منوعات

تحذير أممي: الصراعات المسلحة تدمر النظم الغذائية وتدفع العالم نحو مجاعات غير مسبوقة

سجل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تعرض النظم الغذائية الحيوية وكل ما تدعمه من أرواح وسبل عيش لهجمات مستمرة في ظل استمرار دوامة الربط بين الجوع والصراع، موضحا خلال جلسة نقاشية لمجلس الأمن الدولي حول السلم والأمن انعقدت يوم 25 غشت 2026، أن ما لا يقل عن 266 مليون شخص واجهوا انعداما حادا في الأمن الغذائي خلال العام الماضي.

يأتي ذلك في وقت سجل فيه العالم أكبر عدد من الصراعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية، ما أدى إلى تسجيل ظروف المجاعة في مكانين في آن واحد لأول مرة في هذا القرن، وتحديدا في مناطق داخل السودان وغزة، ليصبح الصراع والعنف المحركين الرئيسيين للجوع في اثنتي عشرة بؤرة من أصل ثلاث عشرة بؤرة ساخنة عبر العالم.

وكشف المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو عن مأساة أسرة صومالية مكونة من أربعة أطفال التقاها خلال زيارته للصومال الأسبوع الماضي، حيث اضطرت هذه الأسرة لهجر مزرعتها بعد وصول جماعات مسلحة طالبت بدفع مبالغ مالية مقابل السماح لها بمواصلة زراعة الأرض، لتقطع مسافة تقارب مائة كيلومتر سيرا على الأقدام للوصول إلى مخيم للنازحين في رحلة فجعت خلالها بوفاة أحد الأطفال.

ووصف المتحدث هذه المحنة بأنها مثال على ظاهرة أوسع تتكشف في مناطق الحروب حيث يولد الصراع الجوع الذي يخلق بدوره ظروفا تؤدي إلى مزيد من العنف، وسط إجبار المزارعين في الصومال على ترك أراضيهم، وتعرض الأسواق في السودان لضربات بالطائرات المسيرة والصواريخ، وعزل مجتمعات بأكملها في هايتي بسبب عنف العصابات، ومنع العاملين في المجال الإنساني من الوصول للمحتاجين من غزة إلى مالي وميانمار.

وأوضح المسؤول الأممي أن هذه الأزمات مجتمعة تشير إلى تطور خطير في العلاقة بين الحرب والجوع، حيث باتت النظم الغذائية ذاتها بما تشمله من مزارع وموانئ وأسواق ومرافق تخزين وطرق شحن تقع بشكل متزايد في خضم صراعات تتجاوز تداعياتها الاقتصادية حدود ساحات المعارك بكثير، لتتبدل جغرافيا الجوع إثر الهجمات، حيث يمكن لضربة صاروخية لميناء أو هجوم على سفينة شحن أن يرفع أسعار الغذاء في مناطق تبعد آلاف الأميال، مقدما مثالا بمنطقة البحر الأسود التي تعد شريانا حيويا لتجارة الغذاء العالمية نظرا لكون روسيا وأوكرانيا من كبار مصدري الحبوب، حيث أدت الهجمات المتصاعدة إلى انخفاض شحنات الحبوب عبر مضيق البوسفور بنسبة أربعين بالمائة مقارنة بالعام السابق وفقا لبيانات برنامج الأغذية العالمي.

وأشار المصدر ذاته إلى أن الهجمات على السفن التجارية أدت إلى عرقلة حركة التجارة عبر البحر الأحمر، كما تأثر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية وثلث تجارة الأسمدة بالقيود وعمليات الإغلاق التي دفعت أسعار السلع إلى الارتفاع،

وقال إن هذه الأزمة تطال ثلاثة ممرات بحرية استراتيجية تنتقل آثار الاضطرابات فيها عبر أسواق الطاقة والأسمدة والغذاء المترابطة، مما يحول الحروب البعيدة إلى أعباء وتكاليف متزايدة تتحملها الدول التي تعتمد بشكل كبير على الواردات، وهو ما يعني ارتفاعا في الأسعار بالنسبة للدول الغنية، وتقليصا لعدد الوجبات الغذائية بالنسبة للدول التي تعاني أصلا من أوضاع هشة.

وأضاف التقرير الأممي أن تكاليف الغذاء الأساسي في السودان ارتفعت بنسبة تقارب أربعين بالمائة منذ شهر فبراير، مبرزا أن زيادة أسعار الوقود تنعكس على عمليات الري والنقل والطحن، في حين تهدد الاضطرابات في صادرات الأسمدة مواسم الزراعة في أنحاء إفريقيا وآسيا، مما يعني أن العواقب الكاملة للصراعات الراهنة قد لا تتضح إلا عند حلول مواسم الحصاد المستقبلية، خصوصا وأن الصراعات تؤدي إلى تدمير المزارع والأسواق وتجبر الناس على النزوح، مما يجعل المجتمعات النازحة والفقيرة أكثر عرضة للاستقطاب والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية.

وأكد سكاو أن الصومال يعد مثالا صارخا ومأساويا لهذا الوضع، حيث يواجه ستة ملايين شخص يمثلون نحو ثلث السكان جوعا حادا أو أوضاعا أسوأ، بينما يعاني ما يقرب من مليوني طفل من سوء التغذية الحاد أو الوخيم، في وقت لا يقدم فيه برنامج الأغذية العالمي المساعدة إلا لنحو ستمائة ألف شخص، وبعدما حال القتال الدائر في مدينة بيدوا الأسبوع الماضي دون وصول الوكالة إلى نحو خمسة آلاف طفل لتقديم المساعدات الغذائية لهم، محذرا من استمرار الحلقة المفرغة بين النزاع المسلح وانعدام الأمن الغذائي التي أقرها مجلس الأمن رسميا سنة 2018 عبر قراره رقم 2417، والتي أكد الأمين العام للأمم المتحدة استمرارها رغم مرور سبع سنوات.

وتابع المسؤولون إيضاحهم بأن المشكلة لا تكمن في أنظمة رصد الجوع والتنبؤ بوقوع المجاعات بل فيما يحدث بعد صدور التحذيرات، مستحضرين المجاعة التي ضربت الصومال بين عامي 2010 و2012 وأودت بحياة ما يقرب من 260 ألف شخص نصفهم من الأطفال، مقابل عدم وصول الأزمات اللاحقة في عامي 2017 و2022 إلى المستوى الكارثي ذاته بفضل تكثيف المساعدات قبل استفحال المجاعة، في حين يمثل السودان نموذجا معاكسا أخفق فيه المجتمع الدولي في اتخاذ إجراءات حاسمة رغم وضوح مؤشرات الخطر، ليوجه غوتيريش دعوة لمجلس الأمن لحماية البنية التحتية الغذائية والتحرك بمجرد ظهور أضواء التحذير وعدم الانتظار حتى يتم التأكيد رسميا على وقوع المجاعة، في ظل مفارقة مقلقة أصبح فيها العالم أكثر قدرة على التنبؤ بمواقع الجوع، لكنه أقل قدرة ورغبة في منعه وسط تزايد الحروب والنازحين وتقلص الموارد الإنسانية.