تستعد القناة الثانية “دوزيم” لعرض فيلمي “زنقة مالقة” لمريم التوزاني و”أوتيستو” للمخرج المغربي الفرنسي جيروم كوهين أوليفار، ضمن برمجتها التلفزيونية المقبلة، في خطوة تفتح من جديد النقاش حول حدود عرض الأعمال السينمائية التي تتضمن مشاهد جريئة ومضامين أثارت جدلا عند تقديمها أمام الجمهور في المهرجانات الوطنية.
ولا يتعلق الأمر في حالة الفيلمين بمجرد أعمال سينمائية تحمل مضامين اجتماعية أو إنسانية، إذ يتضمن “أوتيستو” مشاهد عري تظهر فيها الممثلة لبنى أبيضار، إلى جانب حوارات تتضمن ألفاظا نابية ومتكررة في عدد من مشاهده.
أما “زنقة مالقة” فقد أثارت بعض مشاهده نقاشا بسبب طابعها الحميمي والجريء، وهو ما يجعل انتقال العملين من الشاشة السينمائية إلى قناة عمومية مفتوحة على الأسر المغربية محط تساؤلات تتجاوز الجانب الفني إلى طبيعة البرمجة التلفزيونية نفسها.
ويأتي عرض الفيلمين في سياق تراهن فيه القنوات العمومية على إعادة تقديم الإنتاج السينمائي المغربي للجمهور، خصوصا في ظل تراجع الإقبال على الأفلام الروائية الطويلة في القاعات السينمائية، بما يجعل التلفزيون إحدى القنوات الأساسية لإيصال الأفلام الوطنية إلى شريحة أوسع من المشاهدين.
غير أن هذا الدور يطرح، في المقابل، أسئلة مرتبطة بخصوصية الشاشة الصغيرة وطبيعة جمهورها، باعتبارها شاشة تدخل مختلف البيوت وتستقبلها الأسر بمختلف فئاتها العمرية.
وفي هذا السياق، يرى الناقد الفني مصطفى الطالب أن عرض الأفلام السينمائية المغربية على القناتين الأولى والثانية يظل أمرا مهما للترويج للإنتاج الوطني، لكنه يعتبر أن هذا الدور ينبغي أن يراعي خصوصية التلفزيون العمومي وطبيعة الأسر التي تتجمع حول شاشته.
وقال الطالب، في تصريح لجريدة “العمق”، إن القناتين الأولى والثانية دأبتا على عرض أفلام سينمائية مغربية بشكل أسبوعي أو شهري، معتبرا أن هذه الخطوة تكتسي أهمية خاصة في ظل عزوف الجمهور عن القاعات السينمائية، ولا سيما عن الأفلام المغربية.
وسجل الطالب، في المقابل، أن القناتين، وخصوصا “دوزيم”، لا تحترمان أحيانا خصوصية “الشاشة الصغيرة” التي تتجمع حولها الأسر المغربية، من خلال عرض أعمال تتضمن مشاهد جريئة ذات إيحاءات جنسية أو مشاهد حميمية، إلى جانب حوارات نابية ومشاهد عري.
وأشار الناقد إلى أن دفتر التحملات الخاص بالقنوات العمومية ينص -وفق قراءته- على احترام مبدأ عدم الإخلال بالحياء العام، ومراعاة جمهور النشء وعدم المساس بالمقدسات، معتبرا أن عرض بعض الأعمال التي تتضمن مشاهد من هذا النوع يضع القنوات أمام إشكال يرتبط بالحدود الفاصلة بين حرية الإبداع وخصوصية الإعلام العمومي.
وبحسب الطالب، فإن الاحتفاء بالواقعية أو الجرأة الفنية لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاوز ما يعتبره خطوطا حمراء اعتاد التلفزيون المغربي احترامها، مبرزا أن الأسرة المغربية لها خصوصيتها الاجتماعية والثقافية، وأن جزءا من الجمهور قد يشعر بالحرج أمام بعض المضامين عندما تعرض على شاشة عمومية مفتوحة لمختلف أفراد الأسرة.
ويرى الناقد أن معالجة الإشكال عبر حذف بعض المشاهد الجريئة قبل بث الأفلام لا تحسم النقاش، بل قد تخفي -في نظره- مشكلة أوسع مرتبطة بطبيعة العمل ككل.
وأضاف الطالب، أن الاقتصار على حذف المشاهد المخلة بالحياء العام، مع الإبقاء على الفيلم ضمن برمجته، يجعل القناة أمام ما وصفه بـ”النفاق”، لأن المسألة -بالنسبة إليه- لا تتعلق بالمشهد وحده وإنما أيضا بالرسالة العامة والقيم التي يحملها العمل.
وفي هذا الإطار، ينتقد الطالب ما يعتبره توظيفا مجانيا لبعض المشاهد الجريئة في عدد من الأفلام، مشيرا إلى أنها قد تتحول من عنصر يخدم البناء الدرامي إلى وسيلة لاستقطاب جمهور الشباب، مستفيدة من جاذبية “البوز” والصور المثيرة، مشددا على أن قيمة الفيلم لا تقاس بجرأة مشاهده، وإنما بقدرته على تقديم “العمق والفكرة والقيم الإنسانية” التي يروج لها.
ويذهب الناقد إلى أن النقاش يصبح أكثر حساسية عندما تنتقل هذه الأعمال إلى التلفزيون العمومي، معتبرا أن تكرار عرض أفلام توصف بأنها “مثيرة” قد يؤدي -من وجهة نظره- إلى تطبيع المشاهد المغربي تدريجيا مع هذا النوع من المضامين، سواء على الشاشة الكبرى أو الشاشة الصغيرة، تحت ذريعة أن الفن والإبداع السينمائي يتجاوزان الأخلاق والدين والقيم والدستور ومبدأ الحياء العام المنصوص عليه في قانون الاتصال السمعي البصري.
وحذر ذات المتحدث، من أن الوصول إلى ما وصفه بـ”الفوضى الإعلامية” من شأنه أن يبعد الإعلام العمومي عن وظائفه الأساسية المتمثلة، بحسب تعبيره، في الإخبار والتثقيف والترفيه. ويرى أن الأمر قد تكون له انعكاسات أوسع على الأسرة المغربية وخصوصياتها الاجتماعية والدينية، مشيرا إلى أن معاينته للواقع تجعله يعتقد أن غالبية الأسر المغربية تتحرج من مثل هذه الأعمال.
ولا يقف انتقاد الطالب عند حدود مضمون الأفلام، إذ يربط المسألة أيضا بما يعتبره تقويضا تدريجيا لبعض الأسس التي يقوم عليها المجتمع المغربي، بما فيها القيم والعقيدة والأخلاق والدستور، فضلا عن تأثير ذلك، وفق تصوره، على الذوق العام وعلى مستوى الإعلام في البلاد.
وفي المقابل، يدعو الناقد القنوات المغربية إلى تبني ما يصفه بـ”الجرأة الفعلية”، من خلال تشجيع وإنتاج أعمال درامية وسينمائية تلامس حقيقة وجدان الإنسان المغربي، وتحضر فيها هويته وقيمه وتعدد روافده الثقافية، بدلا من إقحام قيم يعتبرها دخيلة على المجتمع أو الانطلاق من “حداثة مزيفة”.
ويرى الطالب أن الجرأة المطلوبة في السينما المغربية لا ينبغي أن تختزل في المشاهد الحميمية أو العري أو اللغة النابية، بل يمكن أن تتخذ أبعادا سياسية واجتماعية أكثر التصاقا بالواقع المغربي.
وتابع أن الجرأة إذا كانت مطلوبة، فينبغي أن تتجه إلى تناول قضايا المغاربة ومشاكلهم، ومساءلة السياسات العمومية وتطورات الشأن العام، أو تسليط الضوء على الأوراش والمنجزات، بدل الاستمرار في ما يصفه بـ”السوداوية” التي تهيمن على جزء كبير من الإنتاج السينمائي المغربي.
ويربط الناقد هذه السوداوية، في قراءته، بأزمة العلاقة بين السينما والجمهور، معتبرا أن عددا من الأفلام المغربية لم يعد يستقطب جمهورا عريضا، وأن بعض الأعمال تقدم صورة قاتمة عن الواقع قد تسهم في دفع فئات من الشباب إلى الحلم بالهجرة والبحث عن “الجنة” في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية.
ويخلص الطالب إلى أن مسؤولية ضبط هذا التوازن لا تقع على القنوات وحدها، بل تمتد إلى مختلف الفاعلين في المشهد الثقافي والإعلامي، وفي مقدمتهم النقاد وفعاليات المجتمع المدني والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، داعيا هذه الأطراف إلى التنبيه إلى ما يعتبره انزلاقا في مضامين الشاشة العمومية، وفتح نقاش جدي حول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين حرية الإبداع، ودعم الصناعة السينمائية، واحترام خصوصية الجمهور المغربي.
تعليقات الزوار
ادا سمحتم شكرا لكم نضع بعض الحروف خفيفة وسط فضاء السينما الشاسع الغني بالصور المتنوعة المختلفة وبكل اللغات وبكل اللهجات القديمة والحديثة أيه نعم نحن لسنا من النقاد السينمائيين ولا من الكتاب السينمائيين بل من المحبين لسينما المتتبعين لنشاطها ان صح التعبير نعم السينما فن جامع فن متفتح بلغة العقل بلغة الحكمة فن يتمتع بأساليب كثيرة يصعب على أي كان أحصاءها السينما تعرف كيف تتعامل مع القضايا الاجتماعية المعقدة والغامضة بأساليب معطرة بالحكمة يسمعها الكل ولا يسمع منها الكلمات الزائدة صحيح السينما فتحت صدرها للكل أي سمحت لصور ومن أي جهة بالدخول لفضاءها ثم تقوم بالتحليل بطرقها الخاصة فمن وجدتها في المستوى خالية من شيء مكروه وضعت عليها خاتمها ومن وجدت فيها شيء تركته لغيره للكلمة بقية وكلمتنا هده من باب المحبة لسينما ولصورها من على مستوى عال جد ا جد ا من لامتياز ترويح عن النفس التي أصبحت تكره الهموم وما أكثرها في زماننا الحاضر السينما تريد ودائما أسعاد الناس وعلى قدر أستطاعتها