فاتني أن أضع “بيرية” المثقفين فوق رأسي، ثم ألتقط صورة بروفايل أكثر كاريزما، بربطة عنق محسوبة بعناية، وربما سيجار كوبي بين أصابعي، وأن أختار خلفية توحي بأنني خرجت لتوي من ندوة فلسفية في باريس. فاتني أن أحملق من خلف نظارات طبية سميكة في نقطة بعيدة لا يراها أحد، حتى يعتقد من ينظر إلى الصورة أنني منشغل بسؤال الوجود، أو بمصير الإنسان في عصر ما بعد الحداثة…
كان يمكنني أيضا أن أجعل عيني أضيق قليلا مما هما عليه الآن، وأن أدرب وجهي على تلك الملامح التي تقول للناس: “هذا الرجل يفكر قبل أن يتكلم”. ثم أترك بين كل جملة وجملة مسافة قصيرة، حتى تبدو الحكمة وهي تخرج من فمي ثقيلة، متعبة من طول الطريق الذي قطعته داخل رأسي.
وكان بوسعي، حين أكتب لكم، أن أفتح خزانة المصطلحات الفلسفية، وألقي منها ما يكفي لإصابة القارئ بالدوار: الفينومينولوجيا، الأنطولوجيا، الإبستمولوجيا، الميتافيزيقا، الهرمنيوطيقا، الأنطروبولوجيا الفلسفية، الديالكتيك، التفكيك، الوجودية، البنيوية، ما بعد البنيوية، السيميائيات، العدمية، الاغتراب، التشيؤ، الاستلاب، الوعي الزائف، والجدل الجدلي الذي لا يعرف أحد أين يبدأ ولا أين ينتهي.
يمكنني أن أضع هذه الكلمات في نص واحد، وأربط بينها كما تربط الخيوط في ثوب فاخر، ثم أترك القارئ أمامها مذهولا، يحدق في الصفحة كما يحدق شخص دخل بالخطأ إلى مختبر مليء بالأجهزة ولا يعرف وظيفة أي واحد منها.
وربما سيقول أحدهم: “هذا رجل قرأ كثيرا”.
وقد يقول آخر: هذا “عقل فلسفي عميق”.
وربما يكتب ثالث: “نحن أمام مشروع مفكر كبير”.
وحينها أكون قد ربحت المعركة كلها، من دون أن أقول شيئا يستحق كل ذلك الانبهار.
لكنني، لسبب لا أعرف إن كان فطريا أم عنادا، اخترت طريقا آخر.
اخترت قلم البؤساء.
قلم الدراويش الذين يعشقون الظل، ويجلسون في آخر المقهى، ويستمعون إلى الناس وهم يتحدثون عن حياتهم، عن الخبز، عن الحب، عن الخيبة، عن العمل، عن الهجرة، عن الأب الذي مات، عن الابن الذي سافر، عن المرأة التي لم تعد، عن الرجل الذي عاد ولم يجد شيئا ينتظره.
أحب أن يقرأ لي شخص لم يتجاوز الابتدائي فيفهمني، ويقرأ لي شخص في المرحلة الثانوية فيجادلني، ويقرأ لي طالب جامعي فيختلف معي، ويقرأ لي أستاذ جامعي فينتقدني، ثم يجلس الجميع حول النص نفسه من دون أن يحتاج أحد إلى قاموس كي يعرف ماذا أردت أن أقول.
لا أريد أن أبني من الكتابة برجا عاجيا، ثم أصعد إليه وأطل من نافذته على الناس، أنتظر أن تأتي قناة تلفزيونية لتسألني عن رأيي في مصير الحضارة، أو عن “التحولات الأنطولوجية في بنية الوعي الجمعي”، فأجيبها وأنا أعدل نظارتي وأضع يدي على ذقني، كأنني أحمل في رأسي مفاتيح الكون…
أعرف هذه اللعبة جيدا.
الثقافة، حين تتحول إلى زينة اجتماعية، تصبح نوعا من اللباس. وقد يرتدي الإنسان الثقافة بالطريقة التي يرتدي بها بدلة باهظة الثمن. كلما ارتفع سعر البدلة، ارتفع في عيون الآخرين مقام صاحبها. وكلما ازدادت المصطلحات، ازدادت الهالة. وكلما ازداد الغموض، بدا الكلام أعمق.
الهالة هنا ليست حول الفكرة، وإنما حول صاحبها.
وهذا واحد من أكثر أشكال السلطة نعومة.
فالإنسان لا يحتاج دائما إلى أن يقول للآخرين: انا “مهم”. يكفي أن يبني حول نفسه علامات الأهمية: صورة مدروسة، ملامح متجهمة، كتب في الخلفية، حقيبة جلدية، نظارات ثقيلة، مقهى أنيق، معطف طويل، أسماء فلاسفة تتكرر في حديثه، ومفردات لا يفهمها إلا ثلاثة أشخاص في القاعة.
ثم تبدأ الجماعة في صناعة الأسطورة.
يصبح الشخص “المفكر”، قبل أن تصبح أفكاره فكرية.
وتصبح صورته دليلا على عمقه.
وتصبح علاقاته دليلا على أهميته.
وتصبح طاولته في المطعم دليلا على مكانته.
وتصبح دعوته إلى ندوة دليلا على أنه صاحب مشروع.
وهكذا تتحول الثقافة من فعل داخلي إلى رأسمال رمزي؛ يراكم صاحبه به الاعتراف، والنفوذ، والامتياز، والقرب من دوائر القرار.
وهناك مثقفون يتعلمون هذه اللعبة بسرعة.
يتقربون من الأثرياء، يجلسون إلى جوار السياسيين، يلتقطون الصور مع أصحاب السلطة، يظهرون في الأماكن الفخمة، ويتحدثون عن القضايا الكبرى من فوق طاولات لا يستطيع الفقراء حتى دفع ثمن كوب الماء عليها.
ثم يعودون إلى الناس ليحدثوهم عن الفقر.
أجد في ذلك شيئا ساخرا إلى حد بعيد.
أما أنا فقد فاتني هذا كله.
فاتني أن أكون مثقفا “جدا”.
فاتني أن أحمل حقيبة جلدية كبيرة تبدو منتفخة بالمراجع الفكرية التي ربما لم أقرأها يوما.
فاتني أن أرتدي في الشتاء معطفا طويلا وحذاء أسود لامعا، وشالا حول عنقي، حتى يتوهم من يراني أنني خرجت للتو من اجتماع إداري عاجل حول مستقبل الأرض.
فاتني أن أجلس في مكتب مكيف، أمام مكتبة ضخمة مرتبة بالألوان، وأكتب عن بؤس الإنسان بينما لا يصلني من البؤس سوى ما يصل عبر شاشة الحاسوب.
لقد اخترت أن أكتب من آخر زاوية في مقهى شعبي.
من مكان يجلس فيه رجل ينتظر راتبه، وشاب يفكر في الهجرة، وعامل يشرب قهوته بسرعة قبل أن يعود إلى عمله، وشيخ يتابع مباراة في شاشة معلقة فوق الرؤوس، وامرأة تبحث عن شيء في هاتفها، وطفل يركض بين الكراسي.
وقد أكتب تحت شجرة عتيقة، عاش فوقها لقلق أكثر مما عاش بعض الذين يكتبون عن “استمرارية الذاكرة الجمعية”.
وقد أكتب في مكان لا يعرف أحد فيه شيئا عن الفينومينولوجيا، لكنه يعرف تماما معنى أن يعود الإنسان إلى بيته وفي جيبه دراهم قليلة.
هناك أجد فلسفتي.
في وجه عامل أنهكه النهار.
في صمت رجل خذله الحب.
في امرأة تحمل فوق كتفيها بيتا كاملا.
في شاب يضحك كثيرا لأنه لا يريد لأحد أن يعرف كم يخاف من الغد.
في شيخ يجلس وحده أمام كأس شاي ويستعيد في رأسه أسماء الذين رحلوا.
هذه الأشياء الصغيرة هي التي تجعلني أكتب.
قد أكتب في الأدب، وقد أذهب إلى الفلسفة، وقد أدخل علوم الاجتماع، وقد أسبح بخيالي في التاريخ والسياسة والنفس البشرية، وقد أتحدث عن ماركس وابن خلدون ودوركهايم وكامو ودستويفسكي، لكنني لا أريد أن أجعل من هذه الأسماء حواجز بيني وبين القارئ.
أريد أن تدخل الفكرة إلى النص كما يدخل الهواء من نافذة مفتوحة.
أريد للقارئ أن يصل إلى الحكمة بنفسه.
أن يجد الرسالة في جيب النص.
أن يقرأ ثم يقول: “فهمت”.
ولا أريد أن أضطر بعد ذلك إلى كتابة منشور آخر أشرح فيه ماذا كنت أقصد.
الكتابة عندي لا تحتاج إلى حارس يقف على بابها ويطلب من الداخلين شهاداتهم الأكاديمية.
أحب أن يدخلها الفقير والغني، العامل والأستاذ، الطالب والموظف، الذي قرأ ألف كتاب والذي لم يجد وقتا لقراءة كتاب كامل.
فاللغة عندي جسر.
وكلما احتاج الجسر إلى امتحان كي يعبره الناس، فقد شيئا من وظيفته.
ولذلك فضلت أن أكتب بجلدي الاجتماعي العاري من التصنع.
أكتب بجلد متقرح.
أكتب من الحياة نفسها.
من الشارع.
من المقاهي.
من الحكايات التي لا تجد مكانا في المؤتمرات.
من الناس الذين لا يملكون لغة أكاديمية لوصف آلامهم، لكنهم يملكون قدرة مذهلة على قول جملة واحدة تختصر فلسفة كاملة.
لقد فضلت أن أكتب للفقراء.
ليس لأنني أريد أن أضع نفسي في صورة المناضل الذي يحمل هموم البشرية على كتفيه، وإنما لأنني أجد في حياة البسطاء مادة إنسانية هائلة. هناك، في التفاصيل التي تمر أمام أعين الجميع، تختبئ الأسئلة الكبرى.
الفقر فلسفة.
والخوف فلسفة.
والحب فلسفة.
والوحدة فلسفة.
والانتظار فلسفة.
وحتى كوب القهوة الذي يشربه رجل وحيدا في آخر المقهى يمكن أن يحمل من الأسئلة ما لا تحمله عشرات الندوات.
وقد فاتني أيضا أن أكتب بيانا سياسيا كي أبدو مهما.
فاتني أن أرتب حول اسمي مجموعة من الشعارات، وأعلن أنني أملك الإجابة النهائية عن الوطن والتاريخ والسلطة والمجتمع.
أحب أن أترك لنفسي حق التردد.
حق السؤال.
حق الخطأ.
حق أن أغير رأيي.
حق أن أكتب اليوم شيئا وأكتشف غدا أنني كنت مخطئا.
فأنا لا أريد أن أكون تمثالا.
التمثال لا يخطئ، لكنه لا يعيش أيضا.
وأنا أريد أن أعيش.
أريد أن أظل قريبا من الناس الذين أكتب عنهم، وأن تظل الكتابة عندي نافذة تطل على الشارع، لا شرفة عالية تطل على البشر.
ربما لهذا السبب لم أصنع حول نفسي هالة المثقف “الكبير”.
لم أتعلم كيف أبدو عميقا.
تعلمت كيف أبحث عن العمق في الأشياء العادية.
وهذا فرق كبير.
هناك من يجعل نفسه غامضا كي يبدو عميقا.
وأنا أبحث عن العمق في الوضوح.
هناك من يرفع اللغة حتى لا يصل إليها أحد.
وأنا أحاول أن أنزل بالفكرة حتى تجلس إلى جانب القارئ على طاولة واحدة.
هناك من يريد أن يثبت أنه قرأ كثيرا.
وأنا أريد أن أجعل ما قرأته نافعا لمن لم يقرأ.
هناك من يستخدم الثقافة سلما يصعد به فوق الآخرين.
وأنا أريدها سلما أنزل به إليهم.
لقد فاتني أن أكون مثقفا “جدا”.
فاتني أن أكون صاحب هالة.
فاتني أن أجلس في الصفوف الأولى تحت أضواء القاعات، وأن أرتدي وجها يقول للجميع إنني شخص استثنائي.
وفاتني أن أتعلم كيف أبدو مهما.
لكن شيئا واحدا لم يفتني بعد:
أن أكون صعلوكا يكتب.
أن أكتب من عمق البؤس، لا من فوق البرج العاجي.
أن أجلس في آخر المقهى، حيث لا أحد يهتم كثيرا بمن أكون، وأفتح دفتري، وأضع القهوة إلى جانبي، وأبدأ في الكتابة.
هناك، حيث تختلط رائحة القهوة بدخان السجائر، وضجيج النادل بأصوات الزبائن، وضحكات العابرين بصمت الذين يفكرون في حياتهم، أشعر أنني أقرب إلى الأدب.
وقد أكون أقل أناقة.
أقل أهمية.
أقل لمعانا.
أقل ثقلا في أعين الذين يحبون الهالات.
لكنني أكون أقرب إلى نفسي.
وهذا، في النهاية، يكفيني.
فقد كان بوسعي أن أكون مهما جدا…
لكنني اخترت أن أكون حقيقيا.
وقد فاتني أن أكون مثقفا “جدا”…
ولم يفتني بعد أن أكون إنسانا يكتب.
تعليقات الزوار
الأستاذ سعيد حجي، يستحق العناية والتشجيع من المنابر الإعلامية والثقافية ذات الانتشار الواسع، التي تروم نشر الوعي وسط الشباب المهزوم طبقيا والمأزوم نفسيا، لتعبد أمام شبابنا طريق الخلاص من هدر الفرص وركوب جادة الصواب. تحياتنا للعمق المغربي وللأستاذ سعيد حجي، قلم المستقبل.