منتدى العمق

الصواب الراجح في تسديد التبليغ..

تعد خطبة الجمعة، بالإضافة إلى مكانتها كشعيرة دينية أساسية – إذ لا تصح صلاة الجمعة إلا بها – وسيلة إعلامية أساسية في المجتمع الإسلامي، والاجتماع حولها له من القدسية والوقار والأدب بعض ما يُعَرِّفُ بخصوصية رسالة الإسلام التي جاء بها آخر الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

خطبة الجمعة إذن إرث نبوي يجتمع فيها وحولها الكبير والصغير، والغني والفقير، والأبيض والأسود، على نطاق واحد وقاعدة سواء للإنصات لما جاءت به نصوص شرع الله وما استفاضت فيه الشروح والتفاسير والاجتهادات وأغنت به في كل أبواب العبادات والمعاملات المختلفة بين بني البشر..

ولقد كان لخطبة الجمعة ببلادنا عبر التاريخ صيت ومكانة عززها كثير من علمائها الأفذاذ في الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط، والذين يَعْسُرُ حَصرُهم أو عَدُّهم، وهذه حقيقة لا غُبار عليها ولا خِلاف في شأنها، اجتمعت لديهم المعارف واجتمع فيهم أوجه الهيبة والوقار والتواضع طبعاً وخدمة المجتمع جبلة.

ومما أبرزته خطبة الجمعة بالمغرب دائماً، اجتماعها والتفافها على وحدة المذهب والكلمة والصف، وامتدت بعض عطاياها وآثارها – وفروعها إن جاز القول – حتى إلى البيوت خلال انعقاد المناسبات العائلية المختلفة (أعراس، مآتم، عقائق…)، وتحقق بذلك الانسجام بين الناس في الأحياء بالمدن، والدوائر بالقرى والبوادي، وانتشر بذلك كثير من الوعي بالدين وتحققت مساحة واسعة إلى حد الإجماع في التمييز بين الخير والشر مما يتصل بالوطنية وكل المشترك ديناً ودنيا..

بيد أن حلول “خطة تسديد التبليغ”، من على منابر الجمعة، والتي استبشر بها الكثير خيراً في البداية، إذ المراجعة والتصحيح والاجتهاد والحركة في كل الميادين والأنشطة والخدمات أمر محمود من حيث المبدأ، عكس الجمود الذي قد يؤدي أو يحيل على الخمول والإبقاء على الهفوات والسلبيات..، سرعان ما تجلت نمطيتها شكلاً ومحتوىً، ونفَّرت الناس، وجعلت الكثير منهم يفضل البقاء في البيت، أو الذهاب متأخراً لتفادي تتبع خُطَبٍ كئيبة مُمِلة لا فائدة منها، وهذه حقيقة !

والصواب الذي قد يبدو مقنعاً فيما سمي “خطة تسديد التبليغ” هو أن تكون الخطة شمولية، ولا أراها شخصيا إلا تصب في روح التوجيه الملكي بالتحذير من السير بسرعتين (…) إذ ما الفائدة وما النتائج التي حققتها “خطة تسديد التبليغ” إلى الآن ؟ لاشيء، عدا العزوف عن الإقبال على صلاة الجمعة الذي سيتضاعف مستقبلا لا قدر الله.

ما حدث يوم 30 يوليوز الماضي من “هجرة جماعية” نحو سبتة المحتلة لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره حادثة مرتبطة بالهجرة غير النظامية، ولا باعتباره نتيجة مباشرة للفقر أو البطالة أو الإحباط، لكنها لا تفسر وحدها كيف استطاع خطاب واحد أن يجمع هذا العدد من المراهقين حول حلم واحد، وفي وقت واحد، ويدفع بعضهم إلى المخاطرة بحياتهم..

هناك عامل آخر في حياة أطفالنا ومراهقينا بات من الضروري أن نلتفت إليه ونهتم به، كل من موقعه، لكن المسؤولية الأكبر تقع طبعاً على كاهل الحكومة – الحكومة برمتها -.
لقد أصبح الهاتف المحمول بالنسبة للمراهقين نافذة العالم الأولى، وربما الوحيدة، ومن خلاله يتلقى الطفل الأخبار ويتعرف إلى الآخرين، ويكون تصوراته عن النجاح، والفشل، وعن المستقبل، وعن أوربا، وعن الهجرة، وعن الحياة التي يحلم أو يتمنى أن يعيشها.

والمشكل ها هنا أن الطفل لا يمتلك دائما الأدوات الذاتية والفكرية التي تمكنه من التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المعلومة الدقيقة وخطر التضليل، وبين التجربة الفردية والقاعدة العامة.
وهذا ما يجعل وسائل التواصل الاجتماعي مختلفة عن وسائل الإعلام التقليدية، فالمراهق لا يشاهد محتوى عشوائيا فقط، وإنما قد يدخل تدريجيا في دائرة مغلقة تعيد أمامه الأفكار نفسها والقصص نفسها والصور نفسها، حتى يصبح ما يراه باستمرار “حقيقة” راسخة في ذهنه.

ومن يتابع بعض الحسابات والمحتويات التي يتداولها المراهقون حول الهجرة، يلاحظ أحيانا سرديات من مثل “أوربا هي الحل”، “الوصول سهل”، “الحياة هناك مضمونة”، “من وصل فقد نجح”…، أما الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وصعوبة الاندماج، واحتمالات الفشل والاستغلال، فغالبا ما تختفي من هذه الصورة ومن تصورهم بالمطلق.

الآن، هل نترك أبناءنا في سن الثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة أمام خوارزميات أقوى من قدرتهم على المقاومة، ثم نلومهم عندما يصدقون ما تعرضه لهم ؟
لقد بدأت دول عديدة في العالم تطرح السؤال نفسه، أستراليا ذهبت أبعد، حين فرضت منذ دجنبر 2025 على منصات رئيسية اتخاذ إجراءات لمنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات عليها، ودول أخرى تدرس بدورها قيوداً عمرية مختلفة، في تحول واضح من فكرة ترك حماية الأطفال بالكامل للأسرة إلى اعتبار الأمر مسؤولية قانونية ومجتمعية أيضاً.
إذن لابد من الاعتراف بأن الطفل أو المراهق، ليس كل ما يستطيعه مناسباً لعمره بالضرورة.

هذا، وفي سياق مختلف نسبيا، ورد أن السويد تتجه إلى تقليل استخدام الشاشات في المدارس، والعودة إلى الكتب الورقية والدفاتر والأقلام، في محاولة لتحسين مستويات القراءة والكتابة لدى الطلاب، وتقول الحكومة إن الإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية قد يشتت انتباه الأطفال ويؤثر في قدرتهم على التركيز واستيعاب المعلومات، خصوصا بعد تراجع نتائج السويد في اختبارات القراءة والرياضيات الدولية.. بمعنى أن هناك اهتمام بالإنسان وببناء الإنسان بنياناً سليماً وفق ما يرونه مصلحة لكينونتهم وبقائهم أمة حية محترمة..

تسديد التبليغ، فكرة وبرنامج في حاجة إلى صدق أولا، ثم إلى مراجعة بروح وعزم وطنيين، تنخرط فيه فعلياً وزارات عدة، منها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والداخلية، والتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والصحة، والعدل، والاتصال، وغيرها بلا شك، بإشراف مباشر ومسؤول من رئاسة الحكومة، ويكون من أهدافها تعزيز الجبهة الداخلية، وبناء المواطن الصالح بدءاً من مرحلة الطفولة، وإشاعة الأخلاق العامة، والغيرة على الثوابت والمكتسبات، والتآزر والتكتل والتكاثف حول المشترك بتأطير علمي معرفي رصين، بعيداً عن التصنع والمبالغة في الشكليات التي لا طائل من ورائها.

تسديد التبليغ، كلنـــا بحاجة إليه، لدينا نخباً مسؤولة.. بحاجة إلى “تسديد تبليغ” بالتنبيه، وربما بالمحاسبة، وربما أيضا بالمتابعة القضائية، لِمَ لا، ينقصنا العزم فقط، وتنقصنا الشجاعة غالباً.
أما تسديد التبليغ بصيغته الجارية، فهي بصراحة كارثة، حتى لا أقول معرة، بصورتها النمطية ودعائها الخشبي، حيث لا طعم لها ولا صدق فيها.

ولا أدري ماذا كان سيكتب فيلسوف الصحافة المكتوبة الراحل عبد الجبار السحيمي “بخط يده” لو كان بيننا حياً، ولا أدري بأي قلم “رصاص” كان سيكتب الكاتب/ الروائي العزيز الصحفي الراحل عبد الكريم غلاب في ركنه “مع الشعب”، ولا أدري ماذا كان سيقول العميد الكاتب الصحفي الراحل مصطفى العلوي في “حقيقته الضائعة”، وأحسبه كان سيختم لنا حكاية المواطن موشي (الفاسي) مع زوجته النبيهة.

تعليقات الزوار