وجهة نظر

بين الوهم والمثالية: أزمة خطاب المنابر

مقدمة سياقية

هذا النص جاء بعد نقد حاد للخطاب المنبري في مساجد الجالية المغربية بفرنسا، حيث بدا واضحاً أن المنبر يعيش أزمة مزدوجة: بين خطاب مطمئن يبيع الوهم المريح، وخطاب مثالي غالٍ يثقل على الناس بمثاليات غير واقعية، بعيداً عن واقعهم وراهنهم. من هنا جاءت الحاجة إلى تحليل فلسفي واجتماعي يضع اليد على الداء ويقترح ملامح البديل.

أزمة قراءة الواقع

حين أنتقد خطاب المنابر، فإنني لا أنتقص من قدسية النصوص، بل من الأئمة الذين يتقنون التلاوة ويعجزون عن قراءة الواقع. وقراءة الواقع ليست وعياً سطحياً أو متابعة للأخبار، بل هي تلك اللحظة التي يُحدِثُ فيها الواقع بتركيبه المعقّد قلقاً فكرياً حقيقياً في نفس الإمام، يدفعه إلى اجتهاد عقلاني يستنطق النصوص لإيجاد حلول عملية لمشكلات الناس اليومية.

غياب هذا القلق يجعل الخطاب ضعيفاً، منفصلاً عن واقع الناس وراهنهم: ينهى عن الاحتكار دون فهم قوانين السوق، يحضّ على الصبر أمام البطالة دون تحليل أسبابها الهيكلية، ويغفل عن أزمات الهوية وصراع الأجيال في بلاد الغربة. وهكذا يصبح خطاباً شكلياً، يكرر النصوص دون أن يربطها بواقع المستمعين، فيفقد قوته الإصلاحية ويظل أسير الترديد الميكانيكي.

خطابان ضعيفان ومليئان بالوهم

هنا يظهر نوعان من الخطاب:

• الخطاب المطمئن الذي يقدّم للجمهور جرعات من الراحة النفسية، لكنه يظل أسير الأوهام المريحة.
• الخطاب المثالي الغالي الذي يثقل على الناس، يريد أن يحوّلهم إلى صحابة أو رهبان دون أن يعرف واقعهم وراهنهم، فيخرجهم من دائرة الوسطية إلى الغلو.

كلاهما في النهاية خطاب ضعيف ومليء بالوهم: الأول لأنه يبيع وهم الطمأنينة، والثاني لأنه يفرض مثاليات غير قابلة للتحقق، وكلاهما يعجز عن ملامسة مشكلات الناس اليومية أو تحرير وعيهم النقدي.

مسؤولية الجمهور

غير أن المسؤولية لا تقع على الأئمة وحدهم؛ فالجمهور نفسه يميل إلى الخطاب التطميني ويكافئه، في الوقت الذي يشتكي فيه من ضعف الخطاب. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: مجتمع يطالب بخطاب قوي، لكنه يثني على ما يضعفه، فيعيد إنتاج دائرة الوهم التي يشتكي منها.

نيتشه والأخلاق التقليدية

يقول نيتشه: “لا تقع ضحية المثالية المفرطة. وتعتقد أن قول الحقيقة سيقربك من الناس. الناس يحبون ويكافئون من يخدّرها بالأوهام”. هذه القولة تصلح مشرطاً تشخيصياً يكشف المرض: المجتمع يكافئ الوهم ويعاقب الحقيقة. لكننا نرفض دواءه؛ لأن الخلاص عندنا لا يكون بتجاوز الأخلاق ذاتها، بل بإعادة تأسيسها على أسئلة الواقع. الحقيقة التي ندعو إليها ليست عزلة فلسفية ولا تمرّداً أخلاقياً شاملاً، بل أداة نقدية لإعادة وصل النصوص بالواقع، بعيداً عن سفسطة المثاليات أو الأوهام المريحة.

نحو خطاب جديد

حين يغرق خطاب المنابر في المثالية المفرطة، فإنه يعيد إنتاج خطاب الطاعة والخضوع السلبي، أي إنتاج القطيع الذي يُسطَّح وعيه ويُلغى عقله. بينما المطلوب هو خطاب يحرّر وعي المسلم العادي، لا أن يحمّله عبء الاجتهاد الفقهي المعقّد، بل أن يوقظ فيه روح السؤال والفهم الشخصي، وينمّي مداركه النقدية، ويحرّره من التبعية العمياء.

البديل ليس إلغاء القديم، بل تخليقه من جديد: خطاب يواجه الواقع بإشكالياته، يعترف بحدود اجتهاده، ويحوّل القلق الفكري إلى طاقة إصلاحية، ويدعو إلى حركة إرادية نحو التغيير. ومثال ذلك: معالجة قضية التربية في بلاد الغربة لا تكون باجتزاء نصوص البر وحدها، بل باجتهاد يجمع بين حفظ الدين ومراعاة العرف المحلي والاندماج الإيجابي، مع فتح ورش فعلية للأسرة والمدرسة، بدلاً من الاكتفاء بمواعظ في فضائل الأولاد.

خاتمة

بهذا المعنى، يصبح نقد الخطاب الديني واجباً معرفياً وأخلاقياً. إنه ليس سعياً وراء حقيقة مطلقة، ولا انعزالاً نخبوياً، بل محاولة متواضعة لكسر دائرة الجمود، واستئناف مشروع المجددين القدامى والمعاصرين في إعادة الاعتبار لوظيفة المنبر الأصلية: أن يكون جسراً بين ثابت النص ومتغيّر الراهن، لا بين السماء الموعودة وأوهام الأرض المكسورة.