الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي أعظم سيرة عرفها التاريخ الإنساني، إذ لم يحظَ بشرٌ من الأولين والآخرين بما حظي به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عناية إلهية، وحفظٍ دقيق لأقواله وأفعاله وأحواله كلها، حتى استوعبت كتب أهل العلم أدق تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم.
ولمّا كانت هذه السيرة العطرة هي التفسير العملي الكامل لهدي القرآن الكريم، وهي السبيل إلى معرفة شخصه الكريم صلى الله عليه وسلم معرفة تُورث المحبة والاقتداء، كان لزامًا على كل مسلم أن يقف مع مصطلحات هذا العلم الجليل ليتبين مراد العلماء منها، وما الفرق بين السنة والشمائل والسيرة، وكيف اعتنى بها السلف الصالح رضوان الله عليهم. وفي هذه السطور نستعرض هذه المفاهيم، ونقف وقفة إجلال مع جهود العلماء في حفظ هذا الإرث النبوي العظيم، خاصة ونحن نستقبل ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم التي تستحضر في القلوب معاني الرحمة والاقتداء.
يعرف المحدثون (السنة) أنها ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول، وفعل، وتقرير، ووصف (صفة خَلْقية، أو خُلُقية) وسيرة، سواء كان ذلك قبل مبعثه أو بعده.
فالسنن القولية: هي أحاديثه صلى الله عليه وسلم التي قالها في مختلف الأغراض والمناسبات، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار” وغير ذلك.
والسنن الفعلية: هي أفعاله صلى الله عليه وسلم مثل أدائه الصلوات الخمس بهيئاتها وأركانها، وأدائه مناسك الحج.
والسنن التقريرية: هي ما أقرّه الرسول صلى الله عليه وسلم مما صدر عن بعض أصحابه من أقوال وأفعال بسكوته وعدم إنكاره، أو بموافقته وإظهار استحسانه فيعتبر هذا الإقرار والموافقة عليه صادرا عن الرسول نفسه.
وأوصافه: هي شمائله؛ أي خلقه وأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فالخَلْق: بفتح الخاء وسكون اللام، المراد به صورته وشكله صلى الله عليه وسلم. والخُلُق بضمتين: ما تحلى به صلى الله عليه وسلم من صفاته الباطنة؛ كالحلم والعلم.
والشمائل: جمع شمال بمعنى الطبع والسجية. قال في «معجم ديوان الأدب»: «والشَّمائلُ قد تكونُ من الأَخْلاقِ، ومن خِلْقَة الجَسَد.»
والسيرة: هي الترجمة المأثورة لحياة النبى محمد عليه الصلاة والسلام، وهي التفسير الواقعي العملي المثالي الشامل الكامل للقرآن الكريم وبكل شروحه وتفصيلاته وبياناته.
ولقد بذل السلف الصالح من العلماء جهودا مشكورة في خدمة السنة النبوية الشريفة، يقول فضيلة الشيخ “محمد المنتقى الكشناوى”: «وقد وعت كتب السنة والمغازي والتاريخ والشمائل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وصفاته، من أول نشأته إلى أن اختاره الله تعالى إلى جواره، لا سيما الفترة التي أدّى فيها الرسالة، ولم تدع أمرا من أموره، ولا شيئا من شؤونه دقّ أو جل إلا أحصته، حتى إنك لتجد فيها صفة ثيابه، وجلوسه ونهوضه من نومه، وهيئته في ضحكه وابتسامه، ومشيته وعبادته في ليله ونهاره، وكيف كان يفعل إذا اغتسل، وإذا أكل، وكيف كان يشرب، وماذا كان يلبس، وكيف كان يتحدث للناس إذا لقيهم، وما كان يحب من الألوان، وما هي حليته وشمائله.
ولسنا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إنه ليس في الدنيا إنسان كامل يتحدث التاريخ عن سيرته على التفصيل كما تحدث عن تفاصيل حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين. وأن من أوفى كتاب في هذا الموضوع هو كتاب (الشمائل المحمدية) للإمام الحافظ المحقق “محمد بن عيسى الترمذي” نفعنا الله تعالى به وأعاد علينا من بركاته آمين.
يقول “علي بن سلطان محمد القاري”: «ومن أحسن ما صنف في شمائله وأخلاقه صلى الله عليه وسلم كتاب الترمذي المختصر الجامع في سيره على الوجه الأتم، بحيث أن مطالع هذا الكتاب، كأنه يطالع طلعة ذلك الجناب، ويرى محاسنه الشريفة في كل باب».
والمطلع على ما كتب عنه يرى بعين الحقيقة العناية الإلهية والحفظ التام لما نطق به المصطفى، فهذه “كتب السنة” لأقواله وأفعاله وتقريراته، وهذه “كتب الشمائل” لخلقه وأخلاقه، وهذه “كتب السيرة والتاريخ والمغازي” لحياته في كل سكناته وتحركاته، وهذه “كتب الخصائص” لما اختص الله به نبيه من الفضائل والأمور التي انفرد بها وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء، وإما عن سائر البشر، وهذه «كُتُب معجزات النبيّ ، وأعلام ودلائل نبوته»، وبالجملة. نقلت حياته صلى الله عليه وسلم برمتها وكلياتها وجزئياتها فى عباداته ومعاملاته، فى سلمه وحربه، وفى نومه ويقظته، فى أدق الأمور، وفيما نعده من أسرار حياتنا كمعاشرته، إلى غير ذلك بصورة لم تحظ بها سيرة أحد غيره من البشر.»
وها هنا نقف وقفة اعتبار مع جهد السلف رضوان الله عليهم في حفظ ما سبق عن سيرة الرسول بكل تلاوينها وأنواعها، وتعليمها للخلف كما يعلمونهم السورة من القرآن، كناية عن المثابرة وشدة الاهتمام والاعتناء التام، يقول الإمامُ ابنُ كَثِيرِ رحمه الله في «البداية والنهاية 5/ 21»: (وهَذا الفَنُّ -يَعْنِي المَغَازِي- مِمِّا يَنْبَغِي الاعْتِنَاءُ به، والاعْتِبَارُ بأَمْرِه، والتَّهيُّؤ لَهُ، كَمَا رَوَاهُ مُحمَّدُ بنُ عُمَرَ الوَاقِديُّ عَنْ عَبْد اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبيه، قال: سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ الحُسَيْنِ يَقُولُ: كُنَّا نُعَلَّمُ مَغَازِي النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَمَا نُعَلَّمُ السّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، قالَ الوَاقِديُّ: وسَمِعتُ مُحمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمِّي الزّهْرِيَّ يَقُولُ في عِلْمِ المَغَازِي: عِلْمُ الآخِرَةِ والدُّنيا).» وفي «دلائل النبوة – البيهقي» (3/ 6): «عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص الزهري المدني قال: كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعدها علينا وسراياه، ويقول: يا بني هذه شرف آبائكم فلا تضيعوا ذكرها.»
ونحن في ذكرى مولد النبي الهادي البشير علينا استحضار هذا الأمر العظيم ففي سيرته من مولده إلى وفاته شرف هذه الأمة ورحمتها، يقول القاضي عياض رحمه الله في كتابه «الشفا بتعريف حقوق المصطفى – وحاشية الشمني» (1/ 16): « قَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ: زَيَّنَ اللَّه تَعَالَى مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ فَكَانَ كَوْنُهُ رَحْمَةً وَجَمِيعُ شَمَائِلِهِ وَصِفَاتِهِ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ، فمن أصابه شئ مَنْ رَحْمَتِهِ فَهُوَ النَّاجِي فِي الدَّارَيْنِ مِنْ كُلَّ مَكْرُوهٍ وَالْوَاصِلُ فِيهِمَا إِلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً للعالمين) فَكَانَتْ حَيَاتُهُ رَحْمَةً وَممَاتُهُ رَحْمَةً كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم (حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَوْتِي خَيْرٌ لَكُمْ) وَكَمَا قَالَ عليه الصلاة والسلام (إِذَا أرَادَ اللَّهُ رَحْمَةً بِأُمَّةٍ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا)»
وبعد هذا العرض لمفهوم السنة بأقسامها القولية والفعلية والتقريرية، ولمعنى الشمائل والسيرة والخصائص، يتبين لنا عظم الجهد الذي بذله علماء الأمة في حفظ هذا التراث النبوي الشريف، وصيانته من الضياع، حتى وصل إلينا كاملًا موفورًا، تتلمذ عليه الخلف كما تتلمذوا على كتاب الله.
وإن استحضار هذا الإرث في مناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف ليس مجرد استذكار لحدث تاريخي، بل هو تجديد للصلة بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقتباس من نور هديه وأخلاقه وشمائله، ليكون قدوة حاضرة في واقعنا لا مجرد ذكرى تمر، فهو صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة التي بها حياة القلوب وصلاح الدنيا والآخرة، فحري بنا أن نحيي في هذه الذكرى معالم سيرته، ونجدد عهدنا معه بالاتباع والاقتداء، سائلين الله تعالى أن يحشرنا في زمرته، وأن يرزقنا شفاعته يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.