المحكمة الدستورية

رغم أن التوصيف الدستوري يمنح المؤسسة التشريعية صلاحية المعالجة، إلا أن حسابات الملاءمة السياسية تُعقّد خيار عقد دورة استثنائية للبرلمان في هذه الفترة الصيفية المزدحمة بالتحضيرات الانتخابية. لكن عموما نقول إن قانون مهنة المحاماة يقف عند مفترق طرق دستوري وسياسي عقب قرار المحكمة الدستورية القاضي بتعذر البت على الحال؛ إذ يطرح المشهد ثلاث خيارات مسطرية رئيسية:

  • إحالة جديدة ومكتملة: أن تُبادر جهة الإحالة إلى توجيه إحالة جديدة على وجه الاستعجال إلى المحكمة الدستورية مرفقة بملف متكامل يُثبت رسميا سلامة إجراءات المصادقة في كلا مجلسي البرلمان.
  • إصدار النص ; وإرجاء المراجعة   : إصدار القانون وفقا لأحكام الفصل (50) من الدستور داخل أجل ثلاثين يوما، وذلك داخل أجل ثلاثين يوماً، أي بحلول 10 شتنتبر/أيلول المقبل. وفي هذا السيناريو، سيعود القرار للحكومة الجديدة المنبثقة عن انتخابات 23 شتنتبر/أيلول المقبل للبث في مدى تقديم مشروع جديد للتعديل والتغيير 
  • القراءة الجديد للملك كحل دستوري: وذلك من خلال تفعيل أحكام الفصل (95) من الدستور التي تتيح طلب إعادة قراءة النص التشريعي.